Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

مشهد مغربي لافت في "فيلم أميركي طويل"

14 نوفمبر 2020

على طريقتهم تفاعل المغاربة مع نتائج الانتخابات الأميركية، واحتفلوا بمجيء جو بادين رئيسا جديدا للولايات المتحدة. نشر عديدون فيديوهات وصورا على مواقع التواصل الاجتماعي، تظهر زيارة جو إلى المغرب، كأنهم يودون الإفصاح: "إن الرئيس الجديد صديق لبلادنا"، والتأكيد على أن الأميركيين تجمعهم صداقة متميزة مع المغرب. إذ تربط البلدين معاهدة صداقة لا زالت سارية المفعول منذ توقيعها سنة 1787. وأعيد تكرار أن المغرب أول دولة في العالم اعترفت باستقلال أميركا سنة 1783. آخرون نشروا صورا قديمة عن لقاءات العاهل الراحل الحسن الثاني مع بعض الرؤساء الأمريكيين السابقين.

الأميركيون في أغنية مغربية 

في نوفمبر 1942، حصل إنزال القوات العسكرية الأميركية على سواحل المغرب، وظلت الأجيال اللاحقة تردد ذكراه من خلال أغنية للمطرب الشعبي حسين السلاوي (1921 -1951)، أغنية اشتهرت بعنوان: "الأميركان"، أو "الزين والعين الزرقاء"، وثقت وقع الإنزال الأميركي على المجتمع المغربي. وأشارت كلماتها إلى تحرر المغربيات وارتدائهن الفولار فوق الرأس وإلى تدخين السيجار وعلكة "الشوينغوم" وشرب "الروم" ورواج عملة الدولار، كما تضمنت الأغنية كلمات بالإنجليزية.

مباشرة بعد هذا الإنزال التاريخي، حصلت في يوم 14 يناير 1943 زيارة الرئيس الأميركي، فرانكلين روزفلت، إلى المغرب للمشاركة في "مؤتمر أنفا" بالدار البيضاء، الذي استغرق عشرة أيام متواصلة ناقش فيها الحلفاء ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية. جمع المؤتمر إلى جانب روزفليت، رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والرئيس الفرنسي الجنرال ديغول، والجنرال الفرنسي هنري جيرو. وحضر جانبا منه ملك المغرب محمد الخامس مع ولي عهده المولى الحسن، في حين تخلف عن حضور المؤتمر رئيس الاتحاد السوفياتي جوزيف ستالين. 

خلال "مؤتمر أنفا" برز الرئيس الأميركي روزفلت بحضه الحلفاء على الالتزام بتنفيذ بنود معاهدة الحلف الأطلسي المتعلقة بحق الشعوب في استقلالها وتقرير مصيرها (معاهدة 18 يناير 1941). في نفس المؤتمر السري تلقى محمد الخامس دعما أميركيا لمساعدة المغرب على نيل استقلاله بمجرد نهاية الحرب. لذلك عمل الوطنيون المغاربة في السنة الموالية (1944) على رفع نسخة من "وثيقة المطالبة بالاستقلال" إلى الإدارة الأميركية.

بانعقاده في المغرب، شكل "مؤتمر أنفا" إيذانا بتدشين عهد جديد من التعاون المغربي الأميركي. يقول أحد المؤرخين الأميركيين أن اختيار مدينة الدار البيضاء لاجتماع الحلفاء لترتيب فترة ما بعد الحرب من اختيار الأميركيين، إضافة إلى الاعتبارات الجيوسياسية، كان مبادرة رمزية من أميركا تجاه المغرب، البلد الأول الذي اعترف باستقلال الولايات المتحدة الأميركية. لهذا حرصت واشنطن على أن تكون الولايات المتحدة هي أول دولة تعين سفيرها بالعاصمة الرباط بعد استقلال المغرب.

تلت ذلك زيارة رسمية للملك محمد الخامس إلى الولايات المتحدة في نوفمبر 1957، كانت الأولى والأخيرة له إلى أميركا قبل وفاته سنة 1961.

