Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

سعيد ناشيد - أرشيف
سعيد ناشيد - أرشيف

عبد الرحيم التوراني - في خضم ما يعرف بقضية "الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد" في المغرب، والإفراط في العنف الذي ووجهوا به في شوارع المدن التي تظاهروا بها. وما حظيت به حركتهم المطلبية من اهتمام وتعاطف كبيرين في أوساط الرأي العام الوطني، تطلع علينا قضية جديدة تتصل بقطاع التربية الوطنية دائما، جعلت من الوزير المكلف بهذا القطاع، وهو بالمناسبة الناطق الرسمي باسم الحكومة، أمام مساءلة شعبية حرجة على منصات التواصل الاجتماعي. بل إن المساءلة شملت الحكومة وفي المقدمة رئيسها. كما حركت في الآن ذاته صفوف الديمقراطيين والمتنوّرين، وبرزت مواقف الغضب الصادرة عن جمعيات حقوق الإنسان والنقابات المنددة بحملات "القمع الممنهج" ضد النضالات المشروعة.  

هذه المرة لم نبتعد عن قطاع التعليم. حين أتى خبر عزل أستاذ من وظيفته التي قضى بها  قرابة 20 سنة، بجرة قلم من رئيس الحكومة. ما أشعل مواقع التواصل الاجتماعي بنيران غضب حارقة واحتجاجات لم تخمد بعد. ليست هي المرة الأولى التي يحدث فيها قرار عزل لموظف حكومي. ولأن المتضرر ليس شخصا عاديا أتت الصدمة كبيرة، كونه كاتبا ومفكرا ذاع صيته في الأعوام الأخيرة وطغى حضوره الوازن، لجرأته وخوضه في مجال شائك، فهو باحث مهتم بقضايا التجديد الديني. هو سعيد ناشيد، يكفي استعراض عناوين بعض مؤلفاته التي صدر أغلبها عن أشهر دور النشر في لبنان، لنعرف مدى حرارة الصفيح الساخن الذي يتحرك فوقه هذا المفكر المغربي، المعروف باجتهاداته من أجل إعادة قراءة الخطاب الدّيني وتجريد الإسلام السياسي من قبضة الاستغلال لغايات سياسية وانتهازية. من بين كتب ناشيد: التداوي بالفلسفة، الحداثة والقرآن، التدين العاقل، الوجود والعزاء: الفلسفة في مواجهة خيبات الأمل. 

كان سعيد ناشيد نفسه هو أول من أشعل فتيل الاحتجاج، من خلال تدوينة بالفيس بوك، أخبر فيها الرأي العام أنه أصبح بلا عمل أو مصدر رزق، إثر قرار التشطيب عليه من أسلاك الوظيفة العمومية، وبأن القائمين على الشأن العام في وزارة التعليم وفي رئاسة الحكومة، قرروا رميه للتسول، لكنه تسول من نوع آخر، فناشيد كما صرح، يجد نفسه اليوم في وضعية المتسول أمام أبواب النقابات والهيئات الحقوقية من أجل التضامن معه، خصوصا أنه لا يحمل بطاقة انتساب إلى أي حزب أو هيأة سياسية رسمية، رغم تموقع كتاباته وآرائه الجرئية في صفوف التيار العلماني بمفهومه الشامل. 

انتقام الظلاميين! 

استهل سعيد ناشيد تدوينته الاحتجاجية بالقول: "نعم أصبحتُ أتسوّل الآن.. قصّتي لا يعرفها سوى القليلين، حرصتُ على إخفائها لأني لم أكن أريد أن أبني اسمي على أي شكل من أشكال التعاطف. أنا سعيد ناشيد.. عملت مدرسا للفرنسية في الابتدائي لسنوات، ثم أستاذا للفلسفة في الثانوي لسنوات، في مدينة فاس، ثم مدينة سطات، كانت لي تجربة وإنجازات. في فترة حكومة التناوب نجحتُ بجدارة، بدعم من العزيزة على قلوب المغاربة المرحومة آسية الوديع، وبدعم ثلاث منظمات حقوقية، في الحصول على منصب مدير تربوي في إحدى إصلاحيات المغرب، وذلك بعد أن وقع السيد وزير التربية الوطنية على قرار التعيين، في إطار شراكة مع وزارة العدل، لكن القرار اختفى في طريقه إليّ بلا أثر". 

وأردف "واصلتُ مهنتي في التدريس بهدوء، وبالموازاة خضت غمار الكتابة والتأليف، مقتنعا بأنه الطريق الذي لن يصدني عنه أي أحد. وهكذا أصدرتُ كتابي الأولى "الاختيار العلماني وأسطورة النموذج" عن دار الطليعة بيروت". وفي إحدى المرات، يقول إنه غادر بيتا سكنه بالإيجار، فأجبره القضاء على أن يسدد مبلغا من 3 آلاف دولار بمثابة واجب للسكن، في حين أنه كان قد دفع كل ما بذمته. 

