Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

سقوط التسوية الأممية في الصحراء الغربية؟

09 ديسمبر 2020

عبد الرحيم التوراني

لقد سارعت البوليساريو إلى التصريح بتحللها من قرار الأمم المتحدة عام 1991 بوقف إطلاق النار، مؤكدة عودتها إلى حمل السلاح.

من جانبه أكد المغرب تشبثه بوقف إطلاق النار، وعزمه الرد "في إطار الدفاع الشرعي، على أي تهديد لأمنه وطمأنينة مواطنيه". 

ولأول مرة تتخلى الجزائر عن "حياد" ادعته منذ 45 سنة، وكفت عن ترديد أنها "تدعم مبدئيا حركة تحرير، وأن المشكلة بين البوليساريو والمغرب"، لتنخرط في خطاب جديد مضمونه أن "الأمن الاستراتيجي للجزائر يتعدى حدودها الجغرافية"، وأن ما حدث في معبر "الكركرات" هو "خرق مغربي لوقف إطلاق النار يمثل تحديا أمنيا وقوميا للجزائر". 

هل فشل المشروع الأممي في الصحراء؟

هي علامات ومؤشرات للتصعيد قد تنذر بانفجار مرتقب في المنطقة، لكنها تمثل انقلابا معلنا على مقررات الأمم المتحدة. فمنذ فترة والبوليساريو لا تَنفك عن التشكيك في مصداقية البعثة الأممية. كما عبرت جهات مغربية عن استغرابها لالتزام قوات "المينورسو" موقف المتفرج أمام تكرار البوليساريو لعرقلة العبور وحرية التنقل من معبر "الكگركرات".

يحدث هذا في كنف جمود وعجز من الأمم المتحدة، منذ توقف المفاوضات المباشرة بين المغرب والبوليساريو (2019). فعقب أحداث معبر "الكركرات" صرح وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة من مدينة الداخلة في الصحراء الغربية، بأن "المغرب لن يتفاوض مع العصابات وقطاع الطرق"، في إشارة واضحة إلى جبهة البوليساريو.

أما المؤرخ والكاتب المغربي حسن أوريد (الناطق باسم القصر الملكي سابقا) فرأى أن "المينورسو أبانت عن قصورها في حماية الأمن والمواطنين"، وبأنه "لم يعد هناك مسوغ لوجود بعثة الأمم المتحدة بالأقاليم الجنوبية". وأشار أوريد إلى أن الواقع يبين "أن المينورسو أصبحت جزءا من المشكلة وليس من الحل". وأن مخطط التسوية "برز في سياق دولي وجهوي معين، وأصبح الآن متجاوزا". 

هو الموقف ذاته الذي عبر عنه بصيغة صارمة عمر هلال مندوب المغرب في الأمم المتحدة، خلال مقابلة خاصة مع شبكة CNN حول أزمة "الگكركرات"، عندما قال: "إن هناك وقتا للدبلوماسية وهناك وقت للعمل".

أما سيدي محمد عمار ممثل جبهة البوليساريو لدى الأمم المتحدة، فقد صرح لنفس القناة الأميركية بـ"أن القيادة الصحراوية تعتبر كل ما يمر عبر الثغرة غير القانونية التي فتحها المغرب عبر الجدار غير الشرعي بمنطقة "الكگركرات" خرقا متواصلا لمخطط التسوية للنزاع في الصحراء الغربية".

في هذا الصدد طرح الأستاذ محمد الشرقاوي (أستاذ تسوية النزاعات الدولية في جامعة جورج ميسن في واشنطن، وعضو لحنة الخبراء في الأمم المتحدة سابقا)، السؤال حول مشروع الاستفتاء: "هل توفي وتمّ دفنه؟". ليستطرد بأن كِلا موقفي عمر هلال وسيدي محمد عمار، يلتقيان عند نقاط "الواقعية السياسية ومنطق القوة وتحدي اتفاق وقف إطلاق النار"، وفي الوقت ذاته، تفرّقهما مرامي كل طرف".

وتساءل الشرقاوي هل هناك "تدبير استراتيجي بارد ومتنور باعتبارات المرحلة، أم أنه مجرد تنفيس عن حالة القنط النفسي، وضرب من ضروب الانفعال إزاء الإحباط من موقف الأمم المتحدة والاكتفاء برمي كرة المفاوضات إلى ملعب الأطراف ذاتها". 

