Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

مشهد مغربي لافت في "فيلم أميركي طويل"

14 نوفمبر 2020

على طريقتهم تفاعل المغاربة مع نتائج الانتخابات الأميركية، واحتفلوا بمجيء جو بادين رئيسا جديدا للولايات المتحدة. نشر عديدون فيديوهات وصورا على مواقع التواصل الاجتماعي، تظهر زيارة جو إلى المغرب، كأنهم يودون الإفصاح: "إن الرئيس الجديد صديق لبلادنا"، والتأكيد على أن الأميركيين تجمعهم صداقة متميزة مع المغرب. إذ تربط البلدين معاهدة صداقة لا زالت سارية المفعول منذ توقيعها سنة 1787. وأعيد تكرار أن المغرب أول دولة في العالم اعترفت باستقلال أميركا سنة 1783. آخرون نشروا صورا قديمة عن لقاءات العاهل الراحل الحسن الثاني مع بعض الرؤساء الأمريكيين السابقين.

الأميركيون في أغنية مغربية 

في نوفمبر 1942، حصل إنزال القوات العسكرية الأميركية على سواحل المغرب، وظلت الأجيال اللاحقة تردد ذكراه من خلال أغنية للمطرب الشعبي حسين السلاوي (1921 -1951)، أغنية اشتهرت بعنوان: "الأميركان"، أو "الزين والعين الزرقاء"، وثقت وقع الإنزال الأميركي على المجتمع المغربي. وأشارت كلماتها إلى تحرر المغربيات وارتدائهن الفولار فوق الرأس وإلى تدخين السيجار وعلكة "الشوينغوم" وشرب "الروم" ورواج عملة الدولار، كما تضمنت الأغنية كلمات بالإنجليزية.

مباشرة بعد هذا الإنزال التاريخي، حصلت في يوم 14 يناير 1943 زيارة الرئيس الأميركي، فرانكلين روزفلت، إلى المغرب للمشاركة في "مؤتمر أنفا" بالدار البيضاء، الذي استغرق عشرة أيام متواصلة ناقش فيها الحلفاء ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية. جمع المؤتمر إلى جانب روزفليت، رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والرئيس الفرنسي الجنرال ديغول، والجنرال الفرنسي هنري جيرو. وحضر جانبا منه ملك المغرب محمد الخامس مع ولي عهده المولى الحسن، في حين تخلف عن حضور المؤتمر رئيس الاتحاد السوفياتي جوزيف ستالين. 

خلال "مؤتمر أنفا" برز الرئيس الأميركي روزفلت بحضه الحلفاء على الالتزام بتنفيذ بنود معاهدة الحلف الأطلسي المتعلقة بحق الشعوب في استقلالها وتقرير مصيرها (معاهدة 18 يناير 1941). في نفس المؤتمر السري تلقى محمد الخامس دعما أميركيا لمساعدة المغرب على نيل استقلاله بمجرد نهاية الحرب. لذلك عمل الوطنيون المغاربة في السنة الموالية (1944) على رفع نسخة من "وثيقة المطالبة بالاستقلال" إلى الإدارة الأميركية.

بانعقاده في المغرب، شكل "مؤتمر أنفا" إيذانا بتدشين عهد جديد من التعاون المغربي الأميركي. يقول أحد المؤرخين الأميركيين أن اختيار مدينة الدار البيضاء لاجتماع الحلفاء لترتيب فترة ما بعد الحرب من اختيار الأميركيين، إضافة إلى الاعتبارات الجيوسياسية، كان مبادرة رمزية من أميركا تجاه المغرب، البلد الأول الذي اعترف باستقلال الولايات المتحدة الأميركية. لهذا حرصت واشنطن على أن تكون الولايات المتحدة هي أول دولة تعين سفيرها بالعاصمة الرباط بعد استقلال المغرب.

