Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

سقوط التسوية الأممية في الصحراء الغربية؟

09 ديسمبر 2020

عبد الرحيم التوراني

لقد سارعت البوليساريو إلى التصريح بتحللها من قرار الأمم المتحدة عام 1991 بوقف إطلاق النار، مؤكدة عودتها إلى حمل السلاح.

من جانبه أكد المغرب تشبثه بوقف إطلاق النار، وعزمه الرد "في إطار الدفاع الشرعي، على أي تهديد لأمنه وطمأنينة مواطنيه". 

ولأول مرة تتخلى الجزائر عن "حياد" ادعته منذ 45 سنة، وكفت عن ترديد أنها "تدعم مبدئيا حركة تحرير، وأن المشكلة بين البوليساريو والمغرب"، لتنخرط في خطاب جديد مضمونه أن "الأمن الاستراتيجي للجزائر يتعدى حدودها الجغرافية"، وأن ما حدث في معبر "الكركرات" هو "خرق مغربي لوقف إطلاق النار يمثل تحديا أمنيا وقوميا للجزائر". 

هل فشل المشروع الأممي في الصحراء؟

هي علامات ومؤشرات للتصعيد قد تنذر بانفجار مرتقب في المنطقة، لكنها تمثل انقلابا معلنا على مقررات الأمم المتحدة. فمنذ فترة والبوليساريو لا تَنفك عن التشكيك في مصداقية البعثة الأممية. كما عبرت جهات مغربية عن استغرابها لالتزام قوات "المينورسو" موقف المتفرج أمام تكرار البوليساريو لعرقلة العبور وحرية التنقل من معبر "الكگركرات".

يحدث هذا في كنف جمود وعجز من الأمم المتحدة، منذ توقف المفاوضات المباشرة بين المغرب والبوليساريو (2019). فعقب أحداث معبر "الكركرات" صرح وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة من مدينة الداخلة في الصحراء الغربية، بأن "المغرب لن يتفاوض مع العصابات وقطاع الطرق"، في إشارة واضحة إلى جبهة البوليساريو.

أما المؤرخ والكاتب المغربي حسن أوريد (الناطق باسم القصر الملكي سابقا) فرأى أن "المينورسو أبانت عن قصورها في حماية الأمن والمواطنين"، وبأنه "لم يعد هناك مسوغ لوجود بعثة الأمم المتحدة بالأقاليم الجنوبية". وأشار أوريد إلى أن الواقع يبين "أن المينورسو أصبحت جزءا من المشكلة وليس من الحل". وأن مخطط التسوية "برز في سياق دولي وجهوي معين، وأصبح الآن متجاوزا". 

هو الموقف ذاته الذي عبر عنه بصيغة صارمة عمر هلال مندوب المغرب في الأمم المتحدة، خلال مقابلة خاصة مع شبكة CNN حول أزمة "الگكركرات"، عندما قال: "إن هناك وقتا للدبلوماسية وهناك وقت للعمل".

أما سيدي محمد عمار ممثل جبهة البوليساريو لدى الأمم المتحدة، فقد صرح لنفس القناة الأميركية بـ"أن القيادة الصحراوية تعتبر كل ما يمر عبر الثغرة غير القانونية التي فتحها المغرب عبر الجدار غير الشرعي بمنطقة "الكگركرات" خرقا متواصلا لمخطط التسوية للنزاع في الصحراء الغربية".

في هذا الصدد طرح الأستاذ محمد الشرقاوي (أستاذ تسوية النزاعات الدولية في جامعة جورج ميسن في واشنطن، وعضو لحنة الخبراء في الأمم المتحدة سابقا)، السؤال حول مشروع الاستفتاء: "هل توفي وتمّ دفنه؟". ليستطرد بأن كِلا موقفي عمر هلال وسيدي محمد عمار، يلتقيان عند نقاط "الواقعية السياسية ومنطق القوة وتحدي اتفاق وقف إطلاق النار"، وفي الوقت ذاته، تفرّقهما مرامي كل طرف".

وتساءل الشرقاوي هل هناك "تدبير استراتيجي بارد ومتنور باعتبارات المرحلة، أم أنه مجرد تنفيس عن حالة القنط النفسي، وضرب من ضروب الانفعال إزاء الإحباط من موقف الأمم المتحدة والاكتفاء برمي كرة المفاوضات إلى ملعب الأطراف ذاتها". 