ذكرى ملكية عن رئيس مغتال 

في ديسمبر 1959 وصل إلى المغرب داويت ايزنهاور، في أول زيارة رسمية يقوم بها رئيس أميركي إلى المغرب. وطاف الرئيس رفقة الملك بسيارة مكشوفة لتحية الجماهير في شوارع الدار البيضاء التي هبت لتحيته.

بعدها عقد ايزنهاور جلسة محادثات مع محمد الخامس حول جلاء القواعد العسكرية الأميركية عن التراب المغربي.

بعد رحيل محمد الخامس سنة 1961 اعتلى العرش ولي عهده الحسن الثاني (1929-1999)، و"بحكم طبيعة النظام السياسي المغربي، المتميز أساسا بقطبية الملك داخله، فإن السياسة الخارجية المغربية، ولا سيما ما يتعلق بتحديد خياراتها الأساسية والاستراتيجية تبقى حكراً على الملك"، كما يوضح الدكتور حسان بوقنطار أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط.

عاصر الحسن الثاني منذ توليه العرش، ثمانية رؤساء أميركيين، زار خلالها الولايات المتحدة ثماني مرات استقبل فيها من الرؤساء: جون كينيدي وجيمي كارتر ورونالد ريغان وجورج بوش الأب وبيل كلينتون. في حين لم يسجل لقاؤه بالرؤساء لندون جونسون وريتشارد نيكسون وجيرالد فورد.

وخلال فترة حكمه واصل الحسن الثاني سعيه البحث عن تثبيت شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة من منطلق انحيازه الواضح للغرب في مواجهة المعسكر الشيوعي زمن الحرب الباردة. رغم حرصه على إقامة علاقات متزنة مع الاتحاد السوفياتي، كان الحسن الثاني يعبر للأميركيين أنه معهم يشعر بكونه "وسط أصدقاء أقوياء وأوفياء". لذلك بقي يستحضر ذكرياته مع جون كينيدي، إذ التقاه قبل ثمانية أشهر من اغتياله عام 1963، لقد خاطب كينيدي الحسن الثاني قائلا: "على الرغم من المحيط الواسع الذي يفصل دولتينا، إنهما مرتبطتين معا على طول التاريخ." كما روى ذلك إدوارد إم. غابرييل السفير الأميركي في الرباط ما بين 1997 و2001. 

حضور "السي أي أيه"

لاحقا، كشفت وثائق أميركية تم رفع السرية عنها، رفض الرئيس جيمي كارتر الاستجابة للحسن الثاني الذي كان يرغب في شراء طائرات حربية من الولايات المتحدة الأميركية. ولم تنفع حجج المغرب لدى إدارة البيت الأبيض، ومنها مواجهة توسع الاتحاد السوفياتي في شمال أفريقيا، والدور المغربي في حدوث تقارب بين مصر وإسرائيل.

لكن بعد وصول الرئيس رونالد ريغن تمكن المغرب من عقد الصفقة. واعتبر وزير الخارجية ألكسندر هيغ أن على أميركا التدخل في تسوية نزاع الصحراء، مشيرا إلى الدعم الجزائري لجبهة البوليساريو.

عام 1991، نشر الفرنسي جيل بيرو بعنوان: "صديقنا الملك"، كتاب أغضب الحسن الثاني وأثر سلبيا على العلاقات المغربية ـ الفرنسية التي شهدت فترة من البرود، بل إن الحسن الثاني فكر في استبدال تدريس اللغة الفرنسية في أسلاك التعليم في المغرب باللغة الإنجليزية، في إشارة تمرد بتحويل الاصطفاف إلى جانب أميركا المنافسة لفرنسا في الهيمنة على المنطقة المغاربية. 