تلت ذلك زيارة رسمية للملك محمد الخامس إلى الولايات المتحدة في نوفمبر 1957، كانت الأولى والأخيرة له إلى أميركا قبل وفاته سنة 1961.

ذكرى ملكية عن رئيس مغتال 

في ديسمبر 1959 وصل إلى المغرب داويت ايزنهاور، في أول زيارة رسمية يقوم بها رئيس أميركي إلى المغرب. وطاف الرئيس رفقة الملك بسيارة مكشوفة لتحية الجماهير في شوارع الدار البيضاء التي هبت لتحيته.

بعدها عقد ايزنهاور جلسة محادثات مع محمد الخامس حول جلاء القواعد العسكرية الأميركية عن التراب المغربي.

بعد رحيل محمد الخامس سنة 1961 اعتلى العرش ولي عهده الحسن الثاني (1929-1999)، و"بحكم طبيعة النظام السياسي المغربي، المتميز أساسا بقطبية الملك داخله، فإن السياسة الخارجية المغربية، ولا سيما ما يتعلق بتحديد خياراتها الأساسية والاستراتيجية تبقى حكراً على الملك"، كما يوضح الدكتور حسان بوقنطار أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط.

عاصر الحسن الثاني منذ توليه العرش، ثمانية رؤساء أميركيين، زار خلالها الولايات المتحدة ثماني مرات استقبل فيها من الرؤساء: جون كينيدي وجيمي كارتر ورونالد ريغان وجورج بوش الأب وبيل كلينتون. في حين لم يسجل لقاؤه بالرؤساء لندون جونسون وريتشارد نيكسون وجيرالد فورد.

وخلال فترة حكمه واصل الحسن الثاني سعيه البحث عن تثبيت شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة من منطلق انحيازه الواضح للغرب في مواجهة المعسكر الشيوعي زمن الحرب الباردة. رغم حرصه على إقامة علاقات متزنة مع الاتحاد السوفياتي، كان الحسن الثاني يعبر للأميركيين أنه معهم يشعر بكونه "وسط أصدقاء أقوياء وأوفياء". لذلك بقي يستحضر ذكرياته مع جون كينيدي، إذ التقاه قبل ثمانية أشهر من اغتياله عام 1963، لقد خاطب كينيدي الحسن الثاني قائلا: "على الرغم من المحيط الواسع الذي يفصل دولتينا، إنهما مرتبطتين معا على طول التاريخ." كما روى ذلك إدوارد إم. غابرييل السفير الأميركي في الرباط ما بين 1997 و2001. 

حضور "السي أي أيه"

لاحقا، كشفت وثائق أميركية تم رفع السرية عنها، رفض الرئيس جيمي كارتر الاستجابة للحسن الثاني الذي كان يرغب في شراء طائرات حربية من الولايات المتحدة الأميركية. ولم تنفع حجج المغرب لدى إدارة البيت الأبيض، ومنها مواجهة توسع الاتحاد السوفياتي في شمال أفريقيا، والدور المغربي في حدوث تقارب بين مصر وإسرائيل.

لكن بعد وصول الرئيس رونالد ريغن تمكن المغرب من عقد الصفقة. واعتبر وزير الخارجية ألكسندر هيغ أن على أميركا التدخل في تسوية نزاع الصحراء، مشيرا إلى الدعم الجزائري لجبهة البوليساريو.

عام 1991، نشر الفرنسي جيل بيرو بعنوان: "صديقنا الملك"، كتاب أغضب الحسن الثاني وأثر سلبيا على العلاقات المغربية ـ الفرنسية التي شهدت فترة من البرود، بل إن الحسن الثاني فكر في استبدال تدريس اللغة الفرنسية في أسلاك التعليم في المغرب باللغة الإنجليزية، في إشارة تمرد بتحويل الاصطفاف إلى جانب أميركا المنافسة لفرنسا في الهيمنة على المنطقة المغاربية. 

