Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

مشهد مغربي لافت في "فيلم أميركي طويل"

14 نوفمبر 2020

على طريقتهم تفاعل المغاربة مع نتائج الانتخابات الأميركية، واحتفلوا بمجيء جو بادين رئيسا جديدا للولايات المتحدة. نشر عديدون فيديوهات وصورا على مواقع التواصل الاجتماعي، تظهر زيارة جو إلى المغرب، كأنهم يودون الإفصاح: "إن الرئيس الجديد صديق لبلادنا"، والتأكيد على أن الأميركيين تجمعهم صداقة متميزة مع المغرب. إذ تربط البلدين معاهدة صداقة لا زالت سارية المفعول منذ توقيعها سنة 1787. وأعيد تكرار أن المغرب أول دولة في العالم اعترفت باستقلال أميركا سنة 1783. آخرون نشروا صورا قديمة عن لقاءات العاهل الراحل الحسن الثاني مع بعض الرؤساء الأمريكيين السابقين.

الأميركيون في أغنية مغربية 

في نوفمبر 1942، حصل إنزال القوات العسكرية الأميركية على سواحل المغرب، وظلت الأجيال اللاحقة تردد ذكراه من خلال أغنية للمطرب الشعبي حسين السلاوي (1921 -1951)، أغنية اشتهرت بعنوان: "الأميركان"، أو "الزين والعين الزرقاء"، وثقت وقع الإنزال الأميركي على المجتمع المغربي. وأشارت كلماتها إلى تحرر المغربيات وارتدائهن الفولار فوق الرأس وإلى تدخين السيجار وعلكة "الشوينغوم" وشرب "الروم" ورواج عملة الدولار، كما تضمنت الأغنية كلمات بالإنجليزية.

مباشرة بعد هذا الإنزال التاريخي، حصلت في يوم 14 يناير 1943 زيارة الرئيس الأميركي، فرانكلين روزفلت، إلى المغرب للمشاركة في "مؤتمر أنفا" بالدار البيضاء، الذي استغرق عشرة أيام متواصلة ناقش فيها الحلفاء ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية. جمع المؤتمر إلى جانب روزفليت، رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والرئيس الفرنسي الجنرال ديغول، والجنرال الفرنسي هنري جيرو. وحضر جانبا منه ملك المغرب محمد الخامس مع ولي عهده المولى الحسن، في حين تخلف عن حضور المؤتمر رئيس الاتحاد السوفياتي جوزيف ستالين. 

خلال "مؤتمر أنفا" برز الرئيس الأميركي روزفلت بحضه الحلفاء على الالتزام بتنفيذ بنود معاهدة الحلف الأطلسي المتعلقة بحق الشعوب في استقلالها وتقرير مصيرها (معاهدة 18 يناير 1941). في نفس المؤتمر السري تلقى محمد الخامس دعما أميركيا لمساعدة المغرب على نيل استقلاله بمجرد نهاية الحرب. لذلك عمل الوطنيون المغاربة في السنة الموالية (1944) على رفع نسخة من "وثيقة المطالبة بالاستقلال" إلى الإدارة الأميركية.

بانعقاده في المغرب، شكل "مؤتمر أنفا" إيذانا بتدشين عهد جديد من التعاون المغربي الأميركي. يقول أحد المؤرخين الأميركيين أن اختيار مدينة الدار البيضاء لاجتماع الحلفاء لترتيب فترة ما بعد الحرب من اختيار الأميركيين، إضافة إلى الاعتبارات الجيوسياسية، كان مبادرة رمزية من أميركا تجاه المغرب، البلد الأول الذي اعترف باستقلال الولايات المتحدة الأميركية. لهذا حرصت واشنطن على أن تكون الولايات المتحدة هي أول دولة تعين سفيرها بالعاصمة الرباط بعد استقلال المغرب.

تلت ذلك زيارة رسمية للملك محمد الخامس إلى الولايات المتحدة في نوفمبر 1957، كانت الأولى والأخيرة له إلى أميركا قبل وفاته سنة 1961.