غوتيريس وتجاوز ما سبق

منذ انطلاق النزاع قبل خمسة وأربعين عاما "تحركت المياه تحت جسور عشرات الأزمات والصراعات الدولية المفتوحة من أزمة البوسنة ورواندا ونهاية بالأزمات السورية واليمنية والليبية. ولم يعد من الحكمة سواء للمغرب أو البوليساريو، وأيضا الجزائر وموريتانيا، فهم مجريات الأمور من نفس المدخل الزمني لعام 1978 أو 1991"، يخلص الشرقاوي، مؤكدا على ما أسماه بـ"الوقتية أو temporality في التعامل مع أي صراع عبر مداخل زمنية مختلفة".
 
الكلام حول رمي الأمم المتحدة بالفشل في مقاربتها لحل للنزاع في الصحراء الغربية، ليس طارئا، لكنه زاد منذ ولاية الأمين العام السابق  بان كي مون. ما يفسره المحلل السياسي المغربي الموساوي العجلاوي بكونه "نابع من تجاهل الأمم المتحدة لبقية أطراف النزاع واعتبار المشكل محصورا بشكل فعلي بين المغرب والبوليساريو، وليس قضية إقليمية تتطلب إرادة سياسية للجزائر وموريتانيا". 

في الفترة الأخيرة أكدت الأمم المتحدة على الدعوة إلى "استئناف المشاورات" بين المبعوث الشخصي المقبل للأمين العام للأمم المتحدة وأطراف النزاع، بمن فيها دول الجوار، من أجل "التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم".

واتضح أن الأمين العام الجديد أنطونيو غوتيريس يسعى إلى تدارك العثرات السابقة للمنظمة الأممية، بإقحام الجزائر وموريتانيا ضمن الأطراف الرئيسية في المشاورات". وهو ما رأى فيه البعض"توجها من الأمم المتحدة للتخلي على مبدأ تقرير المصير والتوافق حول الحل السياسي".

في نهاية أكتوبر 2020 وبناء على اقتراح أميركي، قرر مجلس الأمن الدولي تمديد مهمة بعثة الأمم المتحدة "المينورسو" في الصحراء الغربية إلى غاية 31 أكتوبر 2021. وقد عبر الوفد الأميركي أثناء الموافقة على مقترحه عن "الإحباط من عدم إحراز تقدم على الجبهة السياسية في الصحراء الغربية". ولم يفت الأميركيون حث الأمين العام "على ملء منصب المبعوث الشخصي الأممي في أقرب وقت". مع العمل على "تهدئة التوترات والحفاظ على الهدوء العام، وإجراء عمليات إزالة الألغام الخطيرة، ودعم العمليات الإنسانية ومنع انتشار كوفيد-19".

لكن جبهة "البوليساريو" سجلت رفضها للقرار الأممي بالتمديد لبعثة "المينورسو"، ورأت فيه تهاونا من الأمم المتحدة عن "ضمان تنفيذ الاستفتاء في الصحراء الغربية"، وأردفت بالتهديد ب"تصعيد الكفاح التحريري الوطني أمام تقاعس الأمم المتحدة عن ضمان تنفيذ ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية".  

في الوقت الذي رحب المغرب بقرار التمديد مع تمسكه بموقفه القائم منذ سنوات على مبدأ "الانضواء تحت السيادة المغربية مع حكم ذاتي"، متخليا عن استفتاء تقرير المصير، المتجاوز في نظره.

ورطة مبعوثي الأمين العام 

تاريخيا، تعاقب عدة ممثلين شخصيين للأمين العام للأمم المتحدة على رئاسة بعثة المنظمة في الصحراء الغربية (المينورسو)، بهدف مواصلة السعي لإنجاح الجهود الأممية الرامية إلى حل سياسي للنزاع وللتوصل إلى صيغة توافقية نهائية بشأن وضعية الحكم في المنطقة. 

كانت البداية مع الدبلوماسي السويسري جوهانس مانس، المعين من قبل الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة خافيير بيريز دي كوييار ما بين أبريل 1990 وديسمبر 1991. والدبلوماسي الباكستاني صاحب زاده يعقوب خان، وعينه الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بطرس غالي ما بين مارس 1992 و أغسطس 1994.