لكن كيف بالإمكان فك الارتباط مع "الأم الرؤوم" التي لم ينفك جزء هام من نخبتها الإعلامية في تدليل الحسن الثاني وإلقاء ورود الإعجاب على شخصه، نخبة مرتشية ظلت تتعامل مع الجانب الطيب لدى "الحاكم الأوحد"، مُشيحة النظر عن الجانب السيء الذي كشفت عنه "سنوات الرصاص" وتشييد المعتقلات السرية، وأشهرها سجن "تازمامارت". هذا المعتقل الرهيب كانت السفارة الأميركية على علم بوجوده. وستتدخل مواطنة أميركية لدى سفارة بلدها لإطلاق سراح زوجها المغربي العقيد مبارك الطويل الذي كان أول مغادر لـ"تازمامارت" قبل إخلائه.

ولأن المخابرات الأميركية، ساهمت في تأسيس أجهزة الاستخبارات المغربية، فقد كان للمغرب دور خلف المخابرات البلجيكية والأميركية في تخريب استقلال الكونغو واغتيال باتريس لومومبا (1960). كما تتهم "السي أي إيه" بالمشاركة في اختطاف الزعيم المغربي المهدي بنبركة في باريس سنة 1965. وذكرت تقارير دبلوماسية أن "السي أي أيه" لم تكن بعيدة عن انقلابي الجنرال محمد المذبوح (1971) والجنرال محمد أوفقير (1972) ضد الحسن الثاني. 

أما في حرب الخليج الأولى (1991) فقد انصاع الحسن الثاني لضغوط واشنطن وأرسل كتيبة رمزية ضمن جيوش التحالف الدولي ضد صدام حسين. 

دائما في إطار التعاون الاستراتيجي العسكري والاستخباراتي، أفصحت تقارير لهيئات ومنظمات حقوقية دولية أن المخابرات المغربية عملت منذ هجمات 11 سبتمبر على مساعدة نظيرتها الأميركية خلال استجواب أشخاص يفترض أنهم إرهابيون، أخضعوا لمعاملة رهيبة في المعتقل (السري-العلني) "تمارة" بضواحي الرباط.

أسرة كلينتون العلوية 

كانت آخر زيارة للحسن الثاني إلى أميركا سنة 1995، وعند خضوعه لفحوص بالمستشفى النيويوركي "أكورنيل نيويورك هوسبيطال" أخبره الأطباء بدنو أجله، بل حددوا عمره الافتراضي.

وبعد وفاته (23 يوليوز 1999) كان الرئيس الأميركي، بيل كلينتون، من أبرز الشخصيات العالمية التي حضرت مراسيم تشييع الحسن الثاني، مع سلفه الرئيس السابق جورج بوش الأب، حيث سارا خلف نعش الملك الراحل.

ارتبطت عائلة كلينتون بعلاقات وثيقة مع المغرب. فبعد انتخابه رئيسا استقبل بيل كلينتون الحسن الثاني في البيت الأبيض. وتطورت العلاقة بين الرجلين لتمتد إلى الصلات العائلية، حيث قامت زوجة الرئيس هيلاري كلينتون بزيارة إلى المغرب في أبريل 1999، وظهرت برفقة ابنتها تشيلسي بالقفطان المغربي في قصر الحسن الثاني. 

وكانت أول رحلة خارج المغرب قام بها محمد السادس بعد سنة من توليه العرش باتجاه الولايات المتحدة الأميركية، استقبل خلالها من طرف الرئيس الأميركي كلينتون وزوجته في البيت الأبيض.

وبذات الرداء التقليدي المغربي ستظهر هيلاري وتشيلسي مرة أخرى مع بيل كلينتون، في حفل زفاف الملك محمد السادس سنة 2002. بل إن محمد السادس سيبادر خلال تواجده في أميركا عام 2010 بتقديم التهاني للرئيس الأسبق كلينتون وحرمه هيلاري بمناسبة عقد قران وحيدتهما. 