ذكرى ملكية عن رئيس مغتال 

في ديسمبر 1959 وصل إلى المغرب داويت ايزنهاور، في أول زيارة رسمية يقوم بها رئيس أميركي إلى المغرب. وطاف الرئيس رفقة الملك بسيارة مكشوفة لتحية الجماهير في شوارع الدار البيضاء التي هبت لتحيته.

بعدها عقد ايزنهاور جلسة محادثات مع محمد الخامس حول جلاء القواعد العسكرية الأميركية عن التراب المغربي.

بعد رحيل محمد الخامس سنة 1961 اعتلى العرش ولي عهده الحسن الثاني (1929-1999)، و"بحكم طبيعة النظام السياسي المغربي، المتميز أساسا بقطبية الملك داخله، فإن السياسة الخارجية المغربية، ولا سيما ما يتعلق بتحديد خياراتها الأساسية والاستراتيجية تبقى حكراً على الملك"، كما يوضح الدكتور حسان بوقنطار أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط.

عاصر الحسن الثاني منذ توليه العرش، ثمانية رؤساء أميركيين، زار خلالها الولايات المتحدة ثماني مرات استقبل فيها من الرؤساء: جون كينيدي وجيمي كارتر ورونالد ريغان وجورج بوش الأب وبيل كلينتون. في حين لم يسجل لقاؤه بالرؤساء لندون جونسون وريتشارد نيكسون وجيرالد فورد.

وخلال فترة حكمه واصل الحسن الثاني سعيه البحث عن تثبيت شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة من منطلق انحيازه الواضح للغرب في مواجهة المعسكر الشيوعي زمن الحرب الباردة. رغم حرصه على إقامة علاقات متزنة مع الاتحاد السوفياتي، كان الحسن الثاني يعبر للأميركيين أنه معهم يشعر بكونه "وسط أصدقاء أقوياء وأوفياء". لذلك بقي يستحضر ذكرياته مع جون كينيدي، إذ التقاه قبل ثمانية أشهر من اغتياله عام 1963، لقد خاطب كينيدي الحسن الثاني قائلا: "على الرغم من المحيط الواسع الذي يفصل دولتينا، إنهما مرتبطتين معا على طول التاريخ." كما روى ذلك إدوارد إم. غابرييل السفير الأميركي في الرباط ما بين 1997 و2001. 

حضور "السي أي أيه"

لاحقا، كشفت وثائق أميركية تم رفع السرية عنها، رفض الرئيس جيمي كارتر الاستجابة للحسن الثاني الذي كان يرغب في شراء طائرات حربية من الولايات المتحدة الأميركية. ولم تنفع حجج المغرب لدى إدارة البيت الأبيض، ومنها مواجهة توسع الاتحاد السوفياتي في شمال أفريقيا، والدور المغربي في حدوث تقارب بين مصر وإسرائيل.

لكن بعد وصول الرئيس رونالد ريغن تمكن المغرب من عقد الصفقة. واعتبر وزير الخارجية ألكسندر هيغ أن على أميركا التدخل في تسوية نزاع الصحراء، مشيرا إلى الدعم الجزائري لجبهة البوليساريو.

عام 1991، نشر الفرنسي جيل بيرو بعنوان: "صديقنا الملك"، كتاب أغضب الحسن الثاني وأثر سلبيا على العلاقات المغربية ـ الفرنسية التي شهدت فترة من البرود، بل إن الحسن الثاني فكر في استبدال تدريس اللغة الفرنسية في أسلاك التعليم في المغرب باللغة الإنجليزية، في إشارة تمرد بتحويل الاصطفاف إلى جانب أميركا المنافسة لفرنسا في الهيمنة على المنطقة المغاربية. 

لكن كيف بالإمكان فك الارتباط مع "الأم الرؤوم" التي لم ينفك جزء هام من نخبتها الإعلامية في تدليل الحسن الثاني وإلقاء ورود الإعجاب على شخصه، نخبة مرتشية ظلت تتعامل مع الجانب الطيب لدى "الحاكم الأوحد"، مُشيحة النظر عن الجانب السيء الذي كشفت عنه "سنوات الرصاص" وتشييد المعتقلات السرية، وأشهرها سجن "تازمامارت". هذا المعتقل الرهيب كانت السفارة الأميركية على علم بوجوده. وستتدخل مواطنة أميركية لدى سفارة بلدها لإطلاق سراح زوجها المغربي العقيد مبارك الطويل الذي كان أول مغادر لـ"تازمامارت" قبل إخلائه.