غوتيريس وتجاوز ما سبق

منذ انطلاق النزاع قبل خمسة وأربعين عاما "تحركت المياه تحت جسور عشرات الأزمات والصراعات الدولية المفتوحة من أزمة البوسنة ورواندا ونهاية بالأزمات السورية واليمنية والليبية. ولم يعد من الحكمة سواء للمغرب أو البوليساريو، وأيضا الجزائر وموريتانيا، فهم مجريات الأمور من نفس المدخل الزمني لعام 1978 أو 1991"، يخلص الشرقاوي، مؤكدا على ما أسماه بـ"الوقتية أو temporality في التعامل مع أي صراع عبر مداخل زمنية مختلفة".
 
الكلام حول رمي الأمم المتحدة بالفشل في مقاربتها لحل للنزاع في الصحراء الغربية، ليس طارئا، لكنه زاد منذ ولاية الأمين العام السابق  بان كي مون. ما يفسره المحلل السياسي المغربي الموساوي العجلاوي بكونه "نابع من تجاهل الأمم المتحدة لبقية أطراف النزاع واعتبار المشكل محصورا بشكل فعلي بين المغرب والبوليساريو، وليس قضية إقليمية تتطلب إرادة سياسية للجزائر وموريتانيا". 

في الفترة الأخيرة أكدت الأمم المتحدة على الدعوة إلى "استئناف المشاورات" بين المبعوث الشخصي المقبل للأمين العام للأمم المتحدة وأطراف النزاع، بمن فيها دول الجوار، من أجل "التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم".

واتضح أن الأمين العام الجديد أنطونيو غوتيريس يسعى إلى تدارك العثرات السابقة للمنظمة الأممية، بإقحام الجزائر وموريتانيا ضمن الأطراف الرئيسية في المشاورات". وهو ما رأى فيه البعض"توجها من الأمم المتحدة للتخلي على مبدأ تقرير المصير والتوافق حول الحل السياسي".

في نهاية أكتوبر 2020 وبناء على اقتراح أميركي، قرر مجلس الأمن الدولي تمديد مهمة بعثة الأمم المتحدة "المينورسو" في الصحراء الغربية إلى غاية 31 أكتوبر 2021. وقد عبر الوفد الأميركي أثناء الموافقة على مقترحه عن "الإحباط من عدم إحراز تقدم على الجبهة السياسية في الصحراء الغربية". ولم يفت الأميركيون حث الأمين العام "على ملء منصب المبعوث الشخصي الأممي في أقرب وقت". مع العمل على "تهدئة التوترات والحفاظ على الهدوء العام، وإجراء عمليات إزالة الألغام الخطيرة، ودعم العمليات الإنسانية ومنع انتشار كوفيد-19".

لكن جبهة "البوليساريو" سجلت رفضها للقرار الأممي بالتمديد لبعثة "المينورسو"، ورأت فيه تهاونا من الأمم المتحدة عن "ضمان تنفيذ الاستفتاء في الصحراء الغربية"، وأردفت بالتهديد ب"تصعيد الكفاح التحريري الوطني أمام تقاعس الأمم المتحدة عن ضمان تنفيذ ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية".  

في الوقت الذي رحب المغرب بقرار التمديد مع تمسكه بموقفه القائم منذ سنوات على مبدأ "الانضواء تحت السيادة المغربية مع حكم ذاتي"، متخليا عن استفتاء تقرير المصير، المتجاوز في نظره.

ورطة مبعوثي الأمين العام 

تاريخيا، تعاقب عدة ممثلين شخصيين للأمين العام للأمم المتحدة على رئاسة بعثة المنظمة في الصحراء الغربية (المينورسو)، بهدف مواصلة السعي لإنجاح الجهود الأممية الرامية إلى حل سياسي للنزاع وللتوصل إلى صيغة توافقية نهائية بشأن وضعية الحكم في المنطقة. 

كانت البداية مع الدبلوماسي السويسري جوهانس مانس، المعين من قبل الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة خافيير بيريز دي كوييار ما بين أبريل 1990 وديسمبر 1991. والدبلوماسي الباكستاني صاحب زاده يعقوب خان، وعينه الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بطرس غالي ما بين مارس 1992 و أغسطس 1994.