لقد استحق آل كلينتون حمل لقب "العلوي"، كما سمت الصحافة الباريسية الرئيس الفرنسي جاك شيراك، لقربه من السلالة العلوية التي تحكم المغرب منذ قرون.

لاحقا ستتوالى أسفار عائلة كلينتون إلى المغرب، ليس بسبب العلاقة المتوطدة مع القصر الملكي، أو لافتنانهما بسحر الربوع المغربية، ولكن لصلة الرحم مع قريبة للسيدة هيلاري تسكن في الجنوب المغربي، وهي ابنة أختها المقترنة بمواطن مغربي.

في صيف العام 2019 انتشرت على المواقع صور طريفة لكلينتون مع زوجته، وهما يحلان ضيفين على عائلة مغربية متواضعة في جنوب مراكش يتناولان معها وجبة إفطار تقليدية بسيطة.    

لم تخف السيدة كلينتون دعمها لـ"تجربة الانتقال الديمقراطي في المغرب"، كما كشفت وثائق ويكيليكس استفادة الحملة الانتخابية لهيلاري كلينتون ضد منافسها ترامب (2016) من تمويل من القصر المغربي، الشيء الذي أرخى بغيومه فترة على سماء العلاقات بين ترامب ومحمد السادس.

قضية الصحراء في الاستراتيجية الأميركية 

يعتبر خبراء في الشؤون الأميركية أن "الرباط هي الأذكى من بين العواصم العربية" في علاقاتها مع أميركا، إذ سعى المغرب منذ سنوات إلى تشكيل لوبي قوي في إدارته لعملية التأثير على أروقة صنع القرار في واشنطن. 
يترجم هذا حصول المغرب على صفة "حليف أساسي للولايات المتحدة خارج الحلف الأطلسي"، بعد أحداث سبتمبر 2001، حليف يعتمد عليه في مسار السلام في الشرق الأوسط، وشريك رئيسي في الحرب على الإرهاب في المنطقة. لكن القضية الوطنية الأولى التي يصفها المغاربة بـ"المقدسة"، هي قضية الصحراء الغربية، ظلت تتأرجح دائما في الموقف الأميركي وتؤثر بشكل كبير على العلاقات بين واشنطن والرباط. 

سبق لوزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر أن تحدث عن مبدأ "المغرب العربي ملحقة للشرق الأوسط". هو كيسنجر الذي وصفه ذات مرة السياسي المغربي المعارض محمد الفقيه البصري بـ"مؤسس مشكلة الصحراء الغربية".  

لكن في بداية الألفية الجديدة سيأتي وزير خارجية أميركي آخر، هو جيمس بيكر بقبعة المبعوث الشخصي للأمين العام للمتحدة في نزاع الصحراء الغربية، للمساهمة في إيجاد حل للنزاع، وأعد مشروعا اشتهر باسمه: "خطة بيكر"، ارتكزت على إجراء استفتاء بين ساكنة الصحراء، لكن الخطة لم تترجم بسبب اعتراض الجانبين المغرب والبوليساريو بشأن من لهم الحق في التصويت. ما اضطر بيكر إلى الاستقالة من منصبه الأممي (2004) مصرحا: "إنني لا أظن أن هناك حل لهذه الأزمة". 

لكن المغاربة المتشبثين بموقفهم يرون أن جيمس بيكر بجزمه المستحيل كمن بصدد كتابة سيناريو "فيلم أميركي طويل" يوازي العمر الذي استغرقته أزمة الصحراء، وربما دعوه إلى السفر إلى "هوليوود أفريقيا" التي شيدها المغرب بواحات ورزازات، للانضمام إلى كبار المنتجين الأميركيين المتوافدين طوال السنة لإنجاز أفلام أميركية ناجحة بخلاف خطته اليائسة. 