وإيريك جينسن، وعينه بطرس غالي ممثلا خاصا بالنيابة من 1994 إلى 1997. والأمريكي جيمس بيكر الذي عينه الأمين العام كوفي أنان عام 1997 إلى استقالته سنة 2004. وتلاه الدبلوماسي الهولندي بيتر فان فالسوم، وعينه كوفي أنان ممثلا له من يناير 2005 إلى أبريل 2008 . والدبلوماسي الأميركي كريستوفر روس، وعينه الأمين العام بان كي مون، من 1 يوليوز 2009 إلى 8 مارس 2017. وهي أطول فترة قضاها مبعوث أممي في الصحراء الغربية.

إلا أن جل هؤلاء المبعوثين الخاصين للأمين العام للأمم المتحدة تورطوا بهذا القدر أو غيره في مهمتهم الدبلوماسية، واتهموا من هذا الطرف أو ذاك بالانحياز، وجلهم انتهوا إلى الاستقالة، ولم يستطع أي منهم النجاح في مهمته.

بعد نهاية مهمته في الصحراء الغربية أصدر إيريك جينسن كتابا بعنوان: "الصحراء الغربية: تشريح المأزق"، أوضح فيه أن "مبادرة المغرب تقدم بديلا مشرفا عن الحرب وأفقا أفضل لتحقيق سلم عادل ودائم".

أما جيمس بيكر فبعد سبع سنوات من عمله في الصحراء، صرح عند استقالته من مهمته، بـ"استحالة حل هذا النزاع". وتحدث عن ضرورة البحث عن حل آخر مكمل أو بديل. ما سماه المغرب ب"وصول التسوية إلى الطريق المسدود". ووصفت الرباط المبعوث الأممي جيمس بيكر ب"الوسيط غير النزيه" الذي لا يأخذ بأفكاره اعتبارات التاريخ والجغرافيا واستقرار المنطقة.

وفي نهاية مهمته قال فالسوم في أبريل 2008 إن خيار الاستقلال الذي تطالب به البوليساريو "خيار غير واقعي"، وإن خيار استفتاء تقرير المصير الذي طـُرح سابقا "أمر تجاوزه الزمن". لكن مجلس الأمن الدولي قال إن تصريح الممثل الخاص "يعبر عن رأيه الشخصي".

وظل كريستوفر روس محل انتقادات من المغرب أثناء مهمته في الصحراء الغربية، قبل أن تقرر الحكومة المغربية سحب الثقة منه في 17 ماي 2017، معتبرة أن روس "يسلك أسلوبا غير متوازن ومنحازا". وهو ما علقت عليه جبهة بوليساريو بأنه "تعسفي وغير مؤسس".

بعد نحو نصف سنة على استقالة كريستوفر روس من منصبه كمبعوث خاص للصحراء الغربية، تم تعيين الرئيس الألماني الأسبق والمدير الأسبق لصندوق النقد الدولي هورست كولر من قبل أنطونيو غوتيريس (16 أغسطس 2017).

وبعد أولى الجولات التي قام بها المبعوث الجديد ولقاءاته بالأطراف في الصحراء الغربية، صرح كوهلر خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي، أنه "يتعين علينا استخدام الدينامية الجديدة من أجل استئناف العملية برمتها للتوصل إلى حل". وهو ما مكن من استئناف اللقاءات بين المغرب والبوليساريو، وجمعهما مع الجزائر وموريتانيا في طاولات مستديرة.

لكن عمل الرئيس الألماني السابق لم يستمر، حيث أعلنت الامم المتحدة استقالته لدواع صحية (22 ماي 2019).  

وبالرغم من إعراب غوتيريس عقب استقالة كوهلر عن أمله في الحفاظ على "الزخم" السياسي الذي تحقق، فإنه وبعد مرور سنة ونصف، لم يتم لحد اليوم تعيين خلف لكوهلر.

في انتظار تعيين مبعوث جديد للأمين العام إلى الصحراء لاستئناف الجهود السلمية التي قام بها من سبقوه، ربما على العالم انتظار إيقاف مراهنة أطراف النزاع على الدوران في نفس الدائرة واللعب على الوقت.

حيث طالت مراهنة الجزائر والبوليساريو على دعم دولي أكبر ل"تقرير المصير"، وتمني عزلة دبلوماسية قاتلة للمغرب، أو تغيير جذري في النظام ومعجزة (!). 

