Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

حرب فرنسا على جماعات الإسلام السياسي

10 نوفمبر 2020

عمران سلمان

موضوع الرسوم الكاريكاتورية، إذا شئنا التشبيه، هو ليس أكثر من صاعق تفجير، لما يجري في فرنسا وفي أوروبا عموما، لكنه بالتأكيد ليس جوهر المشكلة أو الأزمة. إن عملية دفع تلك الرسوم إلى صدارة المشهد هي فقط محاولة للهروب من مواجهة التحدي الرئيسي المتمثل في حل الإشكال القائم بين قيم الدولة العلمانية الأوروبية الحديثة وبين مظاهر خروج الدين (ممثلا هنا بالإسلام السياسي) من فضائه الخاص إلى المجال العام.   

الانفصالية الإسلامية

يتمثل ذلك في مئات وربما آلاف الجمعيات والمؤسسات الإسلامية وكذلك المدارس الخاصة ونشاط أئمة ودعاة وجمعيات خيرية أجنبية ومواقع إلكترونية، والتي تسعى بثبات ودأب إلى تحويل المجتمعات المسلمة الرئيسية في أوروبا إلى امتدادات عضوية للمجتمعات الأصلية في البلدان العربية والإسلامية. ما يخلق حالة متزايدة من الانفصال النفسي والثقافي وربما لاحقا السياسي بين مسلمي أوروبا وبين مجتمعاتهم الجديدة.  

وليس أدل على ذلك من أن عددا من الدول العربية والإسلامية تقدم نفسها اليوم بوصفها مدافعا وحاميا عن هؤلاء المسلمين، كما لو أنهم مجرد جاليات مقيمة في أوروبا وليسوا مواطنين بإمكانهم اللجوء إلى قوانين وسلطات هذه الدول للدفاع عن أنفسهم في حال انتهكت حقوقهم، مثلهم مثل باقي المواطنين.  

هذا التوجه الذي تقف خلفه بقوة جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها الإخوان المسلمين، هو الذي يخلق مثل هذه الاحتكاكات العنيفة الذي تجري حاليا، سواء تعلق الأمر بقطع الرؤوس أو الهجوم على معبد يهودي أو انتقاد الأديان أو مقاطعة المنتوجات أو التمسك بالعلمانية.     

مركزية الإنسان

لكنه يعيد أيضا الأوروبيين من جديد إلى الجدل القديم الذي تصوروا أنهم قد تخطوه منذ عقود وربما قرون بشأن دور الدين في الحياة الخاصة والعامة وحول الفرد وحقوقه وحول العلاقة بين المؤسسة الدينية والمجتمع وبين السلطة السياسية والسلطة الدينية.. الخ.   

وخلال تاريخها لم يتم حل هذه المسائل بطريقة واحدة في أوروبا بل تعددت الحلول بتعدد التجارب الدينية والسياسية والثقافية. وفي البلدان التي كان تأثير الدين والسلطة الدينية مؤذيا ومدمرا مثل فرنسا، فقد تم تطوير نظام علماني شديد وصارم، في حين طورت ألمانيا ودول أخرى نظاما أقل حدة.  

لكن برغم تنوع هذه التجارب، توصل الأوروبيون في الأخير إلى نفس الخلاصات التي تقوم على مركزية الإنسان وعلى ضرورة توفير القوانين والتشريعات المختلفة لحمايته، فيما أبقت الدين والاعتقادات ضمن الحيز الخاص أو الشخصي. وأبعدتها عن المجال السياسي كلما كان ذلك ضروريا لحماية الأفراد.

بمعنى أن الدستور أو القانون لا يوفر للإنسان حقوقا انطلاقا من كونه تابعا لأحد الأديان أو الاعتقادات أو غير تابع لأي منها، وإنما انطلاقا من كونه فردا وعضوا في جماعة المواطنين. تطور هذا الأمر أيضا في العصر الحديث بحيث بات مجال الحقوق الأساسية يشمل الإنسان بصورة عامة وليس المواطنين فحسب.  

هذا التمييز الجوهري، هو الذي يقوم عليه البناء الفكري والقانوني والفلسفي والسياسي الأوروبي الحديث. لذلك يمكنك أن تنتقد الأفكار والعقائد والأديان المختلفة، لكن لا يمكنك أن تمس حقوق أتباعها المبينة في القانون.

الحرية في الإسلام

بالمقابل فإن الثقافة الإسلامية لم تعرف مثل هذا الفصل والتفريق بين الإنسان الفرد (الذي يملك حرية الاختيار) وبين الإنسان المتدين، وهي قطعا لا تجيزه ضمن دائرتها الخاصة. حتى مفهوم الحرية، وسواء كانت حرية الرأي أو الاعتقاد أو الدين، هي مفاهيم غريبة على الثقافة الإسلامية. مفهوم الحرية هنا يرد فقط في علاقته مع الاستعباد وللتفريق بين "الحر" و"العبد". خلاف ذلك لا يؤدي مصطلح "الحرية" أي غرض آخر. ومن الصعب العثور في أي من كتب التراث على مقدمات دينية أو نظرية يمكن من خلالها التأسيس لمفهوم الحرية أو إجراء أي نقاش بشأنها، على العكس يمكن بسهولة العثور على إشارات كثيرة، دالة وصريحة في الاتجاه المعاكس.  