مع إدارة الرئيس بايدن ينتظر المغرب والمنطقة تدوين صفحة جديدة من العلاقات الأميركية - المغاربية. صفحة تستعصي أن تجرف كثبان رمالها رياح مناوئة تعصف بـ"242 عاما من العلاقات الثنائية المبنية على الثقة والاحترام والقيم المشتركة". كما وصفها وزير الدفاع الأميركي السابق مارك ت. إسبر خلال تواجده في الرباط في أكتوبر الماضي.

-----------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

مظاهرة للإخوان المسلمين في الخرطوم عام 2013 (أرشيفية)
مظاهرة للإخوان المسلمين في الخرطوم عام 2013 (أرشيفية)

بابكر فيصل

إقحام الشأن الديني في الأمر السياسي لدى جماعة الإخوان المسلمين يدخلها في تناقضات مكشوفة. وبما أنها تستند في تبرير مشروعية وجودها السياسي على الدين، فإن مثل هذا التناقض يعمل على تشويه صورة الدين الذي يتسامى على صراعات السياسة المرتبطة بالمصالح الدنيوية المتغيرة على الدوام.

وتكشف مواقف الجماعة من قضية "الحرية" في مختلف تجلياتها تضاربا صارخاً في الخطاب وتناقضاً بائناً بين الأقوال والأفعال مما يؤكد أن الإخوان يقومون على الدوام بتوظيف هذه القضية ضمن قضايا كثيرة أخرى بطريقة دينية من أجل تحقيق مكاسب سياسية وحزبية خالصة.

في هذا الإطار، أناقش في هذا المقال بعض النقاط الواردة في البيان الصادر عن مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في دورة انعقاده الخامسة التي اختمت في، إسطنبول تركيا في 29 يناير الماضي. وكما هو معروف فإن الإتحاد الذي أسسه الدكتور يوسف القرضاوي في عام 2004 بالعاصمة القطرية، الدوحة، يعتبر أكبر هيئة فكرية مُعبِّرة عن مواقف التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين.

وجه البيان رسالة إلى من أسماهم "العلماء" حثهم فيها، باعتبارهم ورثة الأنبياء، على (الحفاظ على ثوابت الإسلام العقدية والشرعية والأخلاقية والحضارية بما يسهم في بناء الأوطان وتوحيد الأمة والنهوض الحضاري وإقامة العدل والحق وتعظيم حرمة الدماء والأعراض والأموال).

كما دعا البيان حكومات الدول العربية والإسلامية إلى التصالح مع شعوبها على قاعدة (العدل والحرية والكرامة)، وطالبها باحترام (العلماء والمؤسسات العلمائية وتأمين دورهم الإيجابي في التوعية والتربية والتوحيد والتجديد، ويؤكد على وجوب إطلاق سراح العلماء والدعاة والمفكرين والإعلاميين وسائر المظلومين الذين يسجنون بغير حق في أي بلد).

من المؤكد أن بعض هذه المُطالبات سليمة وتمثل القاعدة الصحيحة لتأسيس نظم الحكم الديمقراطية في مقابل النظم الاستبدادية ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في ازدواجية الخطاب الذي يتبناه الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين بخصوص هذه الدعوات والمطالبات.

لقد حكمت جماعة الإخوان المسلمين بلداً مثل السودان لمدة ثلاثين سنة بالحديد والنار وشيدت أعتى دولة بوليسية شهدتها البلاد منذ خروج المستعمر البريطاني وكانت قد وصلت إلى السلطة عبر دبابة عسكرية أجهضت بها نظام الحكم الشرعي المنتخب من الشعب والذي كانت الجماعة جزءاً منه وتمثل ثالث كتلة برلمانية من حيث عدد النواب.
هذه الدولة الإخوانية البوليسية انتهكت الأعراض وقتلت الأبرياء في السجون وأشعلت الحروب الأهلية التي راح ضحيتها مئات الآلاف من المواطنين العزل ومع ذلك لم نسمع كلمة واحدة من الإتحاد العالمي تدين هذه الممارسات وتقف إلى جانب الضحايا !!