فيما المغرب يراهن على رصد استراتيجية كبيرة تميل لصالح موقفه، وعلى تحولات سياسية وأمنية لها ارتباط بما يتفاعل في النظام الدولي. بالموازاة على الرهان على تعب الجزائر وإرهاق كاهلها بتحمل تمويل الانفصاليين، وترقب تآكل داخلي بانهيار وتفتت تنظيم جبهة البوليساريو. 

والواضح أنه عند كل منعطف تتضاعف آمال طرف بقرب تحقق آماله، وتضعف لدى الطرف الآخر، خصوصا وأن منظمة الأمم المتحدة كأنها تشكو من أعراض"متلازمة الإجهاد" بشأن إيجاد حل واقعي لهذا للنزاع المزمن، أمام مرواحة التنافس بين "الصحراء المغربية" و"الجمهورية الصحراوية". احتدام شرس صادف ما يسميه الدكتور محمد الشرقاوي معاناة الأمم المتحدة من "إرهاق دبلوماسي حاد"؟.

 

 

----------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"
"بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير"

عبد الرحيم التوراني

فجأة تحولت محاولة الانفراج، التي بدأ الحديث عنها مؤخرا، في العلاقات الفرنسية المغربية، إلى أزمة متجددة إن لم تكن أكبر. فقد أنتج قرار البرلمان الأوروبي، المنتقد صراحة لأوضاع حرية التعبير وحقوق الإنسان في المغرب، ردود أفعال قوية صادرة عن السلطات في المغرب، وضمنها السلطة التشريعية بأحزابها الممثلة في البرلمان بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين).

وتميزت ردود الأفعال هذه بلغة التنديد والشجب والاستنكار ضد القرار الأوروبي، المشكك في استقلالية القضاء بالمملكة، والمتجرئ بدعوته الرباط إلى "إنهاء المتابعة القضائية التي طالت عددا من الصحفيين"، ما اعتبر "تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة"، وقرارا "يكشف تناقضات أوروبا ماضية على مسار الانحطاط"، وفق تصريح للمندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، محمد صالح التامك. 

في هذا السياق قرر البرلمان المغربي "إعادة النظر في علاقاته مع البرلمان الأوروبي وإخضاعها لتقييم شامل". 

كان لافتا أن السلطات المغربية بصدد حملات تجييش مكثفة للرأي العام المحلي ضد فرنسا، وقد راجت اتهامات بكون باريس هي من وراء إقدام المؤسسة الأوروبية في ستراسبورغ على التصويت لمثل هذا القرار.

وجاءت الحملة بلبوسٍ وإخراج لا يختلف في تفاصيله عن أسلوب المرحوم إدريس البصري، وزير داخلية الملك الراحل الحسن الثاني، على مدى يقارب ربع قرن، حيث تم دفع الفعاليات السياسية والمدنية للانخراط في التنديد والاستنكار.

إنه "إجماع الأمة"، كما أسس له الحسن الثاني، خاصة منذ قضية استرجاع المناطق الصحراوية، وما أحاط بها، ولا يزال، من نزاع إقليمي وإشكال أممي. الإجماع الذي شرح أصوله الزعيم علال الفاسي من منطلقات التشريع الإسلامي. 

بسرعة، تم توجيه الاتهام إلى باريس بأنها من تقود الحملة الأوروبية التي تستهدف مؤسسات المغرب والإضرار بمصالحه بشكل خطير.

ولم يكن هذا الاتهام اعتباطيا، أو نتاج تأويل متسرع واستنتاج معزول، أو اجتهادا من أحد المحللين السياسيين، بل أن ترديده على أكثر من لسان كشف مصدره الرسمي. وقد جرت الإشارة الصريحة من منبر البرلمان إلى أن اللوبي الفرنسي هو الذي قاد هذا التصويت المعادي. 

لقد وصف القرار بـ "درس دبلوماسي وجيوسياسي" لن ينسى. 

فبغض النظر عن ارتفاع نسبة الأصوات الموافقة على إدانة المغرب، مقابل عدد النواب الذي صوتوا "ضد"، أو الذين امتنعوا عن التصويت، فإن المفاجأة لدى الرباط، كانت هي أن كل نواب حزب ماكرون ("الجمهورية إلى الأمام"، الذي بدل اسمه ليصبح حزب "النهضة")، ودون استثناء، اصطفوا ضد المغرب في البرلمان الأوروبي، في ذلك اليوم التاريخي المصادف، 19 يناير من عام 2019. 