ويلجأ البعض أحيانا لاستخدام تعبيرات مثل "حدود حرية التعبير تنتهي عندما تصطدم بحرية الآخرين" اعتقادا منه بأنه وجد الحل السحري لتقييد الحرية!   

الواقع أن هذا التعبير أطلقه أولئك الذين يضيقون ذرعا بحرية التعبير. ومؤداه أنه في كل مرة يمارس أحدهم حريته سوف ينبري له شخص آخر بالقول بأن هذا يصطدم مع حريتي وهكذا. وبالطبع هذه العبارة الهلامية لا تبين متى وأين تبدأ كل حرية ومتى وأين تنتهي.

حرية التعبير

الأصل أن حرية التعبير لا حدود لها (وإلا لما أصبحت حرية) والشرط الوحيد لممارستها هو ألا تنتهك حقا لإنسان آخر بموجب القانون. بمعنى أن الحرية هي القاعدة، فيما الانتهاك هو الاستثناء وليس العكس.

مثلا التشهير بالأفراد أو تهديدهم أو توجيه التهم جزافا إليهم أو منعهم من ممارسة حقوقهم أو إجبارهم على القيام بما يخالف إرادتهم.. الخ، هي مجالات حددها القانون لانتهاك حرية التعبير. أما الآراء السياسية للأفراد والاعتقادات وكل ما يقع في دائرتها، فهي تعتبر مجالا عاما، ولا يمكن تقييد حرية التعبير إزاءها. 

الاستثناء الوحيد هنا هو في حالة وقوع ضرر مباشر على الأفراد جراء ذلك، الأمر الذي يحيلنا من جديد إلى القانون نفسه.

طبعا يمكن للإنسان أن يلاحظ بأن العديد من المجتمعات الحديثة تراعي أمور الأديان والاعتقادات، لكن ذلك يأتي من باب الحساسية الثقافية أو السياسية، وليس لأنها تقع خارج نطاق حرية التعبير. الواقع أن عدد الكتب والصحف والبرامج التلفزيونية وغيرها من الوسائل التي تتعرض بالسخرية أو النقد للأديان والاعتقادات المختلفة في الغرب كبير جد. ولم يحدث أن تعرض القانون لأي منها.   

 

 

-------------------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

لا تنحو النسويات، في المجمل، لبث الكراهية ضد الرجال كمبدأ عام
لا تنحو النسويات، في المجمل، لبث الكراهية ضد الرجال كمبدأ عام

ابتهال الخطيب

كتبت غدير أحمد على موقع vicearabia مقالاً بعنوان "هل نكره الرجال حقاً؟" متناولة موضوعا غاية في الحساسية بشأن ما يطلق عليه "العنصرية أو التمييز الجنسي المعكوسين" أي حين تمارس النساء عنصرية على أساس الجنس ضد الرجال بإطلاق أحكام مطلقة عليهم على أنهم، تعميماً، عنيفون أشرار.

وعلى حين أننا كلنا نعرف مرمى التعميم، فندرك في وعينا أن القول "بكل الرجال" لا يعني كل رجل على سطح الكرة الأرضية وإنما يعني أغلبية كافية من الرجال بما يشكل ظاهرة سائدة، إلا أن غدير، كما أي منا حين تتعامل مع هذا الموضوع الشائك، تجد نفسها مضطرة لتفسير ما لا يحتاج تفسيرا أو إيضاحا.

تقول غدير "إن التعميم، الذي هو في محله تماماً، هو أداة نسوية في هذا السياق، والهدف انتفاضة القلة الباقية من الرجال الذين لا يمارسون العنف، والحساسين تجاه هويتهم الاجتماعية وهويتها التاريخية."

تؤكد غدير على فهمنا في الواقع للتصنيفات الرجولية المختلفة، وأننا حين نشير "للرجل" فنحن في الغالب نعني "الرجل النمطي" الذي يمارس العنف على كل من هم في نطاق هيمنته، و"الرجل غير الحساس لموقعه الاجتماعي" كصاحب امتيازات جندرية، و"الرجل غير المدرك للمسؤولية التاريخية تجاه هويته الاجتماعية"، التي تتحدد على أساس جنسه الذي ينتمي إليه أغلب مرتكبي أعمال العنف في الجنس البشري. 

ورغم أن تجربتي تبدو مختلفة إلى حد كبير عن تجربة غدير، إذ أنني بضربة حظ خالصة أنتمي لأسرة الكثير من رجالها يقدمون نماذج صالحة وإنسانية، إلا أنني أتفهم تماماً ما تقوله، لربما لأنني، كإنسانة تمتلك ولو حد أدنى من المنطق، أفهم المعنى الضمني للتعميم أنه لا يعني كل فرد على سطح هذه الأرض ولكن بأغلبية كبيرة تشكل ظاهرة خطيرة، كما أفهم العمق الحقيقي لهذا التعميم الذي يتناول مجموعة بشرية تنتمي لجنس مهيمن، مثل مثلاً الحديث عن الطبقة البيضاء من المجتمع أو الطائفة السنية في الخليج أو الطائفة الشيعية في إيران أو المسلمين في الصين أو عديمي الجنسية في ميانمار إلى آخرها من الأقليات (السياسية وليس بالضرورة العددية) للبشر الذين يعانون من تمييز.