ولأن المخابرات الأميركية، ساهمت في تأسيس أجهزة الاستخبارات المغربية، فقد كان للمغرب دور خلف المخابرات البلجيكية والأميركية في تخريب استقلال الكونغو واغتيال باتريس لومومبا (1960). كما تتهم "السي أي إيه" بالمشاركة في اختطاف الزعيم المغربي المهدي بنبركة في باريس سنة 1965. وذكرت تقارير دبلوماسية أن "السي أي أيه" لم تكن بعيدة عن انقلابي الجنرال محمد المذبوح (1971) والجنرال محمد أوفقير (1972) ضد الحسن الثاني. 

أما في حرب الخليج الأولى (1991) فقد انصاع الحسن الثاني لضغوط واشنطن وأرسل كتيبة رمزية ضمن جيوش التحالف الدولي ضد صدام حسين. 

دائما في إطار التعاون الاستراتيجي العسكري والاستخباراتي، أفصحت تقارير لهيئات ومنظمات حقوقية دولية أن المخابرات المغربية عملت منذ هجمات 11 سبتمبر على مساعدة نظيرتها الأميركية خلال استجواب أشخاص يفترض أنهم إرهابيون، أخضعوا لمعاملة رهيبة في المعتقل (السري-العلني) "تمارة" بضواحي الرباط.

أسرة كلينتون العلوية 

كانت آخر زيارة للحسن الثاني إلى أميركا سنة 1995، وعند خضوعه لفحوص بالمستشفى النيويوركي "أكورنيل نيويورك هوسبيطال" أخبره الأطباء بدنو أجله، بل حددوا عمره الافتراضي.

وبعد وفاته (23 يوليوز 1999) كان الرئيس الأميركي، بيل كلينتون، من أبرز الشخصيات العالمية التي حضرت مراسيم تشييع الحسن الثاني، مع سلفه الرئيس السابق جورج بوش الأب، حيث سارا خلف نعش الملك الراحل.

ارتبطت عائلة كلينتون بعلاقات وثيقة مع المغرب. فبعد انتخابه رئيسا استقبل بيل كلينتون الحسن الثاني في البيت الأبيض. وتطورت العلاقة بين الرجلين لتمتد إلى الصلات العائلية، حيث قامت زوجة الرئيس هيلاري كلينتون بزيارة إلى المغرب في أبريل 1999، وظهرت برفقة ابنتها تشيلسي بالقفطان المغربي في قصر الحسن الثاني. 

وكانت أول رحلة خارج المغرب قام بها محمد السادس بعد سنة من توليه العرش باتجاه الولايات المتحدة الأميركية، استقبل خلالها من طرف الرئيس الأميركي كلينتون وزوجته في البيت الأبيض.

وبذات الرداء التقليدي المغربي ستظهر هيلاري وتشيلسي مرة أخرى مع بيل كلينتون، في حفل زفاف الملك محمد السادس سنة 2002. بل إن محمد السادس سيبادر خلال تواجده في أميركا عام 2010 بتقديم التهاني للرئيس الأسبق كلينتون وحرمه هيلاري بمناسبة عقد قران وحيدتهما. 

لقد استحق آل كلينتون حمل لقب "العلوي"، كما سمت الصحافة الباريسية الرئيس الفرنسي جاك شيراك، لقربه من السلالة العلوية التي تحكم المغرب منذ قرون.

لاحقا ستتوالى أسفار عائلة كلينتون إلى المغرب، ليس بسبب العلاقة المتوطدة مع القصر الملكي، أو لافتنانهما بسحر الربوع المغربية، ولكن لصلة الرحم مع قريبة للسيدة هيلاري تسكن في الجنوب المغربي، وهي ابنة أختها المقترنة بمواطن مغربي.

في صيف العام 2019 انتشرت على المواقع صور طريفة لكلينتون مع زوجته، وهما يحلان ضيفين على عائلة مغربية متواضعة في جنوب مراكش يتناولان معها وجبة إفطار تقليدية بسيطة.    