لكن كيف بالإمكان فك الارتباط مع "الأم الرؤوم" التي لم ينفك جزء هام من نخبتها الإعلامية في تدليل الحسن الثاني وإلقاء ورود الإعجاب على شخصه، نخبة مرتشية ظلت تتعامل مع الجانب الطيب لدى "الحاكم الأوحد"، مُشيحة النظر عن الجانب السيء الذي كشفت عنه "سنوات الرصاص" وتشييد المعتقلات السرية، وأشهرها سجن "تازمامارت". هذا المعتقل الرهيب كانت السفارة الأميركية على علم بوجوده. وستتدخل مواطنة أميركية لدى سفارة بلدها لإطلاق سراح زوجها المغربي العقيد مبارك الطويل الذي كان أول مغادر لـ"تازمامارت" قبل إخلائه.

ولأن المخابرات الأميركية، ساهمت في تأسيس أجهزة الاستخبارات المغربية، فقد كان للمغرب دور خلف المخابرات البلجيكية والأميركية في تخريب استقلال الكونغو واغتيال باتريس لومومبا (1960). كما تتهم "السي أي إيه" بالمشاركة في اختطاف الزعيم المغربي المهدي بنبركة في باريس سنة 1965. وذكرت تقارير دبلوماسية أن "السي أي أيه" لم تكن بعيدة عن انقلابي الجنرال محمد المذبوح (1971) والجنرال محمد أوفقير (1972) ضد الحسن الثاني. 

أما في حرب الخليج الأولى (1991) فقد انصاع الحسن الثاني لضغوط واشنطن وأرسل كتيبة رمزية ضمن جيوش التحالف الدولي ضد صدام حسين. 

دائما في إطار التعاون الاستراتيجي العسكري والاستخباراتي، أفصحت تقارير لهيئات ومنظمات حقوقية دولية أن المخابرات المغربية عملت منذ هجمات 11 سبتمبر على مساعدة نظيرتها الأميركية خلال استجواب أشخاص يفترض أنهم إرهابيون، أخضعوا لمعاملة رهيبة في المعتقل (السري-العلني) "تمارة" بضواحي الرباط.

أسرة كلينتون العلوية 

كانت آخر زيارة للحسن الثاني إلى أميركا سنة 1995، وعند خضوعه لفحوص بالمستشفى النيويوركي "أكورنيل نيويورك هوسبيطال" أخبره الأطباء بدنو أجله، بل حددوا عمره الافتراضي.

وبعد وفاته (23 يوليوز 1999) كان الرئيس الأميركي، بيل كلينتون، من أبرز الشخصيات العالمية التي حضرت مراسيم تشييع الحسن الثاني، مع سلفه الرئيس السابق جورج بوش الأب، حيث سارا خلف نعش الملك الراحل.

ارتبطت عائلة كلينتون بعلاقات وثيقة مع المغرب. فبعد انتخابه رئيسا استقبل بيل كلينتون الحسن الثاني في البيت الأبيض. وتطورت العلاقة بين الرجلين لتمتد إلى الصلات العائلية، حيث قامت زوجة الرئيس هيلاري كلينتون بزيارة إلى المغرب في أبريل 1999، وظهرت برفقة ابنتها تشيلسي بالقفطان المغربي في قصر الحسن الثاني. 

وكانت أول رحلة خارج المغرب قام بها محمد السادس بعد سنة من توليه العرش باتجاه الولايات المتحدة الأميركية، استقبل خلالها من طرف الرئيس الأميركي كلينتون وزوجته في البيت الأبيض.

وبذات الرداء التقليدي المغربي ستظهر هيلاري وتشيلسي مرة أخرى مع بيل كلينتون، في حفل زفاف الملك محمد السادس سنة 2002. بل إن محمد السادس سيبادر خلال تواجده في أميركا عام 2010 بتقديم التهاني للرئيس الأسبق كلينتون وحرمه هيلاري بمناسبة عقد قران وحيدتهما. 

لقد استحق آل كلينتون حمل لقب "العلوي"، كما سمت الصحافة الباريسية الرئيس الفرنسي جاك شيراك، لقربه من السلالة العلوية التي تحكم المغرب منذ قرون.