وإيريك جينسن، وعينه بطرس غالي ممثلا خاصا بالنيابة من 1994 إلى 1997. والأمريكي جيمس بيكر الذي عينه الأمين العام كوفي أنان عام 1997 إلى استقالته سنة 2004. وتلاه الدبلوماسي الهولندي بيتر فان فالسوم، وعينه كوفي أنان ممثلا له من يناير 2005 إلى أبريل 2008 . والدبلوماسي الأميركي كريستوفر روس، وعينه الأمين العام بان كي مون، من 1 يوليوز 2009 إلى 8 مارس 2017. وهي أطول فترة قضاها مبعوث أممي في الصحراء الغربية.

إلا أن جل هؤلاء المبعوثين الخاصين للأمين العام للأمم المتحدة تورطوا بهذا القدر أو غيره في مهمتهم الدبلوماسية، واتهموا من هذا الطرف أو ذاك بالانحياز، وجلهم انتهوا إلى الاستقالة، ولم يستطع أي منهم النجاح في مهمته.

بعد نهاية مهمته في الصحراء الغربية أصدر إيريك جينسن كتابا بعنوان: "الصحراء الغربية: تشريح المأزق"، أوضح فيه أن "مبادرة المغرب تقدم بديلا مشرفا عن الحرب وأفقا أفضل لتحقيق سلم عادل ودائم".

أما جيمس بيكر فبعد سبع سنوات من عمله في الصحراء، صرح عند استقالته من مهمته، بـ"استحالة حل هذا النزاع". وتحدث عن ضرورة البحث عن حل آخر مكمل أو بديل. ما سماه المغرب ب"وصول التسوية إلى الطريق المسدود". ووصفت الرباط المبعوث الأممي جيمس بيكر ب"الوسيط غير النزيه" الذي لا يأخذ بأفكاره اعتبارات التاريخ والجغرافيا واستقرار المنطقة.

وفي نهاية مهمته قال فالسوم في أبريل 2008 إن خيار الاستقلال الذي تطالب به البوليساريو "خيار غير واقعي"، وإن خيار استفتاء تقرير المصير الذي طـُرح سابقا "أمر تجاوزه الزمن". لكن مجلس الأمن الدولي قال إن تصريح الممثل الخاص "يعبر عن رأيه الشخصي".

وظل كريستوفر روس محل انتقادات من المغرب أثناء مهمته في الصحراء الغربية، قبل أن تقرر الحكومة المغربية سحب الثقة منه في 17 ماي 2017، معتبرة أن روس "يسلك أسلوبا غير متوازن ومنحازا". وهو ما علقت عليه جبهة بوليساريو بأنه "تعسفي وغير مؤسس".

بعد نحو نصف سنة على استقالة كريستوفر روس من منصبه كمبعوث خاص للصحراء الغربية، تم تعيين الرئيس الألماني الأسبق والمدير الأسبق لصندوق النقد الدولي هورست كولر من قبل أنطونيو غوتيريس (16 أغسطس 2017).

وبعد أولى الجولات التي قام بها المبعوث الجديد ولقاءاته بالأطراف في الصحراء الغربية، صرح كوهلر خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي، أنه "يتعين علينا استخدام الدينامية الجديدة من أجل استئناف العملية برمتها للتوصل إلى حل". وهو ما مكن من استئناف اللقاءات بين المغرب والبوليساريو، وجمعهما مع الجزائر وموريتانيا في طاولات مستديرة.

لكن عمل الرئيس الألماني السابق لم يستمر، حيث أعلنت الامم المتحدة استقالته لدواع صحية (22 ماي 2019).  

وبالرغم من إعراب غوتيريس عقب استقالة كوهلر عن أمله في الحفاظ على "الزخم" السياسي الذي تحقق، فإنه وبعد مرور سنة ونصف، لم يتم لحد اليوم تعيين خلف لكوهلر.

في انتظار تعيين مبعوث جديد للأمين العام إلى الصحراء لاستئناف الجهود السلمية التي قام بها من سبقوه، ربما على العالم انتظار إيقاف مراهنة أطراف النزاع على الدوران في نفس الدائرة واللعب على الوقت.

حيث طالت مراهنة الجزائر والبوليساريو على دعم دولي أكبر ل"تقرير المصير"، وتمني عزلة دبلوماسية قاتلة للمغرب، أو تغيير جذري في النظام ومعجزة (!). 

