Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

Moroccans celebrate in front of the parliament building in Rabat on December 13, 2020, after the US adopted a new official map…

عبد الرحيم التوراني - تميز الشهر المنصرم في المغرب بأحداث مكثفة ومتلاحقة. فبحلول رمضان في الأسبوع الثاني من أبريل 2021، تمت العودة للعمل بالساعة العادية المتطابقة مع توقيت غرينتش. وسماها بلاغ رسمي بـ: "الرجوع إلى الساعة القانونية للمملكة"، ما جعل بعض الساخرين يعلقون أن الحكومة كانت "تعمل خارج القانون، وبأن القرارات التي صدرت عنها خلال الفترة السابقة هي قرارات لاقانونية". وينتظر بعد انقضاء شهر رمضان العودة إلى إضافة ستين (60) دقيقة إلى الساعة القانونية، في 16 ماي 2021.

الحظر الليلي: بالموازاة مع ذلك، تم تأكيد استمرار حالة الحجر الصحي في رمضان، حيث أقرت الحكومة بدء حظر التجول انطلاقا من الساعة الثامنة ليلا إلى السادسة صباحا. في "سياق تعزيز التدابير الوقائية المتخذة للحفاظ على صحة المواطنات والمواطنين، وأخذا بعين الاعتبار الحركية الواسعة التي يعرفها النسيج المجتمعي المغربي خلال شهر رمضان"، وبهدف الحد من انتشار جائحة كورونا واتقاء لهجوم السلالة البريطانية والتي وصلت إلى عدة جهات من المغرب.

ويتزامن بدء الحظر الليلي مع موعد الإفطار، حيث يجد المغاربة أنفسهم محرومين من السهرات العائلية والخرجات الليلية وتبادل الزيارات التي تتميز بها عادة ليالي رمضان.

لكن أولاد أغلب الأحياء الشعبية في المدن الكبرى تحدوا القرار، ولم تجد السلطات رغم نشرها لقوات الأمن بالشوارع والأحياء، بدا من غض الطرف بشكل ما. لكن تقارير أمنية ذكرت أنه تم توقيف وتغريم عدد من المخالفين لقرار الحظر.

التراويح والتكفيريون: وطبعا، كان لإلغاء الصلوات الجماعية، المعروفة باسم "صلوات التراويح" الرمضانية، للعام الثاني على التوالي بسبب جائحة كورونا، تداعيات وردود أفعال، أخطرها تكفير جماعات للدولة المغربية واتهامها بمحاربة الإسلام. وهي اتهامات صادرة عن جماعات سلفية في بعض المدن، مثل مراكش وفاس. إذ حرض متطرفون مجموعات من البسطاء، وآخرين من صغار السن، للخروج في مسيرات احتجاجية للمطالبة بإقامة صلوات التراويح. بل إن الشد والجذب وصل إلى تحدي المنع، عندما تجمع بعض المصلين بإحدى الساحات في مدينة طنجة، بغاية خرق الحظر الليلي وأداء صلوات التراويح، لكن تدخل قوى الأمن أدى إلى تفريقهم واعتقال أفراد منهم ممن تزعموا المواجهة الاحتجاجية ضد قوات الأمن. واتضح لاحقا أن الموقوفين ينتمون لجماعة "العدل والإحسان" الإسلامية غير المعترف بها قانونيا. وسيتكرر المشهد أيضا في مدن أخرى، مثل وزان وفاس وسطات وأسفي. ووجدت القيادة الإسلامية لحزب العدالة والتنمية (الذي يتزعم التحالف الحكومي) نفسها في وضع دفع اتهام التواطؤ والمشاركة في استهداف دين الشعب، وكان الرد هو أنه في جائحة مثل كورونا يكون "حفظ النفس مُقدَّم على حفظ الدين". وسط جدل فقهي حول صلاة التراويح، هل هي سنة مؤكدة أم مجرد بدعة عرفت بعد وفاة الرسول؟ 

وضمن سلسلة قرارات الإلغاء أعلنت الحكومة للعام الثاني منع الاحتفالات العمالية والمسيرات بمناسبة الفاتح من ماي هذا العام أيضا، للسبب ذاته.