لاحقا ستتوالى أسفار عائلة كلينتون إلى المغرب، ليس بسبب العلاقة المتوطدة مع القصر الملكي، أو لافتنانهما بسحر الربوع المغربية، ولكن لصلة الرحم مع قريبة للسيدة هيلاري تسكن في الجنوب المغربي، وهي ابنة أختها المقترنة بمواطن مغربي.

في صيف العام 2019 انتشرت على المواقع صور طريفة لكلينتون مع زوجته، وهما يحلان ضيفين على عائلة مغربية متواضعة في جنوب مراكش يتناولان معها وجبة إفطار تقليدية بسيطة.    

لم تخف السيدة كلينتون دعمها لـ"تجربة الانتقال الديمقراطي في المغرب"، كما كشفت وثائق ويكيليكس استفادة الحملة الانتخابية لهيلاري كلينتون ضد منافسها ترامب (2016) من تمويل من القصر المغربي، الشيء الذي أرخى بغيومه فترة على سماء العلاقات بين ترامب ومحمد السادس.

قضية الصحراء في الاستراتيجية الأميركية 

يعتبر خبراء في الشؤون الأميركية أن "الرباط هي الأذكى من بين العواصم العربية" في علاقاتها مع أميركا، إذ سعى المغرب منذ سنوات إلى تشكيل لوبي قوي في إدارته لعملية التأثير على أروقة صنع القرار في واشنطن. 
يترجم هذا حصول المغرب على صفة "حليف أساسي للولايات المتحدة خارج الحلف الأطلسي"، بعد أحداث سبتمبر 2001، حليف يعتمد عليه في مسار السلام في الشرق الأوسط، وشريك رئيسي في الحرب على الإرهاب في المنطقة. لكن القضية الوطنية الأولى التي يصفها المغاربة بـ"المقدسة"، هي قضية الصحراء الغربية، ظلت تتأرجح دائما في الموقف الأميركي وتؤثر بشكل كبير على العلاقات بين واشنطن والرباط. 

سبق لوزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر أن تحدث عن مبدأ "المغرب العربي ملحقة للشرق الأوسط". هو كيسنجر الذي وصفه ذات مرة السياسي المغربي المعارض محمد الفقيه البصري بـ"مؤسس مشكلة الصحراء الغربية".  

لكن في بداية الألفية الجديدة سيأتي وزير خارجية أميركي آخر، هو جيمس بيكر بقبعة المبعوث الشخصي للأمين العام للمتحدة في نزاع الصحراء الغربية، للمساهمة في إيجاد حل للنزاع، وأعد مشروعا اشتهر باسمه: "خطة بيكر"، ارتكزت على إجراء استفتاء بين ساكنة الصحراء، لكن الخطة لم تترجم بسبب اعتراض الجانبين المغرب والبوليساريو بشأن من لهم الحق في التصويت. ما اضطر بيكر إلى الاستقالة من منصبه الأممي (2004) مصرحا: "إنني لا أظن أن هناك حل لهذه الأزمة". 

لكن المغاربة المتشبثين بموقفهم يرون أن جيمس بيكر بجزمه المستحيل كمن بصدد كتابة سيناريو "فيلم أميركي طويل" يوازي العمر الذي استغرقته أزمة الصحراء، وربما دعوه إلى السفر إلى "هوليوود أفريقيا" التي شيدها المغرب بواحات ورزازات، للانضمام إلى كبار المنتجين الأميركيين المتوافدين طوال السنة لإنجاز أفلام أميركية ناجحة بخلاف خطته اليائسة. 

مع إدارة الرئيس بايدن ينتظر المغرب والمنطقة تدوين صفحة جديدة من العلاقات الأميركية - المغاربية. صفحة تستعصي أن تجرف كثبان رمالها رياح مناوئة تعصف بـ"242 عاما من العلاقات الثنائية المبنية على الثقة والاحترام والقيم المشتركة". كما وصفها وزير الدفاع الأميركي السابق مارك ت. إسبر خلال تواجده في الرباط في أكتوبر الماضي.