كل من لديه حس منطقي ولا يود التعلق بالشكليات اللغوية، سيتفهم تماماً هذا التعميم، وسينطلق منه إلى معالجة المعضلة الأخلاقية الإنسانية لا الغضب و"الحرن" من طريقة التعبير عنها. 

إلا أن ما يجمعني بغدير أبعد من مجرد المنطق، يجمعنا أنا وهي وكل نساء العالم على اختلاف ظروفنا وبيئاتنا ومفاهيمنا أننا كلنا مولودات لزاوية محددة من هذا العالم، زاوية لن يقف فيها الرجال في يوم ولذا لن يكونوا قادرين على رؤية المشهد منها أبداً. كنساء، نأتي نحن للحياة بحس دائم من الوصاية علينا، وحتى منا من يحالفها الحظ بأسرة أكثر انفتاحاً، سيلقنها المجتمع وتقاليده وفي الغالب قوانينه الدرس المطلوب. كنساء، نحن لا نختبر فعلياً تجربة التحرر الكامل والاختيارات الشخصية البحتة، نتنقل من ظل وصاية إلى ظل أخرى، إن لم تكن أسرية، فستكون مجتمعية، إن لم تكن مجتمعية، فستكون قانونية، إن لم يكن الأب، كان الزوج، وإن لم يكن الأخ، كان الجار، ومن منا تستطيع أن تنسى قصة الطبيبة المصرية التي ألقى بها جيرانها من شرفة شقتها التي تعيش فيها وحيدة عقاباً على "سوء سلوكها" كواحدة من ملايين القصص للنساء في وقتنا المعاصر المستمر في غبنه لجنسنا؟

بالتأكيد لا تنحو النسويات، في المجمل، لبث الكراهية ضد الرجال كمبدأ عام، كما ولا تنحو لتعميم الشر على كل رجل على سطح الأرض، ولكن حين تكبر النزعة لتشكل  ظاهرة بين أفراد فئة بشرية ضخمة، يصبح الحديث المعمم مفهوما ومستحقا.

تذكر غدير في مقالها حقائق مرعبة، منها أنه، في عام 2018، "92% من ضحايا جرائم الاتجار بالبشر كن من النساء والأطفال، 10 مليون فتاة معرضة لخطر الزواج المبكر بسبب وباء كوفيد-19. على الأقل، 200 مليون امرأة وفتاة تعرضت لجريمة تشويه الأعضاء الجنسية الأنثوية (الختان)، في 31 دولة فقط. 82% من النساء البرلمانيات يتعرضن لعنف نفسي ذي طبيعة جنسية، 65% منهن تعرضت لهذا النوع من العنف الجنسي بواسطة زملائهن الرجال البرلمانيين".

في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تصل نسبة المتعرضات للعنف الجنسي من الرجال في الأماكن العامة إلى 60%". وكما تؤكد غدير هذه مجرد إحصاءات رسمية وبكل تأكيد غير شمولية ولا أتصورها تقترب من الأرقام الحقيقية ولا تأخذ بعين الاعتبار الجرائم التي تقع داخل الحدود المنزلية مثل جرائم التعنيف الأسري وجرائم اغتصاب الزوجات وجرائم العنف اللفظي والنفسي والتي كلها يصعب حصرها والتقنين لها، دع عنك أصلاً التبليغ عنها.

لربما تبرر هذه الأرقام لغة التعميم التي تتكلم بها النسويات والنساء حول العالم، إن لم تكن فكرة التعميم أصلاً مفهومة من حيث أنها لا تشمل كل شخص من الفئة المذكورة. يبقى أن نؤكد على أن الحراك النسوي هو حراك إنساني بالدرجة الأولى وأنه يمر، له قرون الآن، بمرحلة تنفيس تؤهل لما بعدها من مرحلة التعافي، وفي هذه المرحلة، تماماً كما مر حراك السود على سبيل المثال، سيكون الخطاب قاسي وتعميمي ومفترض أن يكون مفهوم بكل تطرفاته تلك. وعليه، لا يحث الحراك النسوي، في مجمله، على عنف أو كراهية أو قسوة غير مبررين، لكنها مرحلة إنسانية طبيعية، وستستمر إلى أن يعتدل الميزان.

وقد اختلف مع الكاتبة من حيث أنني لا أتوقع ألا يؤثر هذا الخطاب في الرجال ولا يضايقهم، فإن نتوقع أن يقطعوا الحق من أنفسهم تماماً ويتقبلوا هذه الهجمة حتى على أفضلهم هو غير عقلاني.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).