Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

هل تنجح أوروبا في التخلص من الإرهاب؟

02 ديسمبر 2020

عمران سلمان

أوروبا في ورطة حقيقية ووضع لا تحسد عليه. فهي من جهة تواجه هجمات إرهابية باسم الإسلام، متنوعة في أهدافها وعناوينها، وهي من جهة أخرى غير قادرة على مواجهة هذا الخطر بصورة فعالة، إما بسبب القيود القانونية أو السياسات المحلية أو الحدود المفتوحة بين دولها الاتحاد الأوروبي. وهي لذلك تفتش باستماته عن طرق أفضل لمواجهة هذه الظاهرة.

مشكلة التعميم

في البداية ينبغي أن نقول إن الجماعات المتطرفة، بما في ذلك المساجد والمؤسسات التي تديرها، تشكل جزءا صغيرا نسبيا من المجتمعات المسلمة في الدول الأوروبية. صحيح أن صوتها هو الأعلى وتأثيرها ربما أقوى، لكن هذا لا يعكس بالضرورة حجمها الحقيقي. الكثير من المسلمين هناك ليسوا منخرطين في مثل هذه النشاطات، وهم إما مسلمون تقليديون، يحافظون على عباداتهم وأعمالهم اليومية ويهتمون بتربية أسرهم ولا يشتغلون بالسياسية عادة، وإما مسلمون مندمجون تماما في هذه المجتمعات، وبين هؤلاء علمانيون ولا دينيون ممن ينتمون إلى الإسلام ثقافيا فحسب.

أيضا المجتمعات المسلمة ليست جسما واحدا، فهي تتنوع مذهبيا وعرقيا وثقافيا. وتختلف نسبة هؤلاء بين بلد أوروبي وآخر. والحديث عن المسلمين في أوروبا بوصفهم كتلة واحدة فيه من التعميم والظلم الشيء الكثير وهو لا يصلح منطلقا لمعالجة مشكلة الإرهاب. 

لمقاربة هذه المشكلة من المهم الانتباه إلى مسألتين أساسيتين:

الجزء المعطوب

المسألة الأولى هي أنه لا ينبغي وضع المجتمعات المسلمة كلها تحت المجهر، وإنما تحديد وعزل الجزء المتطرف من بينهم. هذا الجزء يشمل النشطاء والمتحزبين أو المؤدلجين إسلاميا، وبين هؤلاء من ينتمي أو يتعاطف مع تنظيمات مسلحة أو تنظيمات أيديولوجية مثل الإخوان المسلمين.

هؤلاء قد يكون بينهم من هو مولود في هذه الدول وتم تجنيده حديثا، وقد يكون لاجئا جاء لتوه من وراء البحار لتنفيذ عملية إرهابية، وقد يكون مقيما منذ فترة طويلة ونجح فيما كلف به من تشكيل خلايا وإقامة مؤسسات وما شابه. 

هذا الجزء المتطرف هو عادة الذي تشتغل عليه أجهزة الاستخبارات التابعة لبعض الدول العربية أو الإسلامية. حيث تتدفق عليه المساعدات من الجمعيات الخيرية والمؤسسات الدعوية وما شابه (وهي معروفة)، وهذا هو الجزء الذي تهتم به أيضا أجهزة الإعلام في هذه الدول (وهي معروفة أيضا) ومنحه منصة بهدف تقوية مركزه في المجتمع المسلم المحلي. 

هؤلاء هم الذين يشكلون خطرا على المجتمعات الأوروبية، بما في ذلك غالبية المسلمين في هذه الدول.  ولو تمكنت الحكومات الأوروبية من عزل هؤلاء والتخلص منهم، تكون قد حلت نصف مشكلة الإرهاب. 

التدين والانتماء

المسألة الثانية هي أن مشكلة الإرهاب في أوروبا ليست مشكلة دينية، وإن اتخذت هذا الطابع. هي مشكلة تتعلق بالانتماء أو الهوية. وهذا يحتاج إلى شرح.

ثمة فرق بين اتباع دين معين وبين اتخاذ هذا الدين هوية أو انتماء. الإيمان بدين هو في الغالب خيار فردي، قد يرثه الإنسان وقد يلجأ له بدوافع إيمانية وروحانية أو نتيجة تجارب بشرية معينة. 

بينما الهوية تستلزم (في كثير من الأحيان) الانتماء إلى جماعة من البشر والانتظام في سلسلة من العلاقات "التنظيمية" ووضع أهداف معينة وجدول أعمال وتنفيذ مهام وما إلى ذلك.

فأن يكون الإنسان مسلما أو مسيحيا أو يهوديا أو بوذيا أو هندوسيا.. إلخ، هو أمر طبيعي لا ينبغي أن يثير أية مشكلة، لكن الانضمام إلى مؤسسة إسلامية أو مسيحية أو يهودية.. إلخ، يعني في الغالب الانتماء إلى جماعة معينة والعمل وفق أهدافها.

الأمر هنا يشبه الفرق بين الإيمان بـ"مذهب" معين وبين الانتماء إلى "طائفة" تؤمن بهذا المذهب. المذهب هو اعتقاد بينما الطائفة هي وجود اجتماعي.    