-----------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي
ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي

عبد الرحيم التوراني

خلال الأسبوع الذي نودعه، أقدمت كل من الجزائر والمغرب على التعبير عن غضب كل منهما، من موقعه وحالته الخاصة، تجاه السياسة الفرنسية. 

احتجت الجزائر على ما سمّاه الإعلام هناك بـ "غدر الفرنسيّين"، بعد عملية تسفير للناشطة الحقوقية والصحفية، الطبيبة أمينة بوراوي إلى فرنسا. (وهي ابنة الجنرال الجزائري الراحل محمد الصالح بوراوي).

ووِفْق بيان رسمي صادر عن رئاسة الجمهورية الجزائرية يوم الأربعاء 8 فبراير الحالي "أمر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، باستدعاء سفير الجزائر بفرنسا، سعيد موسي، فورا للتشاور". 

مما جاء في مذكرة رسمية جزائرية للسفارة الفرنسية، أن الجزائر تدين بشدة، ما يمثل "انتهاكا للسيادة الوطنية من قبل موظفين دبلوماسيين وقنصليين وأمنيين تابعين للدولة الفرنسية، شاركوا في عملية إجلاء سرية وغير قانونية لرعية جزائرية، يعتبر تواجدها على التراب الوطني ضروريا بقرار من القضاء الجزائري". وأن الجزائر ترفض هذا التطور "غير المقبول ولا يوصف" الذي يلحق "ضررا كبيرا" بالعلاقات الجزائرية- الفرنسية.

في سياق زمني متقارب، جرى الإعلان في الرباط  قبل يومين، عن "إنهاء الملك مهام سفيره في فرنسا محمد بنشعبون"، الذي تم تعيينه، في آخر شهر أكتوبر من السنة الماضية في منصب المدير العام لصندوق محمد السادس للاستثمار. من دون تسمية خلف له في المنصب. وسارعت وسائل إعلام مغربية إلى وصف الحدث بكونه يمثل "ردا على مناورات فرنسا".

وفسرته مصادر أخرى بكونه يعد "سحبا للسفير المغربي من العاصمة الفرنسية"، في ظل أزمة جفاء بين البلدين ظلت تتفاعل وتتأرجح منذ أكثر من سنة بين مد وجزر. بل يبدو أنها تطورت لتأخذ منحى أكثر حساسية وتعقيدا، إثر إدانة البرلمان الأوروبي للمغرب بشأن ملف حرية التعبير والصحافة وحقوق الإنسان، مع مزاعم الاشتباه في تورط الرباط في قضية "قطر غيت"، المتصلة بدفع رشى لأعضاء من مؤسسة السلطة التشريعية للاتحاد الأوروبي.

كان لافتا تصويت برلمانيين فرنسيين، ضمنهم جميع نواب حزب "النهضة" (الجمهوية إلى الأمام) الذي يعد الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون مؤسسه وزعيما له. وفي سياق الأزمة المتفاقمة بين باريس والرباط أجمعت وسائل الإعلام الرسمية في المغرب مع البرلمان بغرفتيه، على توجيه الاتهام إلى فرنسا بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير.

كما ذهب عدد من المراقيبن إلى اعتبار طريقة التعيين المباشر للسفيرة الفرنسية بالرباط هيلين لوغال في منصب أوروبي بعد مغادرتها المغرب، شكلا من أساليب الاحتجاج الدبلوماسي غير المعلن، الذي يتم عادة عبر "سحب السفير"، أو ما يوصف في لغة البيانات المقتضبة بعبارة "استدعاء السفير للتشاور".

فلم تتأخر الأخبار مع بداية شهر أكتوبر 2022، حتى جرى الإعلان عن التحاق لوغال بمنصبها الجديد كمديرة لـ"شمال إفريقيا والشرق الأوسط" في دائرة العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي.