وأورد أنه قرر حينئذ أن يتوقف على الكتابة، لكن مفكرا عربيا اتصل به من الخارج وألح عليه أن يتسلم المبلغ، وقام بوضعه في المحكمة، حتى يعود إلى الكتابة. 

ويواصل أنه بعدما عاد للكتابة وأصدر كتابه الثاني "قلق في العقيدة"، فوجئ بـ"الضربة الثانية"، وهي إصدار قرار بأن يعود للتدريس في مدرسة ابتدائية بإحدى القرى، بذريعة وجود نقص هناك، ثم جرى منعه من مغادرة البلاد، لأن عمله في الابتدائي يمنعه من ذلك. 

ويضيف ناشيد أنه امتص الضربة وواصل الكتابة بقوة أكبر، فأصدرت كتابه الثالث "الحداثة والقرآن" عن دار التنوير ببيروت. "لكن الضربة الموالية جاءت هذه المرة من المرض، حيث أصبت بثلاث انزلاقات غضروفية في مستوى العمود الفقري، تُبينها تقارير الفحص الطبي، على أثرها فقدت القدرة على المشي لمدة عام ونصف، عرفت خلالها أيضا ما الذي تعنيه كلمة الألم". 

وأوضح ناشيد: "ثم جاءت الضربة الأكثر قساوة، حيث استدعاني المدير الإقليمي إلى مكتبه، فوجدت معه شخصا آخر، سأعرف فيما بعد أنه أحد أبرز مسؤولي "حزب العدالة والتنمية" في المنطقة، ليخبرني أمام مسامعه بأنه سيحليني على أنظار المجلس التأديبي، لأن المريض كما قال لا يحق له أن يكتب أو ينشر أي شيء، بل يجب أن يتناول الدواء وينام كما قال! مضيفا بأنه هو من سيعين الأعضاء الإداريين للمجلس الذي سيُعقد داخل إدارته، وأن العقوبة آتية بلا ريب". 

أخطر من سنوات الرصاص 

لا شك أن المتربصين بالأستاذ سعيد ناشيد كانوا بانتظاره عند أول مفترق. وواضح أن هؤلاء المتربصين هم من أعداء الفكر الحر ومن مناهضي العلمانية، ممن لا يقيمون وزنا للقوانين والأنظمة الإدارية، فيخرقونها لمحاربة "خصومهم" الفكريين والسياسيين. بل إنهم لا يتورعون بسبب الاختلاف في الرّأي والمرجِعيات، في سلوك "انتقامي يصِل حدّ قَطع الأرزاق؟". 

 قد يسترجع البعض هنا ما جرى في "سنوات الرصاص" بالمغرب، في عهد الملك الحسن الثاني وسيطرة الجنرال الدموي محمد أوفقير والوزير المستبد إدريس البصري. لكن سعيد ناشيد يسارع لإبعاد المقارنة ويوضح أنه "حتى في سنوات الرّصاص، لم تصل الدولة إلى هذا المستوى من الانتقام، رغمَ أنّه كانتْ هُناك طُرق أكثَر خُطورة. لكِنّ المُستوى لم يتدنَّ بهذا الشّكل".  

فسر آخرون عزل الأستاذ سعيد ناشيد كونه يدخل في إطار الهُجوم السافِر ضد الفلسَفة "لكن بطُرق لا أخلاقِية، وهذا راجعٌ إلى طبيعة الإسلاموية العاجزة عن النّقاش ومقارعة الحجّة بالحجّة". ويسبب فكرها المؤسس على الجهل المُقدّس. وأن الغاية من هذا العمل "الإجرامي والظّلامي"، كما يؤكد ناشيد في حوار صحفي، هو "تكسيري مادّياً، لكي أتوقّف عن التّفكير والكِتابة". إنهم "يعتقدون أن قطع الرزق سيوقفني عن مشروعي الفكري ويجعلني أذعن وأتراجع، وهم في ذلك واهمون". 

من يذهب للتفتيش في ملف المدرس سعيد ناشيد سيجد مساره المهني موصوفا بالنّزاهة والاجتهاد، لم يُثبت في حقه تغيّب عن العمل بشكل غير قانوني، وشواهده الطبية مصادق عليها عن طريق اللّجنة الطّبية. وأنه سبق له المطالبة بالاستفادة ب"التقاعد النّسبي"، كونه يعاني من انزلاقات غضروفية في العمود الفقري، ومن حساسية تنفسية، ومن الكلي، لكنه طلبه رفض. 