إفلاس قطاع المقاهي: ثم ما لبث أن انتشرت شائعة أن الحكومة ستتراجع لتبيح أداء صلوات التراويح، ما دفع الجهات المعنية إلى إصدار بيان تكذيبي، منبهة على المواطنين عدم الانسياق مع الأخبار التي لا تصدر عن جهة رسمية. ومن المعلوم أن المغرب يطبق منذ شهر مارس 2020 فرض حالة طوارئ صحية مقرونة بمجموعة من التدابير الاحترازية. ومن ضمنها إغلاق الحدود الجوية مع حوالي 50 بلدا، وإغلاق المقاهي والمطاعم في تمام الساعة الثامنة ليلا. وهو قرار كان من ضحاياه أصحاب المقاهي والمطاعم والعاملون بها. في بيانات للنقابات والهيئات المنظمة للقطاع حذرت أن القطاع بات مهددا بالإفلاس. لكن أخبارا ترددت بأن الحكومة ستقدم دعما وتعويضات للعاملين بقطاع المطاعم والمقاهي، وأن وزارة الصناعة والتجارة والاقتصاد الأخضر والرقمي وعدت ممثلي هذا القطاع بتقديم دعم للمهنيين من أجل تخفيف تبعات قرار الإغلاق ليلا في شهر رمضان، وللتقليص من الخسائر المنتظرة. لكن التعليقات تقول بأن نسبة جد عالية من هؤلاء غير مصرح بها لدى صندوق الضمان الاجتماعي، وبالتالي فلا تعويض... ولكن فقط هناك من يحزنون. 

استمرار تدهور الوضع الحقوقي: في هذه الأجواء المترنحة يستمر تأزم الوضع الحقوقي، ويستمر الاعتقال الاحتياطي من دون محاكمة للصحفيين عمر الراضي وسليمان الريسوني، وهما اليوم يخوضان إضرابا عن الطعام منذ ثلاثة أسابيع وسط تضامن حقوقي وطني ودولي، وانشغال متزايد حول الوضع الصحي للصحفيين المعتقلين. 

ثم انتفض الوسط الحقوقي بعد خروج الكاتب سعيد ناشيد بتدوينة يخبر فيها بأن رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، (وهو الآن رئيس حزب العدالة والتنمية "الإسلامي")، وقع قرارا بالتشطيب عليه من أسلاك الوظيفة العمومية. ووصف هذا القرار بـ"الانتقامي"، كون سعيد ناشيد مناهض صريح لحركات الإسلام السياسي، ومن بينها حزب العدالة والتنمية في المغرب.

وجاء نهار الأربعاء 28 أبريل 2021 خبر إطلاق سراح أحد قادة حراك الريف (ربيع الأبلق) ومتابعته في حالة سراح. وربيع الأبلق من المعتقلين على خلفية حراك الريف الذي تزعمه ناصر الزفزافي، ويقضي حاليا عقوبة سجنية تصل إلى 20 سنة، وقد أعلن الزفزافي الأسبوع الماضي من زنزانته قرار تخليه عن قيادة الحراك. ما فسره البعض بمقدمة لحلحلة قضية معتقلي حراك الريف وإطلاق سراحهم. 

فاجعة كبيرة بمدينة صغيرة: وجاءت فاجعة "الفنيدق"، وهي مدينة صغيرة قرب مدينة تطوان شمال البلاد، عندما تجمع عشرات من شبابها ممن يعانون الفقر والحاجة، وأمام أنظار السلطات المحلية التي بقيت تتفرج على مشهد هجرة جماعية، حيث ألقى الشباب بأنفسهم وسط لجة الأمواج، عازمين على التسلل بحرا للعبور إلى مدينة سبتة المحتلة من طرف الاسبان. وانتقد الكثيرون سلبية السلطات التي لم تقم بأية مبادرة لإنقاذ أولئك الشباب اليائسين، وكانت النتيجة غرق البعض منهم.

المساعدة الرمضانية والقفة اليهودية: منذ سنة 1998، مع كل رمضان تقوم الدولة، عبر "مؤسسة محمد الخامس للتضامن"، بتوزيع ما يسمى بـ"قفة رمضان"، وتستفيد منها فئات معوزة، في إطار ما يسمى بـ"عملية الدعم الغذائي في رمضان المخصصة للتخفيف من العبء المالي الذي يرهق كاهل الأسر الفقيرة". وهي مبادرة إحسانية موجهة إلى الفئات الأكثر هشاشة، ولاسيما الأرامل والمسنين بدون عائلة وذوي الإعاقة.

لكن القيام بالتسويق الإعلامي "التشهيري" للمبادرة عبر تصوير المستفيدين من القفة الرمضانية وهم يتسلمون المساعدة الغذائية من مسؤولي السلطة الحكوميين أو المحليين، اعتبره مدونون في مواقع التواصل الاجتماعي أمرا "مهينا ومذلا للغاية للفقراء".