وقد اعتبر هذا التطور تحصيل حاصل لأزمة حقيقية تشهدها العلاقات المغربية الفرنسية، التي صارت على درجة واضحة من البرود والجفاء، منذ اندلاع ملف التأشيرات، مع ملف آخر يكتسي  حساسية خاصة، ألا وهو ملف التجسس، الذي طفا منذ أكثر من سنتين على سطح العلاقات الفرنسية المغربية. ويتصل بتقارير نشرت حول استخدام برنامج "بيغاسوس" الإسرائيلي للتجسس على شخصيات فرنسية تشمل الرئيس ماكرون نفسه وأعضاء في حكومته، لحساب الاستخبارات المغربية، في حين ظلت الرباط تنفي هذه المزاعم.

وترجح تقارير لخبراء في الشؤون الفرنسية - المغاربية، أن ملف "بيغاسوس" سيستمر ملقيا بظلاله الثقيلة على علاقات المسؤولين في باريس والرباط، "ليس فقط باعتباره ضربة لدرجة الثقة العالية بين دولتين تربطهما علاقات شراكة وثيقة، بل أيضا لما يمكن أن يُفهم من المنظور الفرنسي على أنه مؤشر في تراجع مكانة فرنسا الاستراتيجية بالنسبة للمغرب".

بالعودة إلى الموضوع الجزائري، يشار إلى أن وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية نشرت يوم الخميس 9 فبراير 2023، تقريرا يتهم المخابرات الفرنسية بـ"السعي لإحداث القطيعة في العلاقات الجزائرية الفرنسية"، على خلفية إجلاء الناشطة الجزائرية أميرة بوراوي، من تونس إلى فرنسا.

وأكد التقرير أنه "من المؤسف رؤية ما تم بناؤه بين رئيسي البلدين لفتح صفحة جديدة ينهار".

وانتهى  التقرير إلى أنه: "لم تعد المصالح الفرنسية تخفي مناوراتها، بل أضحت تعلنها أمام الملأ وفي وضح النهار وها هي اليوم على وشك بلوغ هدفها المتمثل في إحداث القطيعة في العلاقات الجزائرية- الفرنسية".

من دون شك أن أزمة التأشيرات بين باريس والرباط، وباقي العواصم المغاربية، "ولدت نوعا من الكراهية في المغرب لكل ما هو فرنسي"، حسب ما أدلى به الكاتب المغربي الفرنسي الطاهر بن جلون، ففي حوار له مع المجلة الفرنسية "جون أفريك" صرح  بنجلون بـ"أن قصة التأشيرة كانت مهينة حقا للجميع وشكلا من أشكال العقاب، ولم تكن خطوة جيدة من جانب ماكرون ووزير داخليته" مبرزا أنه حاول من جانبه تنبيه الرئيس الفرنسي، لكن الأخير لم يرد أن يعرف شيئا، لذلك كان لا بد من استمرار التوتر.

لم يكد ينتصف شهر ديسمبر 2020 حتى لاحت بوادر انفراج تؤشر نحو "نهاية الأزمة" بين البلدين، وجاءت على لسان رئيسة الدبلوماسية الفرنسية من الرباط التي أعلنت "إنهاء قيود التأشيرة". 

وبعدها تفاءل الناس معتقدين أن الأزمة أصبحت خلفهم، قبل أن تتجدد اليوم على مستويات أخرى مختلفة. هو نفس ما وقع في الجزائر بعد الزيارة التاريخية لماكرون.

لا خلاف أن من تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، تفاقم أزمة إمدادات الطاقة، التي تعاني منها اليوم بلدان أوروبا.

وقد دفعت هذه الأزمة غير المسبوقة ساكن قصر الإليزيه إلى الهرولة صوب الجزائر، وإن كان ماكرون عند وصوله في شهر غشت الماضي إلى الجزائر، أصر على إنكار أن زيارته لها صلة بالغاز الجزائري.

يومها بدا أن باريس تسير باتجاه التخلي عن المغرب والتضحية بعلاقاتها مع الرباط لصالح الجزائر، حيث سعى ماكرون إلى تنفيذ برنامج حثيث من أجل تحسين العلاقة مع حكام الجزائر. بهذا الصدد قال الكاتب المغربي - الفرنسي الطاهر بنجلون إن الرئيس إيمانويل ماكرون، إزاء موقف الاستقطاب بين الجزائر والمغرب، "لا يفهم في العالم العربي بشكل عام، والمغرب العربي بشكل خاص، على عكس أسلافه السابقين، شيراك وساركوزي وهولاند".