لم تخف السيدة كلينتون دعمها لـ"تجربة الانتقال الديمقراطي في المغرب"، كما كشفت وثائق ويكيليكس استفادة الحملة الانتخابية لهيلاري كلينتون ضد منافسها ترامب (2016) من تمويل من القصر المغربي، الشيء الذي أرخى بغيومه فترة على سماء العلاقات بين ترامب ومحمد السادس.

قضية الصحراء في الاستراتيجية الأميركية 

يعتبر خبراء في الشؤون الأميركية أن "الرباط هي الأذكى من بين العواصم العربية" في علاقاتها مع أميركا، إذ سعى المغرب منذ سنوات إلى تشكيل لوبي قوي في إدارته لعملية التأثير على أروقة صنع القرار في واشنطن. 
يترجم هذا حصول المغرب على صفة "حليف أساسي للولايات المتحدة خارج الحلف الأطلسي"، بعد أحداث سبتمبر 2001، حليف يعتمد عليه في مسار السلام في الشرق الأوسط، وشريك رئيسي في الحرب على الإرهاب في المنطقة. لكن القضية الوطنية الأولى التي يصفها المغاربة بـ"المقدسة"، هي قضية الصحراء الغربية، ظلت تتأرجح دائما في الموقف الأميركي وتؤثر بشكل كبير على العلاقات بين واشنطن والرباط. 

سبق لوزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر أن تحدث عن مبدأ "المغرب العربي ملحقة للشرق الأوسط". هو كيسنجر الذي وصفه ذات مرة السياسي المغربي المعارض محمد الفقيه البصري بـ"مؤسس مشكلة الصحراء الغربية".  

لكن في بداية الألفية الجديدة سيأتي وزير خارجية أميركي آخر، هو جيمس بيكر بقبعة المبعوث الشخصي للأمين العام للمتحدة في نزاع الصحراء الغربية، للمساهمة في إيجاد حل للنزاع، وأعد مشروعا اشتهر باسمه: "خطة بيكر"، ارتكزت على إجراء استفتاء بين ساكنة الصحراء، لكن الخطة لم تترجم بسبب اعتراض الجانبين المغرب والبوليساريو بشأن من لهم الحق في التصويت. ما اضطر بيكر إلى الاستقالة من منصبه الأممي (2004) مصرحا: "إنني لا أظن أن هناك حل لهذه الأزمة". 

لكن المغاربة المتشبثين بموقفهم يرون أن جيمس بيكر بجزمه المستحيل كمن بصدد كتابة سيناريو "فيلم أميركي طويل" يوازي العمر الذي استغرقته أزمة الصحراء، وربما دعوه إلى السفر إلى "هوليوود أفريقيا" التي شيدها المغرب بواحات ورزازات، للانضمام إلى كبار المنتجين الأميركيين المتوافدين طوال السنة لإنجاز أفلام أميركية ناجحة بخلاف خطته اليائسة. 

مع إدارة الرئيس بايدن ينتظر المغرب والمنطقة تدوين صفحة جديدة من العلاقات الأميركية - المغاربية. صفحة تستعصي أن تجرف كثبان رمالها رياح مناوئة تعصف بـ"242 عاما من العلاقات الثنائية المبنية على الثقة والاحترام والقيم المشتركة". كما وصفها وزير الدفاع الأميركي السابق مارك ت. إسبر خلال تواجده في الرباط في أكتوبر الماضي.

-----------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

بيدرو سانشيز زار الرباط مرتين في أقل من عام
بيدرو سانشيز زار الرباط مرتين في أقل من عام

عبد الرحيم التوراني

برئاسة مشتركة بين رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش، ونظيره الإسباني، بيدرو سانشيز، تزامن انعقاد "الاجتماع الثاني عشر رفيع المستوى"، الأربعاء (1 فبراير 2023)، مع ذكرى عودة المغرب إلى المنتظم الإقليمي "الاتحاد الأفريقي" في يناير 2017، بعد مصادقة القمة الأفريقية على طلب عودة المغرب إلى عضوية الاتحاد الأفريقي، بحصوله على موافقة 39 دولة من أصل 54 عضوا بالاتحاد.

