Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

"الصحراء".. أما آن لحروب الرمال أن تنتهي

28 أبريل 2021

بقلم: عماد بوظو
على ما يبدو أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستبقى أسيرة عقلية القبيلة، والانتقال إلى عصر الدولة الحديثة التي تبحث عما يحقق مصلحة وسعادة أبنائها سيبقى أمرا بعيد المنال، ويمكن مشاهدة أحد الأمثلة على هذه العقلية في قضية الصحراء الغربية وكيف يتم تبنّي سياسات كيدية ليس لها من هدف سوى مناكفة "العدوّ" حتى لو كان ذلك على حساب مصالح دول وشعوب المنطقة. 

فلسبب ما أخذت العلاقات الجزائرية المغربية شكل صراع مصطنع مباشرة بعد استقلال الجزائر في ستينات القرن الماضي، ووصل في مرّات عديدة إلى درجة المواجهة العسكرية المباشرة كان أولها عام 1963، حيث استخدم لأول مرة مصطلح حرب الرمال الذي يعني حربا لا يكسب المنتصر فيها أي مجد أو مغانم باستثناء السيطرة على حفنة من الرمال. 

وتكررت منذ ذلك التاريخ المناوشات العسكرية وقطع العلاقات الدبلوماسية وإقفال الحدود وطرد الرعايا بين البلدين، ورغم أن الذريعة كانت خلافا حول ترسيم الحدود حمّل الطرفان مسؤوليته للاحتلال الفرنسي، ولكن من زاوية أخرى كان صراعا بين أنظمة عسكرية تعتبر نفسها "ثورية" تمثلها الجزائر مدعومة من مصر عبد الناصر والاتحاد السوفييتي وكوبا التي أرسلت جنودا وأسلحة حديثة لدعم حليفها، وأنظمة "رجعية ضمن مفاهيم تلك الأيام" متمثلة بالمغرب مدعوما من فرنسا والولايات المتحدة، ورغم المساعدات العسكرية المباشرة التي تلقتها الجزائر لكن كان هناك دائما تفوق عسكري للمغرب، بينما على المستوى السياسي كان المزاج العالمي ميالا لليسار ومتعاطفا مع الجزائر. 

وعندما اقترب انسحاب إسبانيا من الصحراء الغربية، شكّلت الأمم المتحدة بالتعاون مع محكمة العدل الدولية بعثة لدراسة المنطقة وما يريده سكانها توصلت إلى نتيجة أن هناك روابط تاريخية مشتركة بين سكان هذه المنطقة والمغرب وموريتانيا بينما لا توجد لها روابط مع الجزائر، فقررت إسبانيا وضع هذه المنطقة تحت رقابة مشتركة من المغرب وموريتانيا، لذلك ونتيجة أجواء العداء مع المغرب سارعت الجزائر عام 1973 إلى رفع شعار حق تقرير المصير للقبائل التي تسكن هذه الصحراء، وأعلنت قيام جبهة البوليساريو لتحرير الصحراء الغربية. 

وعندما ضمّت المغرب القسم الشمالي من الصحراء عام 1975 اخترعت الجزائر دولة على الورق أسمتها الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، ليبدأ أحد أطول الصراعات في القارة الإفريقية، رغم أنه من الصعب معرفة الفائدة التي قد تحققها الجزائر من إضافة دويلة صغيرة جديدة إلى منطقة الساحل والصحراء ذات التاريخ الحافل بصراعات القبائل وعدم الاستقرار، والتي من الممكن أن تتحول بسهولة إلى بؤرة جديدة للتطرّف ومركزا للتنظيمات الإرهابية وتجارة البشر والسلاح والمخدرات وطريق جديد للهجرة غير الشرعية. 

وبعد انسحاب موريتانيا من جنوب الصحراء عام 1979، سارع المغرب لضمها مما جعل 80 في المائة من هذه المناطق تحت سيطرة المغرب، والقسم الصغير القليل السكان المتبقي في الشرق كان تحت حكم البوليساريو المدعومة من الجزائر مع وجود قوات حفظ سلام دولية تشرف منذ ثلاثة عقود على وقف إطلاق النار. 

واليوم، إذا كانت أولوية من يبحث عن حل لقضية الصحراء هي مصلحة أبناء هذه المنطقة فمن الممكن مقارنة وضع المغرب الذي يشهد استقرارا ونموا وازدهارا اقتصاديا وارتفاعا متواصلا في دخل الفرد حتى انخفضت فيه نسبة الفقراء من 15.3 في المائة عام 2000 إلى 4.8 في المائة عام 2013، والذي أصبح ثاني مستثمر إفريقي في القارة الإفريقية بعد جنوب إفريقيا والمستثمر الأول في غرب إفريقيا، مع وضع الدول المجاورة وخصوصا مع ظروف الحياة القاسية في مخيمات تندوف داخل الأراضي الجزائرية، التي تشبه سجن كبير يعيش على وعود لا يمكن تحقيقها بنصر قريب. 