لقد كشف التصويت عن الموقف الحقيقي لفرنسا، وفقا لما يراه سياسي مغربي، وهو الموقف الذي يتناقض مع المؤشرات على تصفية أجواء العلاقات التي تضررت خاصة من أزمة تقليص "التأشيرات" الممنوحة للمواطنين المغاربة الراغبين في السفر إلى فرنسا. 

قبل نهاية أيام السنة الماضية، بعثت فرنسا إلى الرباط وزيرتها في الخارجية، كاترين كولونا، لإنهاء الفتور الذي شاب العلاقات بين المغرب وفرنسا، ولإقفال "أزمة التأشيرات"، ثم الإعلان عن صفاء سماء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بإعادة الدفء للعلاقات الثنائية، والتحضير لزيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المملكة في بداية العام الحالي 2023.

والأهم هو تأكيد الوزيرة الفرنسية على أن فرنسا ترغب في أن تكون علاقتها مع المغرب "شراكة مثالية استثنائية أخوية وعصرية". 

لكن كيف يحدث ما حدث بهذا الشكل الدراماتيكي، حتى بدأت تصل أصداء عن مغاربة يصدّرون كلاما مباشرا يقول بـ "ضرورة إيقاف غطرسة ما بعد الاستعمار والأزمة الأخلاقية والمعنوية في أوروبا"؟ وأطلقت منصات إعلامية مغربية على الفيس بوك واليوتيوب، لبث حملات منظمة ضد فرنسا، مشيرة إلى ماضيها الاستعماري والاستغلالي الدموي؟

سيتبين بعد تصويت البرلمان الأوروبي أن الأزمة تتجاوز مسألة تقليص التأشيرات، وأن جذورها هي أعمق وأخطر، ومن عناوينها القريبة: فضيحة التجسس بواسطة تطبيق "بيغاسوس" الإسرائيلي، التي اندلعت عام 2021، وتتهم فيها جهات فرنسية المغرب باختراق هواتف شخصيات سامية في الدولة الفرنسية في مقدمتها ماكرون، وهي الاتهامات التي نفتها بشدة الرباط، بل أنها رفعت دعاوى قضائية ضد صحف فرنسية بشأن إثارتها.

يضاف إلى ذلك تورط المغرب مؤخرا في  شبهة التورط في فضيحة فساد بالمؤسسة التشريعية الأوروبية، من خلال تقديم رشاوى لنواب أوروبيين. ما بات يعرف بفضيحة "قطر-غيت". 

لإيقاف تدهور العلاقات بين البلدين وعدم تركها لمزيد من التفاقم، بادرت المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية إلى عقد مؤتمر صحفي يوم الخميس، للرد على اتهامات برلمانيين مغاربة بأن فرنسا خلف الكواليس، أو أنها هي من رعت استهداف مؤسسات المغرب في البرلمان الأوروبي، ولنفي ارتباط ذلك بالحكومة الفرنسية، وأن "البرلمان الأوروبي يمارس صلاحياته بشكل مستقل". مع التأكيد على "عدم وجود أزمة مع الرباط".  

بلغة صِدامِية، يردد بعض المتحدثين و"المحللين الرسميين" في المغرب، أن السبب الكامن خلف الهجوم على المملكة هو تراجع مكانة فرنسا ضمن "الديناميكية الجديدة للشراكة المغربية الأميركية عقب "اتفاقات أبراهام". وأن اعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، كان له دور في التوجه الجديد لدبلوماسية للرباط بخصوص هذا الملف.

وقد قال العاهل المغربي، محمد السادس، في خطاب ملكي في الصيف الماضي، (بمناسبة ذكرى "20 غشت"): "إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات".

وأضاف "ننتظر من بعض الدول، من شركاء المغرب التقليديين والجدد، التي تتبنى مواقف غير واضحة، بخصوص مغربية الصحراء، أن توضح مواقفها، وتراجع مضمونها بشكل لا يقبل التأويل". 

وكان واضحا أن باريس هي المعنية الأولى بالخطاب. لكن ماكرون يرى أن فرنسا "لا تريد أن تملى عليها سياستها حول الصحراء الغربية"، وأنها هي من "تقرر وحدها سياستها بشأن الصحراء الغربية". 