وكانت الرباط انسحبت عام 1984 من منظمة الوحدة الأفريقية (التي أصبحت تحمل اسم الاتحاد الأفريقي) احتجاجا على قبول الأخير عضوية جبهة البوليساريو المطالبة بانفصال الصحراء الغربية. حينها أشار الملك الراحل، الحسن الثاني، إلى أن المغرب من الدول المؤسسة للاتحاد الأفريقي، واضطر لترك هذه المنظمة بعد قبول عضوية الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وهو إجراء اعتبره الملك "جرحا" أجبره على "التخلي عن عضويته بالمنظمة الأفريقية". وبخصوص نزاع الصحراء الغربية، دعا الملك الاتحاد الأفريقي إلى تصحيح "كوابح خطأ تاريخي وإرث مرهق".

مثّل قرار عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي منعطفا جديدا في المعركة الدبلوماسية التي يخوضها المغرب للدفاع عن الهوية المغربية للصحراء الغربية، حيث طالب قبل ذلك برحيل الجمهورية الصحراوية كشرط للعودة إلى الاتحاد الأفريقي.

وشكَّلَ قرار الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، في نهاية ولايته الرئاسية، بإعلانه اعتراف الولايات المتحدة الأميركية بالسيادة المغربية على الصحراء المغربية، أهم حدث سجل خلال هذه الفترة الممتدة على ست سنوات، نتج عنه تراجع عدد من الدول عن الاعتراف بالجمهورية الصحراوية، وفتح عدد من القنصليات بمدن الصحراء، في العيون والداخلة.

وسيتوج هذا المسار الدبلوماسي باعتراف واضح من رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، ففي رسالة تاريخية بعث بها إلى الديوان الملكي في الرباط، كان لإزاحة السرية عنها ولنشرها غير المتوقع، أثر الهزة الكبرى في أوساط المجتمع السياسي الإسباني. وهي الرسالة التي يعترف فيها رئيس الحكومة الإسبانية سانشيز بسيادة المغرب في الصحراء الغربية. مؤكدا أن مقترح الحكم الذاتي الذي صاغته الدولة المغربية سنة 2007 مقبول الآن من قبل الدولة الإسبانية، باعتباره المقترح "الأكثر جدية ومصداقية" لحل نزاع إقليمي يعود تاريخه إلى عام 1975.

لم يكن مستغربا رد فعل جبهة البوليساريو حيال هذا القرار المفاجئ، حيث صرحت قيادتها أن "تصرفات رئيس الحكومة الإسبانية تنطوي على خيانة لالتزامات الاستفتاء على استقلال الصحراء الغربية".

وقد حدث هذا التغيير في العلاقات الإسبانية المغربية في لحظة احتدام الحرب الروسية - الأوكرانية، وثقل تداعياتها على إمدادات الطاقة في أوروبا والعالم. لذلك استهجن بعض الخبراء الاقتصاديين قرار بيدرو سانشيز المؤيد للحكم الذاتي في الصحراء الغربية، ورأوا فيه أنه يحمل الكثير من التناقض والتهور السياسي، على اعتبار أن إسبانيا تعتمد على إمدادات الغاز من الحليف التاريخي لجبهة البوليساريو، أي الجزائر.

إلا أنه وسط الجدال المألوف داخل الطبقة السياسية والمجتمع المدني الإسباني، بشأن سياسة رئيس الحكومة الاشتراكي بيدرو سانشيز، والعلاقة مع المغرب، والموقف من النزاع الجزائري - المغربي حول قضية الصحراء الغربية، يضاف إليها إجراءات مراقبة الهجرة غير الشرعية... وسط هذه الأجواء المحمومة اندلعت أعمال عنف وموت وانتهاكات لحقوق الإنسان، في خضم إجراءات التعاون بين الرباط ومدريد، وانتهاج سياسات الهجرة المصاغة في إطار الموقف الإسباني الجديد، عندما لقي أكثر من 27 مرشحا للهجرة السرية مصرعهم على سور مليلية (24 يونيو 2022)، وأصيب المئات منهم نتيجة سوء استخدام القوة من قبل قوات الشرطة المغربية والقوات الإسبانية. وهي المأساة التي توثقها بيانات الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وجمعية مساعدة المهاجرين، ومنظمة أتاك المغرب، وغيرها من الهيئات الحقوقية، في شهادات واضحة على الأحداث، معززة بتسجيلات الصور الفوتوغرافية ومشاهد الفيديو، تظهر الوحشية الهائلة التي تصرفت بها قوات الشرطة لمحاولة منع تجاوز المهاجرين للسياج الحدودي الفاصل بين مدينة مليلية الخاضعة للسيطرة الإسبانية ومدينة الناظور.