فيما المغرب يراهن على رصد استراتيجية كبيرة تميل لصالح موقفه، وعلى تحولات سياسية وأمنية لها ارتباط بما يتفاعل في النظام الدولي. بالموازاة على الرهان على تعب الجزائر وإرهاق كاهلها بتحمل تمويل الانفصاليين، وترقب تآكل داخلي بانهيار وتفتت تنظيم جبهة البوليساريو. 

والواضح أنه عند كل منعطف تتضاعف آمال طرف بقرب تحقق آماله، وتضعف لدى الطرف الآخر، خصوصا وأن منظمة الأمم المتحدة كأنها تشكو من أعراض"متلازمة الإجهاد" بشأن إيجاد حل واقعي لهذا للنزاع المزمن، أمام مرواحة التنافس بين "الصحراء المغربية" و"الجمهورية الصحراوية". احتدام شرس صادف ما يسميه الدكتور محمد الشرقاوي معاناة الأمم المتحدة من "إرهاق دبلوماسي حاد"؟.

 

 

----------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

لا تنحو النسويات، في المجمل، لبث الكراهية ضد الرجال كمبدأ عام
لا تنحو النسويات، في المجمل، لبث الكراهية ضد الرجال كمبدأ عام

ابتهال الخطيب

كتبت غدير أحمد على موقع vicearabia مقالاً بعنوان "هل نكره الرجال حقاً؟" متناولة موضوعا غاية في الحساسية بشأن ما يطلق عليه "العنصرية أو التمييز الجنسي المعكوسين" أي حين تمارس النساء عنصرية على أساس الجنس ضد الرجال بإطلاق أحكام مطلقة عليهم على أنهم، تعميماً، عنيفون أشرار.

وعلى حين أننا كلنا نعرف مرمى التعميم، فندرك في وعينا أن القول "بكل الرجال" لا يعني كل رجل على سطح الكرة الأرضية وإنما يعني أغلبية كافية من الرجال بما يشكل ظاهرة سائدة، إلا أن غدير، كما أي منا حين تتعامل مع هذا الموضوع الشائك، تجد نفسها مضطرة لتفسير ما لا يحتاج تفسيرا أو إيضاحا.

تقول غدير "إن التعميم، الذي هو في محله تماماً، هو أداة نسوية في هذا السياق، والهدف انتفاضة القلة الباقية من الرجال الذين لا يمارسون العنف، والحساسين تجاه هويتهم الاجتماعية وهويتها التاريخية."

تؤكد غدير على فهمنا في الواقع للتصنيفات الرجولية المختلفة، وأننا حين نشير "للرجل" فنحن في الغالب نعني "الرجل النمطي" الذي يمارس العنف على كل من هم في نطاق هيمنته، و"الرجل غير الحساس لموقعه الاجتماعي" كصاحب امتيازات جندرية، و"الرجل غير المدرك للمسؤولية التاريخية تجاه هويته الاجتماعية"، التي تتحدد على أساس جنسه الذي ينتمي إليه أغلب مرتكبي أعمال العنف في الجنس البشري. 

ورغم أن تجربتي تبدو مختلفة إلى حد كبير عن تجربة غدير، إذ أنني بضربة حظ خالصة أنتمي لأسرة الكثير من رجالها يقدمون نماذج صالحة وإنسانية، إلا أنني أتفهم تماماً ما تقوله، لربما لأنني، كإنسانة تمتلك ولو حد أدنى من المنطق، أفهم المعنى الضمني للتعميم أنه لا يعني كل فرد على سطح هذه الأرض ولكن بأغلبية كبيرة تشكل ظاهرة خطيرة، كما أفهم العمق الحقيقي لهذا التعميم الذي يتناول مجموعة بشرية تنتمي لجنس مهيمن، مثل مثلاً الحديث عن الطبقة البيضاء من المجتمع أو الطائفة السنية في الخليج أو الطائفة الشيعية في إيران أو المسلمين في الصين أو عديمي الجنسية في ميانمار إلى آخرها من الأقليات (السياسية وليس بالضرورة العددية) للبشر الذين يعانون من تمييز.

كل من لديه حس منطقي ولا يود التعلق بالشكليات اللغوية، سيتفهم تماماً هذا التعميم، وسينطلق منه إلى معالجة المعضلة الأخلاقية الإنسانية لا الغضب و"الحرن" من طريقة التعبير عنها. 