إلا أنه هذا العام اقترنت القفة بما سمي بفضيحة مؤسسة "الجود" التي تورط فيها حزب التجمع الوطني للأحرار، ويرأسه حاليا الملياردير عزيز أخنوش، وهو في نفس الوقت الوزير المكلف بقطاعات الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات. وجاءت الانتقادات من أحزاب يعتبر بعضها حليفا لحزب التجمع الوطني للأحرار، مثل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ومن حزب الأصالة والمعاصرة، كما أتت الانتقادات الحادة من حزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية. وكلها أجمعت على اتهام حزب أخنوش، الذي يتخذ من طائر الحمامة رمزا له، أنه يخوض حملة انتخابية سابقة لأوانها، "مستغلا الفقراء بطرق لا أخلاقية وماسة بالكرامة"، حيث يتم تسجيل كل مستفيد من قفة حزب "الحمامة" كعضو منخرط في الحزب. وقد نعت ذلك بـ"التوظيف السياسوي لمبدأ التضامن النبيل"، و"باستغلال لفقر وضعف عدد من الأسر المغربية".

إلا أن الإثارة الأكبر هذا العام تمثلت في "القفة اليهودية"، وأشرف على توزيعها مسؤولون من الطائفة اليهودية، واعتبرها الكثيرون إذلالا وإهانة للمغاربة المسلمين، ونظر إليها آخرون باستنكار أشد، وسجلوها ضمن نتائج مسلسل التطبيع مع إسرائيل، إذ تم توزيع أذونات إلى محتاجين تلقوا مساعدات غذائية من مسؤولي الطائفة الذين ظهروا وهم يعتمرون القلنسوة الدينية، وغالبا داخل معابد لليهود، وتحت حراسة وأنظار السلطات الأمنية والترابية للمناطق التي شهدت العملية، مثل الدار البيضاء وفاس وطنجة ووجدة.

التسول المتعدد الجنسيات: يعرف شهر رمضان تزايدا في عدد المتسولين، وقد عادت ظاهرة انتشار اللاجئين السوريين في الشوارع بشكل كبير، وهم مصحوبين بنسائهم وأطفالهم الصغار، حاملين صور جوازاتهم السورية. وقد أضيفوا إلى المتسولين الأفارقة، وهم يضايقون المتسولين المحليين. وأفادت بعض الأبحاث الأكاديمية والتحقيقات الميدانية أن ما يزيد عن سبعمائة ألف متسول يجوبون شوارع البلاد. ويستغل الأطفال في هذه الظاهرة التي تحولت إلى حرفة يكسب منها أصحابها مبالغ يندهش لها السامع، ما جعل بعض الجمعيات تنخرط في حملات تحسيسية للحد من ظاهرة استغلال الأطفال في التسول وتجريمه ضمن جرائم الاتجار بالبشر، وذلك عبر بث فيديوهات ووصلات توعية، بعضها ظهرت فيها وجوه فنية وإعلامية مغربية معروفة.

مسلسل الرداءة التلفزيونية: كما استمر بث ما يسميه المغاربة بـ"الحموضة" التلفزيونية والانحطاط الدرامي على القنوات المغربية، التي يتم انتقادها بشدة أكبر في كل رمضان، لكن يبدو أن المسؤولين على قطاع الإعلام الرسمي لا يأبهون بتلك الانتقادات، بل يصرون على تكرارها كل عام، مثل برامج الكاميرا الخفية و"السيتكومات" الهزيلة والبئيسة، التي يُقْصَف بها المشاهدون ساعة الإفطار، مرفوقة بوابل من الإعلانات الإشهارية الممجوجة، التي يفتقر أغلبها إلى الخيال والإبداع وإلى الصنعة المهنية. وقد انتفضت بعض هيئات المحامين وقدمت دعوى استعجالية لإيقاف بث سلسلة تلفزيونية رأى فيها محامون أنها "تمس بكرامة مهنتهم وشرفها".

الانتصار للحياة: بالموازاة أعلنت المصالح الصحية المكلفة بمكافحة الوباء أن عدد الملقحين تجاوز المليون ونصف، كما بدأت عملية تطعيم الفئة العمرية 55 – 60، بعد وصول اللقاح الصيني. وكان للأزمة الوبائية أثر عميق على انكماش اقتصاد البلاد، كما أن قطاع السياحة الذي يعد من ركائز الاقتصاد المغربي عرف تدهورا قياسيا بسبب تداعيات كورونا.

تلك كانت عناوين سريعة لواقع مغربي مرير خلال شهر، واقع يقف على الشفير، بتوصيف يحتمل كل نعوت وألوان الغبن ومرادفات التراجع. ألجمت الجائحة جموحه من أجل الانفلات والتغيير وزادت من جراحاته وانكساراته.

-----------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).