كذلك، أصبح من المستغرب في هذه الأيام فهم موقف الجزائر التي تطالب بحق تقرير المصير لنصف مليون إنسان هم كامل سكان الصحراء الغربية مع أنهم امتداد لمجتمعات جنوب المغرب وشمال موريتانيا، والتي تتجاهل في نفس الوقت مطالبة الطوارق "التماشق" الأمة الأمازيغية التي تقطن الصحراء الكبرى، بما فيها مناطق واسعة جنوب الجزائر بنفس الحق، وكذلك منطقة القبائل في شمال شرق الجزائر التي يطالب بعض المتشددين فيها باستقلال "جمهورية القبائل الديمقراطية" الممتدة على عدة ولايات جزائرية، وعدد سكان هذه المناطق بالملايين، وبغضّ النظر عن واقعية هذه المطالب والتي من الصعب أن تنعكس إيجابيا على حياة أبنائها ولكن يبقى من غير المفهوم أن تطالب حكومة الجزائر بحق تقرير المصير لنصف مليون صحراوي، وترفض هذا الحق للملايين داخل حدودها. 

وقبل بضعة أشهر أعيد تسليط الضوء على هذا الصراع، عندما قامت عناصر من البوليساريو بعرقلة المرور في معبر الكركرات الواصل بين جنوب الصحراء وموريتانيا مما اضطر المغرب لإرسال قوات لتأمين المعبر الذي تنتقل عبره التجارة إلى إفريقيا، وتوتّرت الأوضاع من جديد في المنطقة مما دعا صحيفة جون أفريك الفرنسية لوصف الوضع الحالي بين المغرب والجزائر، "أن حالة العداء بين البلدين ازدادت خلال الفترة الأخيرة والذي من الممكن أن يتحول إلى صراع علني مفتوح ستكون عواقبه وخيمة عليهما لأن التاريخ يثبت أن الدول قد لا تتمكن من التحكم في مستوى التصعيد"، وهذا الكلام صحيح تماما لأن الحكومات نجحت خلال العقود الماضية في خلق حالة عداء لا مبرر لها بين الشعبين. 

ولإنهاء هذا الصراع، تقترح الرباط اليوم إقامة حكم ذاتي في هذه الصحراء تحت السيادة المغربية، وهذا الطرح هو في حقيقته تعبير عن أمر واقع مستمر منذ عقود طويلة، كما يدعمه أن كافة المناطق الخاضعة للسيطرة المغربية والتي يعيش فيها أغلب سكان الصحراء تنعم بالهدوء مما أتاح للمدن والبلدات فرصة للتطور والنمو والازدهار، ففي مدينة العيون وحدها يعيش 40 في المائة من السكان، والتي تبعد ثمانين كلم فقط عن جزر الكناري السياحية التابعة لإسبانيا التي يزورها 15 مليون سائح سنويا، وبإمكان شاطئ العيون على المحيط الأطلسي أن ينافس تلك الجزر سياحيا إذا تأمّن مناخ الاستقرار. 

والناحية الأهم، أن الاعتراف العالمي بمغربية الصحراء يزداد يوما بعد يوم ولا علاقة لذلك بصفقة القرن كما تدّعي بعض وسائل الإعلام، فالموقف الغربي بشكل عام والأميركي والفرنسي تحديدا يتبنّى منذ سنوات موقفا ضمنيا مؤيدا للمغرب في قضية الصحراء، لكن إدارة ترامب نقلت هذا الموقف لاعتراف علني نهاية العام الماضي، ولم تتراجع عن هذا الموقف إدارة بايدن حتى الآن رغم أنها ألغت الكثير من قرارات إدارة ترامب، بما يعني أن الصحراء مازالت بمنظور حكومة الولايات المتحدة الأميركية أرضا مغربية. 

ونتيجة هذه الأجواء، سحبت دول عديدة اعترافها بالبوليساريو، وفي نفس الوقت افتتحت أكثر من عشرين دولة مكاتب قنصلية لها في مدينة العيون، بعد أن تحوّلت البوليساريو إلى ظاهرة إعلامية توظّفها قوى إقليمية في صراعها مع المغرب، فالصحراء الغربية هادئة منذ عقود، باستثناء بعض العمليات الرمزية التي تستهدف مناطق شبه فارغة، وإذا كان الهدف الذي يسعى إليه المجتمع الدولي هو تأمين حياة أفضل لسكان الصحراء فمن الأفضل مناقشة العرض المغربي بالحكم الذاتي بهدوء وموضوعية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن مشاكل أكبر وأكثر تعقيدا من مسألة الصحراء الغربية هي في طريقها للحل.

 

-----------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).