- كتبه: إيلان بيرمان
هل سيفعلونها أم لا؟ منذ أن بدأت موجة "التطبيع" هذا الصيف، سادت تكهنات حول ما إذا كانت دول إقليمية أخرى ستحذو حذو الإمارات والبحرين و(السودان حاليا) وتقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل. كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعرب عن ثقته في أن عددا قليلا من الدول ستفعل ذلك في الأسابيع المقبلة.
تحتل المملكة المغربية مكانة بارزة في قائمة شركاء السلام المحتملين. فللوهلة الأولى، تبدو الدولة الواقعة شمال أفريقيا، كمرشح طبيعي لـ"التطبيع" مع إسرائيل. يشترك البلدان في روابط ثقافية كبيرة، حيث يقدر أن نحو 10 في المئة من سكان إسرائيل البالغ عددهم 9.1 مليون نسمة من أصل مغربي، والكثير منهم يسافرون إلى المغرب بشكل منتظم. وأضف إلى ذلك، فقد كان للحكومة المغربية حوارا سياسيا نشطا مع إسرائيل خلال العقود الأخيرة، وإن كان ذلك بشكل غير رسمي. وكجزء من هذا التقارب، اضطلع المغرب بدور رائد في التثقيف والتعريف بالهولوكوست في العالم العربي، كما ازدهرت التجارة بين البلدين.
لكن ومع ذلك تبقى حسابات المملكة معقدة بسبب عدد من الاعتبارات.
الأول هو القضية الفلسطينية. فجميع السياسات تخضع للتأثير المحلي في نهاية المطاف، و"القضية الفلسطينية" لديها صدى هائل في الشارع المغربي. في الحقيقة، على الرغم من العلاقات الدافئة (وإن كانت هادئة) للمغرب مع إسرائيل، فإن المشاعر الداخلية في هذا البلد تميل بشدة باتجاه دعم الفلسطينيين. لقد أظهر استطلاع للرأي العام العربي نشر هذا الصيف من قبل المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات ومقره الدوحة، أن 70 في المئة من المغاربة الذين شملهم الاستطلاع لديهم مشاعر دعم قوية للقضية الفلسطينية. قوة هذه العاطفة، وخاصة في وقت تتزايد فيه المسافة بين بعض الدول العربية من جهة والفلسطينيين من جهة أخرى، تجعل من المستحيل على الرباط تجاهل هذه المسألة.
كما أن مساحة المغرب للمناورة مقيدة بدرجة أكبر نتيجة ترأسها للجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، وهو موقع يجعل من الرباط في الواقع حامل راية الدفاع عن الحقوق الفلسطينية في الساحة الدولية. وفي ظل هذه الظروف، لا يريد المغرب ببساطة أن ينظر إليه على أنه تخلى عن القضية الفلسطينية من جانب واحد.
هناك أيضا اعتبار آخر يشغل بال المسؤولين في الرباط وهو الوضع الحالي للسياسة الأميركية. تم إطلاق "موجة" التطبيع في الأشهر الأخيرة من قبل إدارة ترامب، وهي تمثل حجر الزاوية بالنسبة لسياسة هذه الإدارة في الشرق الأوسط. لكن كما رأينا في المنطقة، يمكن أن يصبح هذا التقارب سلاحا ذو حدين، لا سيما في ضوء النهج المختلف جوهريا في الشرق الأوسط الذي عبر عنه بوضوح الرئيس المنتخب جو بايدن. لذلك فإن المسؤولين في الرباط يتعاملون بحذر ويبدو أنهم غير راغبين في اتخاذ أي خطوات قد تجعل الإدارة المقبلة للبيت الأبيض تنظر إليهم وكأنهم مرتبطون بالإدارة الحالية.
ومع ذلك، فإن قضية التطبيع النهائي بين البلدين لا تزال مقنعة.
من الناحية الاقتصادية، فإن أرباح التقارب الأعمق واضحة. إسرائيل، التي يقل عدد سكانها عن ربع سكان المغرب، تمتلك اقتصادا يزيد حجمه عن ثلاثة أضعاف. وعلى مدى العقد الماضي، تميزت إسرائيل بأنها "أمة ناشئة" بامتياز وحاضنة عالمية للابتكار التكنولوجي. في حال تم تطبيع العلاقات بين البلدين، فإن فوائد هذه الديناميكية الاقتصادية ستنعكس على المغرب، حيث يمثل خفض البطالة وتحسين الفرص الاقتصادية أولويات محلية ملحة. بالمقابل، ستكتسب إسرائيل شرعية ووصولا أكبر للأسواق الأفريقية من خلال شراكتها مع المملكة، التي تبنى عاهلها خلال السنوات الأخيرة "استراتيجية جنوبية" تهدف لزيادة النفوذ القاري.
ومن الناحية الاستراتيجية، يمكن أن يؤدي التطبيع إلى إحراز تقدم في القضية الداخلية الجوهرية للمملكة وهي السيادة على الصحراء الغربية. فمنذ ستينيات القرن الماضي، بعد استعادة هذه الأراضي التي كانت تخضع للسيطرة الإسبانية، استثمرت المملكة مليارات الدولارات في تنميتها. ومنذ أكثر من 12 عاما، قدمت أيضا مقترحا متطورا للحكم الذاتي مصمما لتحسين دمج وتمكين السكان المحليين في المنطقة. لكن جهود المملكة عرقلت من قبل الجزائر وحركة البوليساريو اليسارية، وكلاهما يستفيدان من تعزيز النزعات اللامركزية في المنطقة. وكانت النتيجة "صراعا مجمدا" نما على مر السنين ليهيمن على الأولويات الداخلية للمملكة وأجندة السياسة الخارجية.
ولطالما كان كسر هذا الجمود بشأن "المناطق الجنوبية" (الصحراء الغربية) أولوية قصوى بالنسبة للرباط. حتى الآن، فإن الوضع القانوني غير المستقر للمنطقة قد أحبط التنمية الهادفة التي أحدثها الاستثمار الدولي الواسع. هذا أمر يمكن أن يتغير عندما يبدأ التطبيع مع إسرائيل، إذا ما اقترنت الخطوة بالتزام الولايات المتحدة الاعتراف بالسيادة المغربية على المنطقة وتشجيع الشركات الأميركية على الاستثمار في المنطقة. الأمر الحقيقي في هذا الصدد يكمن في مسار واحد: يتطلب الوضع السياسي الفريد للمغرب الحصول على ضمانات من الولايات المتحدة بشأن الصحراء الغربية قبل أي تحرك نحو التطبيع من جانب الرباط.
هذا الشيء لم يحدث بعد. لكنه لا يزال ممكنا خلال الأشهر الأخيرة من عمر إدارة ترامب. أو ربما يتم تناول هذه القضية من قبل إدارة بايدن التي قد تحرص على البناء على جهود السلام التي قامت بها الإدارة التي سبقتها في الشرق الأوسط.
إذا حصل هذا، فإن العاهل المغربي قد يجد أن الأساس المنطقي وراء الوفاق التام مع إسرائيل، رغم تعقيده، سيكون مقنعا.
-----------------------------
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