وعلى الرغم من السجل المخزي لنظام الإخوان المسلمين في مجال حقوق الإنسان وكبت الحريات واضطهاد المعارضين ظل الاتحاد العالمي صامتا عن المطالبة بتفريغ السجون ومعتقلات الأجهزة الأمنية السرية المعروفة باسم "بيوت الأشباح" من سجناء الرأي والمعتقلين السياسيين واستمر في دعم النظام السوداني الذي يشاركه ذات التوجهات الأيدولوجية والسياسية.

ليس هذا فحسب بل أن الاتحاد ظل يقدم دعمه المطلق للطاغية المخلوع عمر البشير عبر البيانات والزيارات المستمرة للسودان حيث كانت وفود الاتحاد تجد ترحيبا كبيرا من رأس النظام الاستبدادي ويتم استضافتها في الفنادق الفاخرة ويغدقون عليها الهدايا بينما غالبية الشعب الساحقة تعاني من ويلات الفقر والمرض والحروب.     

لا يخالجني أدنى شك في أن مطالبات الإتحاد الأخيرة للحكام بإطلاق سراح "المظلومين" ما كانت لتأتي لولا وجود قيادات وأعضاء الإخوان في سجون بعض الأنظمة العربية الحاكمة مما يعني أنها مطالبات لا تنبع من إيمان حقيقي بأن الحرية قيمة مطلقة يجب أن يتمتع بها جميع البشر بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية أو الأيديولوجية وأن هذه القيمة لا تقتصر فقط على الموالين للجماعة.

أما من أطلق عليهم البيان صفة العلماء وقال أنهم "ورثة الأنبياء", ومن بينهم الموالين لنظام حكم الجماعة فقد كان موقفهم شبيهاً بموقف الإتحاد العالمي حيث صمتوا عن كل جرائم القتل والترويع والإبادة بل أن أحدهم أفتى للطاغية المخلوع عمر البشير بإمكانية قتل ثلث الشعب حتى يستتب الأمن ويستقر النظام ! 

لا يكشف بيان الإتحاد ازدواجية مواقف الإخوان من قضية الحرية فحسب، بل هو يوضح تناقض موقف الجماعة من الانحياز للأنظمة والدول التي تدعم الإخوان وتلك التي تحاربهم حيث جاء في خاتمة البيان الآتي: (وفي الختام يٌقدم المجلس شكره لهذا البلد العزيز تركيا رئيساً وحكومة وشعباً على مواقفه المشرفة نصرةً لكتاب الله ولقضايا الأمة وكل من يقف مع الحق).

البيان يقول أن مواقف تركيا "العلمانية" التي تتمتع بعضوية "حلف الناتو" وترتبط بعلاقات دبلوماسية كاملة مع "إسرائيل" تمثل "نصرة لكتاب الله" ولكل من "يقف مع الحق “، والمعنى هنا هو أن تركيا أصبحت ملاذاً آمناً لأعضاء الجماعة "أهل الحق" الهاربين من بلدانهم لأسباب سياسية.

وعندما كانت معارضة النظام الإخواني المستبد في السودان تنطلق من دول عربية وأفريقية، كانت الجماعة تعتبرها معارضة ارتزاق وخيانة وعمالة تتلقى المساعدة والدعم من الأنظمة العلمانية واسرائيل والدول الغربية الساعية لإسقاط الدولة الإسلامية في الخرطوم فتأمل!

لا شك أن الموقف الأخلاقي والقيمي المبدئي تجاه قضية الحرية لا يتجزأ، بينما ظلت مواقف الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين في هذا الخصوص غير متسقة وتحمل تناقضا داخليا وازدواجية في المعايير وتتسم بالذرائعية الخادمة للأجندة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).