فهل يستقيم الحديث عن كون العلاقات المغربية الفرنسية لامست حدود اللاعودة؟ مع بدء انتشار مشاعر معادية لفرنسا وسط الرأي العام المغربي، عبرت عنه بشكل متفاوت مواقع التواصل الاجتماعي؟ 

يحصل هذا بعد أن أصبحت فرنسا هدفا لانتقادات أفريقية مريرة على نطاق أوسع لم يسبق له مثيل. 

هل حقا حانت "لحظة حساب أفريقيا مع فرنسا"، وقد انطلق "التنازع على القوة الاستعمارية السابقة في شوارع القارة، وهو وضع يفيد مصالح روسيا"؟، حسب رأي نشر في صحيفة "لوموند" الباريسية. 

وما صحة الأخبار التي تتحدث عن التخلص التدريجي للمغرب من القبضة الفرنسية؟  

وهل ستقتفي الرباط خطوات بلدان أفريقية أعلنت تمردها بوضوح على مستعمرها السابق، فرنسا، علما أن حوالي نصف البلدان الأفريقية خضعت في العهد الاستعماري للسيطرة الفرنسية؟ 

وهل ما يقع هو حصيلة ونتيجة لمنافسة الأميركيين والروس، ولغزو الصين الأسواق الأفريقية، حتى باتت تمتلك اليوم فيها ما يتجاوز ثلاثة أضعاف حصة فرنسا. 

أسئلة وكثير غيرها، يمكن طرحه بصدد الأزمة المغربية الفرنسية الحالية، وإن كان العارفون بالواقع التاريخي والملمون بكنه الأحداث ودقائق الوقائع الملموسة، هم على دراية قصوى بأن المغرب لن يسلك أبدا طريق غيره من بلدان أفريقيا المتمردة على فرنسا، التي خرجت من الباب لتعود من النافذة، ولم تتوقف عن نهب خيرات مستعمراتها السابقة والسيطرة عليها، ودعم حكام أفريقيا الطغاة بالتواطؤ مع الديكتاتوريين.  

إن الرباط مهما اتجهت شرقا وجنوبا أو شمالا وغربا، فإن كعبتها تظل هي باريس، لأن النظام المغربي مدين لأول مقيم عام فرنسي للمغرب بعد الحماية، القائد العسكري الفرنسي، لوي هوبير غونزالف ليوطي، بالفضل في التحول الجذري الذي حصل في نظام المخزن بعد 30 مارس من عام 1912 (أي تاريخ فرض الحماية الفرنسية على المغرب)، والفضل في إعادة الهيبة إلى طقوس سلطة العائلة المالكة في المغرب، وترسيخها بعد أن آلت أو دنت من الاندثار الشامل. بل لا يزال أثر ليوطي مستمرا وناطقا أمامنا نابضا بالحياة. 

لذلك فإن فرنسا مهما حصل من توترات أو أزمات ثنائية وسوء فهم، ستبقى الحليف الثابت للمملكة. بامتلاكها العديد من الحقائق والأسرار والخبايا الخاصة بالمغرب، بل إن حل قضية الصحراء بيدها لو أرادت، وقامت بنشر الحقائق والوثائق والأدلة القاطعة، التي تزخر بها خزائنها التوثيقية، تلك الحقائق التاريخية والجغرافية والبشرية، التي تقر بحقيقة انتماء الأراضي الصحراوية، كما وجدتها على ذلك بعد غزوها البلاد.  

وتبقى مسألة تصفية الاحتقان الاجتماعي، وتقوية الجبهة الداخلية بإطلاق السجناء السياسيين والصحفيين والمدونين، واعتماد الشفافية في انتخاب المؤسسات بكل ديمقراطية ونزاهة ومصداقية، من أجل تأسيس وبناء حقيقي لتنمية حقيقية، وضمان استقرار حقيقي، بدل التضليل والكذب على النفس.

لأن المغرب كما هو عليه اليوم ليس "قوة دولية متطورة عظمى يهابها الآخرون من الدول والأنظمة". فهذا الزعم الخاطئ لا يختلف في شيء عن فيديو منشور للرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، يروج بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب، يظهر فيه تبون وهو يزعم أن "الجزائر قوة ضاربة، ووو...". لم يكن من مآل لمثل هذا التصريح إلا أن يصبح مسخرة باعثة على الضحك وعلى الإشفاق.

لكن من يضحك على من؟! 

في الختام، ماذا إذا قمنا بتحوير عبارة مأثورة من التراث، لتصبح: "فرنسا بالباب وليس دونها حجاب!". 

مع الاعتذار. 

============================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).