في وسط هذه اللّجة وجد بيدرو سانشيز نفسه أمام سيل عارم من الانتقادات الحادة لمعارضيه داخل إسبانيا، الانتقادات التي اعتبر أصحابها أن ما حدث في مليلية هو جزء من سياق استئناف اتفاقيات "التعاون" بين إسبانيا والمغرب، وتقارب بين السلطة التنفيذية لبيدرو سانشيز مع النظام المغربي، وتكريسه لـ"التعاون الاستثنائي الذي يجريه مع المملكة المغربية".

ولم تتوقف هجمة الأحزاب والحركات والتيارات الحقوقية واليسارية على حكومة سانشيز، وعلى برامجه المرتبطة بالمخطط الأمني المسمى بـ "سياسة الحدود الذكية".

لم يتراجع بيدرو سانشيز، وظل صامدا في موقفه تجاه التزاماته السياسية مع المغرب، ولم يصوت نوابه في البرلمان الأوروبي مع قرار الإدانة الذي جرت صياغته ضد المغرب في شهر يناير المنصرم. بل إن سانشيز خرج ليتبرأ من القرار. وفي مستهل فبراير الحالي توجه بصفته رئيس السلطة التنفيذية برفقة وفد وزاري مهم إلى العاصمة المغربية، وترأس مع عزيز أخنوش "الاجتماع الثاني عشر رفيع المستوى" بين المملكتين الإسبانية والمغربية، تحت شعار "شراكة متميزة متجهة بثبات نحو المستقبل". الحدث الذي وصف بكونه يشكل "مرحلة مفصلية في تنزيل التصور الجديد للعلاقات بين البلدين"، والذي اختتم بتوقيع نحو 20 اتفاقية ثنائية، شملت مجالات مختلفة تهم الاستثمارات الاقتصادية والجانب الاجتماعي والتعاون الأمني الوثيق في مجال الهجرة والإرهاب والجريمة العابرة للحدود.

مما يعزز الموقف القائل بأن هناك تحالفا جيوسياسيا جديدا يتأسس بهدوء بين مدريد والرباط، يحصل بعد مبادرة الولايات المتحدة في آخر عهد دونالد ترامب، المبادرة التي سارت عليها إدارة خلفه جو بايدن بخصوص ملف الصحراء الغربية، على عكس ما توقعته بعض الجهات. مما ساهم بشكل كبير في دعم التوجه الدبلوماسي الجديد للمغرب.

لكن التساؤل الذي يشكل مصدر قلق لدى الرأي العام في كلتا الضفتين، ويظل كامنا خلف هذه النجاحات التي تحققت حتى الآن على مستوى العلاقات الثنائية بين الرباط ومدريد، هو المتعلق بشأن وضع المدينتين المحتلتين: سبتة ومليلية. أم أن المصالح الاقتصادية أو الجيوسياسية تفرض اليوم بقوة حساباتها الخاصة على الطرفين، من أجل إعادة ترتيب جيوسياسي واسع يحول التحالف المتوسطي نحو محور أطلنطي- أفريقي، يمتد ليشمل المغرب مع موريتانيا ونيجيريا، على المسار الذي تخطط له استراتيجية واشنطن طويلة المدى المتوسطي، حيث لا يمكن إدارة حوض البحر الأبيض المتوسط إلا إذا أمكن تأمين منطقة شمال أفريقيا، التي تجاهلتها قوى جنوب أوروبا منذ فترة طويلة، حسب رؤية أحد المحسوبين على يمين الوسط والمعنيين بمجال السياسة الخارجية الأميركية، المفكر جاكوب جريجيل.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).