لذلك ما لبث ماكرون أن سقط في لعبة "التوتر المستمر الذي يحتاج إليهإ النظام الجزائري"، في علاقته مع المغرب منذ الستينيات من القرن الماضي، يؤكد بنجلون.

أما بخصوص موقف باريس من قضية الصحراء الغربية، فإن المغرب حازم في هذا الموضوع، حيث قال الملك بوضوح في إحدى خطاباته إن العلاقات الثنائية لا يمكن أن تؤجل مسألة وحدة أراضي المغرب، مضيفا "إنها مسألة مقدسة بالنسبة لنا، ومسألة شرف".

لكن فرنسا لا تجد اليوم في حساباتها أوراق مساومة تدفع بها للاعتراف بمغربية الصحراء، مثل ما حصل للولايات المتحدة الأمريكية في الاتفاق الثلاثي الذي وقعته مع المغرب وإسرائيل (المؤدي لتطبيع المغرب مع تل أبيب).

هي ملفات حسّاسة، ربما لن تتوقف عن التوالد، لتُغرق علاقات فرنسا في مستنقع مستعمراتها السابقة بالمنطقة المغاربية، ناهيك عما يحصل منذ فترة، من تمرد وقطع لحبل الصرة الذي يربطها بمستعمراتها الأخرى في غرب ووسط إفريقيا.

لكن ما يجري حاليا من توتر فرنسي - جزائري، يقابله بالموازاة وفي نفس الآن توتر فرنسي - مغربي، يضر بالعلاقات التاريخية والاقتصادية والبشرية التي تجمع فرنسا بالبلدين، الجزائر والمغرب.

ما يدفع إلى التساؤل، هل علينا أن نستوعب عدم التوفيق، (حتى لا نستعمل لفظ الفشل)، لدى قصر الإليزيه في لعبة التوازن الدقيقة بين الشقيقين اللدودين الجزائر والمغرب، والذي من شأن عدم استدراكه سريعا، سيساهم في إفراز إشكالات خلافية أخرى، ربما تكون أكثر حساسيّة وخطورة في بنية العلاقات والتداعيات المستقبلية للسياسة الخارجية الفرنسية.

تبقى إشارة عابرة، لا يجب تناسي أن ملف التوتر مع الجارين الجزائر والمغرب وفرنسا يتصل بمسألة حقوق الإنسان.

وإن كانت ملفات التوتر منفصلة فإنها تلتئم عند تناولها من لدن الطرفين المتنازعين منذ حوالي نصف قرن حول قضية الصحراء.

فحكام الجزائر يزعمون أن أصابع اللوبي المغربي خلف ما يحصل من تعكير العلاقات الجزائرية مع باريس، إذ تضمن تقرير جزائري في الموضوع أن: "الجميع يعلم أنه يوجد على مستوى المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي، خطة تقضي بتقويض العلاقات الجزائرية- الفرنسية، يتم تنفيذها من قبل عملاء سريين و(خبارجية) وبعض المسؤولين على مستوى المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي ووزارة الخارجية الفرنسية، وكذا بعض المستشارين الفرنسيين من أصل جزائري لا يخفون ولعهم وتبجيلهم للمخزن (النظام المغربي)". 

وبالموازاة لا تتوقف الرباط عن اتهام النظام الجزائري بالتسبب في التأزم وخلق التحديات الأمنية وسيادة الاضطراب وعدم استقرار المنطقة.

ويبقى التفاؤل الفرنسي حاضرا، مستبعدا حدوث قطيعة مغربية أو جزائرية مع باريس، فالجسور الممتدة بين الضفتين أقوى وأمتن من الأمواج المتلاطمة لمثل هذه الأزمات العابرة، وأن فرنسا لا بد أن تستعيد المبادرة وتضطلع بدورها التقليدي المطلوب.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).