والإنسان في العادة لا يلجأ إلى استخدام العنف في الدفاع عن مذهبه، لأنه محفوظ في قلبه، لكنه يميل تلقائيا إلى العنف إذا تعلق الأمر بطائفته أو ما يعتبره مساسا بها. وبالأحرى فإن الطائفة هي التي تمارس العنف وليس المذهب نفسه.

أوروبا وأميركا

هذا الفرق جوهري، عندما يتعلق الأمر بمكافحة الإرهاب والتشدد. فالخطأ الفادح هو مهاجمة الدين أو الاعتقادات. فإضافة إلى كون ذلك اعتداء على حرية أساسية للإنسان، فإنه يحيل المعركة أيضا إلى الوجهة الخطأ.

الصحيح هو كيفية الحيلولة دون أن يتحول الإيمان الديني إلى هوية دينية. وكيف يمكن ضمان أن يتمتع الإنسان بممارسة حريته في الاعتقاد وأداء شعائره وطقوسه من دون الحاجة إلى الانتماء إلى مؤسسة دينية. وأعتقد أن هذا هو من الأسباب الجوهرية للاختلاف الذي يميز وضع المسلمين في بلد مثل أميركا مع المسلمين في أوروبا. 

فجماعات الإسلام السياسي في أميركا تحاول هي الأخرى باستماته أن تجر المسلمين إلى حلبتها عبر منحهم "هوية" أو "انتماء". ورغم نجاحها أحيانا في جر بعض الفئات، إلا أن غالبية المسلمين لا يجدون حاجة إلى الانتماء إلى هذه الجماعات. (باستثناء المسلمين السود ومنظماتهم، فهؤلاء قضيتهم مختلفة).

والسبب أن "الانتماءات" بطبيعتها ضعيفة في أميركا، لعدم وجود قومية، فضلا عن النفور التقليدي من الأيديولوجيات، فما يجمع الناس حقا هو القيم والمبادئ الأميركية. 

ونجد ذلك واضحا في ميدان السياسة، إذ لا يتمكن أي حزب أيديولوجي من النجاح مهما بذل من جهد، والحزبان الرئيسيان (الديمقراطي والجمهوري) هما عبارة عن مظلتين فضفاضتين، تجمعان أشخاصا ومصالحا واتجاهات متباينة. 

بمعنى آخر فإن "الانتماء" في أميركا ليس مسألة جوهرية، كما أن سؤال "الهوية" نفسه غير مطروح، لانتفاء وجود "آخر" مقابل (ربما باستثناء مسألة السود التي لها وضعها الخاص). 

بالطبع سيكون من الظلم إجراء مقارنة بين الدول الأوروبية وأميركا في هذا المجال، لكني أعتقد أن هناك الكثير مما يمكن أن يتعلمه الأوروبيون من التجربة الأميركية. 
 

 

 

-----------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

مظاهرة للإخوان المسلمين في الخرطوم عام 2013 (أرشيفية)
مظاهرة للإخوان المسلمين في الخرطوم عام 2013 (أرشيفية)

بابكر فيصل

إقحام الشأن الديني في الأمر السياسي لدى جماعة الإخوان المسلمين يدخلها في تناقضات مكشوفة. وبما أنها تستند في تبرير مشروعية وجودها السياسي على الدين، فإن مثل هذا التناقض يعمل على تشويه صورة الدين الذي يتسامى على صراعات السياسة المرتبطة بالمصالح الدنيوية المتغيرة على الدوام.

وتكشف مواقف الجماعة من قضية "الحرية" في مختلف تجلياتها تضاربا صارخاً في الخطاب وتناقضاً بائناً بين الأقوال والأفعال مما يؤكد أن الإخوان يقومون على الدوام بتوظيف هذه القضية ضمن قضايا كثيرة أخرى بطريقة دينية من أجل تحقيق مكاسب سياسية وحزبية خالصة.

في هذا الإطار، أناقش في هذا المقال بعض النقاط الواردة في البيان الصادر عن مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في دورة انعقاده الخامسة التي اختمت في، إسطنبول تركيا في 29 يناير الماضي. وكما هو معروف فإن الإتحاد الذي أسسه الدكتور يوسف القرضاوي في عام 2004 بالعاصمة القطرية، الدوحة، يعتبر أكبر هيئة فكرية مُعبِّرة عن مواقف التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين.

وجه البيان رسالة إلى من أسماهم "العلماء" حثهم فيها، باعتبارهم ورثة الأنبياء، على (الحفاظ على ثوابت الإسلام العقدية والشرعية والأخلاقية والحضارية بما يسهم في بناء الأوطان وتوحيد الأمة والنهوض الحضاري وإقامة العدل والحق وتعظيم حرمة الدماء والأعراض والأموال).

كما دعا البيان حكومات الدول العربية والإسلامية إلى التصالح مع شعوبها على قاعدة (العدل والحرية والكرامة)، وطالبها باحترام (العلماء والمؤسسات العلمائية وتأمين دورهم الإيجابي في التوعية والتربية والتوحيد والتجديد، ويؤكد على وجوب إطلاق سراح العلماء والدعاة والمفكرين والإعلاميين وسائر المظلومين الذين يسجنون بغير حق في أي بلد).