يؤكد ناشيد أن عزله محبوكٌ من طرف الحزب الإسلامي العدالة والتنمية، ويتهم النائب الإقليمي لوزارة التربية بمدينة سطات (جنوب الدار البيضاء) بالخضوع لسطوة الإسلاميين، الذين يقودون منذ أكثر من عقد التحالف الحكومي في المغرب. فالنائب المشار إليه هو "خدِيم طيّع لصقور الحزب ذي المرجعية الإسلامية، يتحكّمون فيه مثل "الريموت كنترول" يكتب ناشيد. 

لاحقا سيتسرب أن القرار كان يقتصر على ثلاثة أشهر من التوقيف في حق المعني، وبعد رفع القرار إلى الوزارة الوصية على القطاع وجه التماس لرئيس الحكومة سعد الدين العثماني لتشديد العقوبة، فلم يتردد عندما قرأ اسم المعني في الملف، ليتخذ قرار عزل سعيد ناشيد من أسلاك الوظيفة العمومية. 

قتل متسلسل 

برّرت الإدارة قرارها العقابي في حق سعيد ناشيد، (الصادر بتاريخ 2 أبريل 2021)، بـكون المعني "مقصر في أداء واجبه المهني، وبغيابه غير المبرر عن العمل"، و"بـاستغلاله" للرّخص الطبية لغير العلاج، ومغادرته للتراب الوطني بدون ترخيص من الإدارة". ووافق رئيس الحكومة على اتخاذ العقوبة المذكورة من دون توقيف الحق في التقاعد. وحسب أنظمة الوظيفة العمومية في المغرب تعتبر عقوبة "العزل من غير توقيف حق التقاعد" من العقوبات القاسية إدارياً.  

قال سعيد ناشيد إنه عبر سنوات عمله في التدريس لم يُنجز أي تقرير سيء في حقه، من طرف أي مدير أو مفتش أو أي رئيس من الرؤساء المباشرين. وأبرز أن "قرار طرده من الوظيفة العمومية بصفة نهائية، لا يفسره سوى كون جهات ظلامية نافذة تريد أن تراني أتسول، انتقاما مني لما أكتبه، ورغبة في إذلال المشروع الذي أمثله، كما أن الجهة المقابلة تخلت عن واجبها في حماية القانون". 

يعلق الباحث في مجال الحركات الإسلامية سعيد الكحل، بكون "قطع الأرزاق دون أسباب موضوعية موجبة لاتخاذ مثل هذا القرار هو جريمة مكتملة الأركان في حق أي موظف". 

أما رأي إنصاف الراقي فكان: "إن هذا العزل إجراء انتقامي محض لحزب إخواني، ضد مثقف فاضح لإيديولوجية الجهل والتطرف والظلامية التي يرتكز عليها حزب "البيجيدي". الحزب الذي زرع بلطجيته ومريديه، في إطار خطة التمكين، في عدد من الإدارات المغربية، وعلى رأسها قطاع التعليم، مقابل ترصد وإقصاء وطرد المتنورين المخالفين لمشروعه الإسلاموي المتخلف، في عملية شبيهة بالقتل بالتسلسل. فاليوم سعيد ناشيد وغدا أحمد عصيد، وبعده رشيد أيلال واللائحة طويلة". 

معلومة يتحدد على ضوئها الموقف! 

بسرعة تعدت أصداء القضية حدود المغرب، وانتشرت ردود فعل على مستوى البلدان العربية حول بواعث عزل الأستاذ ناشيد من عمله بقرار من رئيس الحكومة المغربية، وتلقيه تهديدات من جهات ظلامية جراء كتاباته التقدمية. ففي مصر دعا الناقد مدحت صفوت المثقفين والكتاب المصريين للتوقيع والتضامن مع المثقف المغربي سعيد ناشيد ضد الجماعات الأصولية.  

ووسط هذا التضامن الواسع برزت معلومة كان تعميمها من دواعي سحب عدد من المتضامنين تضامنهم مع ناشيد، وجعلت آخرين يتراجعون عن إبداء أي تعاطف معه، وهي إعادة نشر حوار سابق لسعيد ناشيد يؤيد فيه التطبيع مع إسرائيل، مصرحا أن التطبيع "سلام الشجعان لتخليص الشرق الأوسط من الاضطرابات". بهذا الصدد علق الكاتب المصري أحمد الخميسي أن "هذه المعلومة المهمة يتحدد الموقف على ضوئها". رغم ذلك  وجد آخرون من مناهضي التطبيع من عبروا عن مساندتهم لناشيد، انطلاقا من مبدأ عدم السقوط في الخلط بين الجوهر الحقوقي للقضية وبين التقديرات والمواقف السياسية للمتضامَن معه. في هذا الإطار نشر المناهض للتطبيع مع إسرائيل، أستاذ الفلسفة عبد الرحمان الغندور بيانا أوضح فيه موقفه أنه سيستمر في تضامنه مع سعيد ناشيد ضد قرار العزل. لأنه يعتبر "العزل والحرمان من الرزق يوازي عقوبة الإعدام في المجال الاجرامي".

------------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).