إلا أن ما يجمعني بغدير أبعد من مجرد المنطق، يجمعنا أنا وهي وكل نساء العالم على اختلاف ظروفنا وبيئاتنا ومفاهيمنا أننا كلنا مولودات لزاوية محددة من هذا العالم، زاوية لن يقف فيها الرجال في يوم ولذا لن يكونوا قادرين على رؤية المشهد منها أبداً. كنساء، نأتي نحن للحياة بحس دائم من الوصاية علينا، وحتى منا من يحالفها الحظ بأسرة أكثر انفتاحاً، سيلقنها المجتمع وتقاليده وفي الغالب قوانينه الدرس المطلوب. كنساء، نحن لا نختبر فعلياً تجربة التحرر الكامل والاختيارات الشخصية البحتة، نتنقل من ظل وصاية إلى ظل أخرى، إن لم تكن أسرية، فستكون مجتمعية، إن لم تكن مجتمعية، فستكون قانونية، إن لم يكن الأب، كان الزوج، وإن لم يكن الأخ، كان الجار، ومن منا تستطيع أن تنسى قصة الطبيبة المصرية التي ألقى بها جيرانها من شرفة شقتها التي تعيش فيها وحيدة عقاباً على "سوء سلوكها" كواحدة من ملايين القصص للنساء في وقتنا المعاصر المستمر في غبنه لجنسنا؟

بالتأكيد لا تنحو النسويات، في المجمل، لبث الكراهية ضد الرجال كمبدأ عام، كما ولا تنحو لتعميم الشر على كل رجل على سطح الأرض، ولكن حين تكبر النزعة لتشكل  ظاهرة بين أفراد فئة بشرية ضخمة، يصبح الحديث المعمم مفهوما ومستحقا.

تذكر غدير في مقالها حقائق مرعبة، منها أنه، في عام 2018، "92% من ضحايا جرائم الاتجار بالبشر كن من النساء والأطفال، 10 مليون فتاة معرضة لخطر الزواج المبكر بسبب وباء كوفيد-19. على الأقل، 200 مليون امرأة وفتاة تعرضت لجريمة تشويه الأعضاء الجنسية الأنثوية (الختان)، في 31 دولة فقط. 82% من النساء البرلمانيات يتعرضن لعنف نفسي ذي طبيعة جنسية، 65% منهن تعرضت لهذا النوع من العنف الجنسي بواسطة زملائهن الرجال البرلمانيين".

في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تصل نسبة المتعرضات للعنف الجنسي من الرجال في الأماكن العامة إلى 60%". وكما تؤكد غدير هذه مجرد إحصاءات رسمية وبكل تأكيد غير شمولية ولا أتصورها تقترب من الأرقام الحقيقية ولا تأخذ بعين الاعتبار الجرائم التي تقع داخل الحدود المنزلية مثل جرائم التعنيف الأسري وجرائم اغتصاب الزوجات وجرائم العنف اللفظي والنفسي والتي كلها يصعب حصرها والتقنين لها، دع عنك أصلاً التبليغ عنها.

لربما تبرر هذه الأرقام لغة التعميم التي تتكلم بها النسويات والنساء حول العالم، إن لم تكن فكرة التعميم أصلاً مفهومة من حيث أنها لا تشمل كل شخص من الفئة المذكورة. يبقى أن نؤكد على أن الحراك النسوي هو حراك إنساني بالدرجة الأولى وأنه يمر، له قرون الآن، بمرحلة تنفيس تؤهل لما بعدها من مرحلة التعافي، وفي هذه المرحلة، تماماً كما مر حراك السود على سبيل المثال، سيكون الخطاب قاسي وتعميمي ومفترض أن يكون مفهوم بكل تطرفاته تلك. وعليه، لا يحث الحراك النسوي، في مجمله، على عنف أو كراهية أو قسوة غير مبررين، لكنها مرحلة إنسانية طبيعية، وستستمر إلى أن يعتدل الميزان.

وقد اختلف مع الكاتبة من حيث أنني لا أتوقع ألا يؤثر هذا الخطاب في الرجال ولا يضايقهم، فإن نتوقع أن يقطعوا الحق من أنفسهم تماماً ويتقبلوا هذه الهجمة حتى على أفضلهم هو غير عقلاني.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).