من المؤكد أن بعض هذه المُطالبات سليمة وتمثل القاعدة الصحيحة لتأسيس نظم الحكم الديمقراطية في مقابل النظم الاستبدادية ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في ازدواجية الخطاب الذي يتبناه الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين بخصوص هذه الدعوات والمطالبات.

لقد حكمت جماعة الإخوان المسلمين بلداً مثل السودان لمدة ثلاثين سنة بالحديد والنار وشيدت أعتى دولة بوليسية شهدتها البلاد منذ خروج المستعمر البريطاني وكانت قد وصلت إلى السلطة عبر دبابة عسكرية أجهضت بها نظام الحكم الشرعي المنتخب من الشعب والذي كانت الجماعة جزءاً منه وتمثل ثالث كتلة برلمانية من حيث عدد النواب.
هذه الدولة الإخوانية البوليسية انتهكت الأعراض وقتلت الأبرياء في السجون وأشعلت الحروب الأهلية التي راح ضحيتها مئات الآلاف من المواطنين العزل ومع ذلك لم نسمع كلمة واحدة من الإتحاد العالمي تدين هذه الممارسات وتقف إلى جانب الضحايا !!

وعلى الرغم من السجل المخزي لنظام الإخوان المسلمين في مجال حقوق الإنسان وكبت الحريات واضطهاد المعارضين ظل الاتحاد العالمي صامتا عن المطالبة بتفريغ السجون ومعتقلات الأجهزة الأمنية السرية المعروفة باسم "بيوت الأشباح" من سجناء الرأي والمعتقلين السياسيين واستمر في دعم النظام السوداني الذي يشاركه ذات التوجهات الأيدولوجية والسياسية.

ليس هذا فحسب بل أن الاتحاد ظل يقدم دعمه المطلق للطاغية المخلوع عمر البشير عبر البيانات والزيارات المستمرة للسودان حيث كانت وفود الاتحاد تجد ترحيبا كبيرا من رأس النظام الاستبدادي ويتم استضافتها في الفنادق الفاخرة ويغدقون عليها الهدايا بينما غالبية الشعب الساحقة تعاني من ويلات الفقر والمرض والحروب.     

لا يخالجني أدنى شك في أن مطالبات الإتحاد الأخيرة للحكام بإطلاق سراح "المظلومين" ما كانت لتأتي لولا وجود قيادات وأعضاء الإخوان في سجون بعض الأنظمة العربية الحاكمة مما يعني أنها مطالبات لا تنبع من إيمان حقيقي بأن الحرية قيمة مطلقة يجب أن يتمتع بها جميع البشر بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية أو الأيديولوجية وأن هذه القيمة لا تقتصر فقط على الموالين للجماعة.

أما من أطلق عليهم البيان صفة العلماء وقال أنهم "ورثة الأنبياء", ومن بينهم الموالين لنظام حكم الجماعة فقد كان موقفهم شبيهاً بموقف الإتحاد العالمي حيث صمتوا عن كل جرائم القتل والترويع والإبادة بل أن أحدهم أفتى للطاغية المخلوع عمر البشير بإمكانية قتل ثلث الشعب حتى يستتب الأمن ويستقر النظام ! 

لا يكشف بيان الإتحاد ازدواجية مواقف الإخوان من قضية الحرية فحسب، بل هو يوضح تناقض موقف الجماعة من الانحياز للأنظمة والدول التي تدعم الإخوان وتلك التي تحاربهم حيث جاء في خاتمة البيان الآتي: (وفي الختام يٌقدم المجلس شكره لهذا البلد العزيز تركيا رئيساً وحكومة وشعباً على مواقفه المشرفة نصرةً لكتاب الله ولقضايا الأمة وكل من يقف مع الحق).

البيان يقول أن مواقف تركيا "العلمانية" التي تتمتع بعضوية "حلف الناتو" وترتبط بعلاقات دبلوماسية كاملة مع "إسرائيل" تمثل "نصرة لكتاب الله" ولكل من "يقف مع الحق “، والمعنى هنا هو أن تركيا أصبحت ملاذاً آمناً لأعضاء الجماعة "أهل الحق" الهاربين من بلدانهم لأسباب سياسية.

وعندما كانت معارضة النظام الإخواني المستبد في السودان تنطلق من دول عربية وأفريقية، كانت الجماعة تعتبرها معارضة ارتزاق وخيانة وعمالة تتلقى المساعدة والدعم من الأنظمة العلمانية واسرائيل والدول الغربية الساعية لإسقاط الدولة الإسلامية في الخرطوم فتأمل!

لا شك أن الموقف الأخلاقي والقيمي المبدئي تجاه قضية الحرية لا يتجزأ، بينما ظلت مواقف الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين في هذا الخصوص غير متسقة وتحمل تناقضا داخليا وازدواجية في المعايير وتتسم بالذرائعية الخادمة للأجندة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).