Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

الأقليات في العالم العربي

04 مايو 2021

بقلم: محمد المحمود 

تحمل المجتمعاتُ المُصْمتةُ، المجتمعاتُ المُكَوّنة من هوية عِرْقية/ سُلاليّة، ودينية ولغوية وثقافية واحدة، تصورا انغلاقيا تحيّزيا إقصائيا بالضرورة؛ مهما حاولت التمظهر ـ من وراء ذلك ـ بالانفتاح وتقبّل الآخرين. صحيح أنها تبقى أفضل ـ في معظم أحوالها ـ من المجتمعات التي هي كذلك، ولكنها تُضِيف/ تَزيد الفخرَ والاعتدادَ بهذه الواحدية الهوياتية، وتشتغل عليها تعزيزا وتأكيدا، وترسيما للمستقبل؛ إلا أن سِمَة الانغلاق تنتظم هؤلاء وهؤلاء في كل الأحوال، حتى وإن كان الصنف الأخير هو الأبعد عن الشفاء من أمراض العنصرية والتعصب والإقصاء.

حتى النظام المكتوب دستوريا وقانونيا لا يستطيع اختراق هذه الانغلاقية التي تدفع إليها ـ ذاتيا ـ أحاديةُ الهوية؛ مهما كانت درجة انفتاحه واستيعابه للآخرين، إذ الواقع المادي المتمثل في مكونات المجتمع المتماثلة/ المتطابقة، الفاقدة للتنوع والاختلاف، هي ما ستحكم "واقع الحال"، وتقفز على الأنظمة والقوانين في نهاية المطاف. ولعل هذا أوضح ما يظهر في الديمقراطيات الشرق أقصوية التي ظلت ـ رغم تمظهرها الديمقراطي ـ ذات نكهة خاصة، قد لا تُلغِي واقعةَ الديمقراطية كآلية تدبير تسالميّة؛ لكنها لا تمنحها أحدَ أهم أبعادها الحيوية، من حيث كونها/ الديمقراطية، آليةَ انفتاح، وتقبّل للآخر، وتشارك على سبيل العدالة، عدالة الفرص المتاحة، بل على العكس، ظلت تنفي بقوة ضغط مكونات الواقع هذا البعد؛ فتُظهِر ديمقراطيةً غير نابضة بالرؤية الإنسانية التي هي جوهر المُحَفّز الديمقراطي.

مثلا، تجد اليابانَ، وهو أكثر بلاد الشرق الأقصى تقدما، وأكثره غنى، وأقدمه في الاشتغال على مسارات التحديث، مجتمعا مغلقا؛ على الرغم من كونه بلدا ديمقراطيا على مستوى شكل النظام السياسي. هذا البلد النموذج للتقدم والتحديث والتنظيم في تصوّر كثيرين، ديمقراطيته ليست ديمقراطية! ديمقراطيته تكاد تكون من نوع خاص، نوع يفتقد التغيير الحيوي والتنوع والاختلاف والحقيقي؛ بقدر ما يفقد المجتمع الياباني ذاته ثراءَ التنوع الهوياتي. ولهذا، لن تجد في التشكيلة السياسية/ الإدارية لليابان (لا في مناصب كبرى، ولا في عضوية أحزاب)، أي فرد ينتمي إلى عِرْقيات أخرى، لن تجد فردا من أصول أوروبية أو أفريقية أو هندية أو عربية في منصب وزير أو وكيل وزارة، أو مديرا عاما...إلخ، لن تجد مهاجرا من هؤلاء يجد أبواب المجتمع مفتوحة له للعيش والانتماء وتحقيق الآمال؛ كما هو الحال في المجتمعات الغربية التي تمتلك ثراء التنوع منذ أمد طويل.   

التباينات العرقية/ السلالية، والتباينات الدينية والمذهبية، وكذلك اللغوية والثقافية...إلخ أنماط التنوع، هي ثراء مجتمعي، لا يمنح المجتمع فرصة الاستفادة من كل هذه المتنوعات، ولو على سبيل توظيفها كقنوات تواصل فحسب، وإنما هو أيضا ثراء بما يحمله من منطق متضمن، أي جعل الانفتاح والتعددية، ومن ثم التسامح وتقبل الآخر (تقبله كجزء أصيل من الأنا وليس كآخر)، واقعَ حال، وليس فرضية ثقافية، ولا مشروع نظام برسم الإقرار؛ ينتظر التطبيق، وتمتحنه منذ بداياته كفرضية إلى نزوله تطبيقا في الواقع العملي كثيرٌ من العقبات والمعوقات.

المجتمعات العربية، ومنذ أقدم العصور، تحظى بكثير من التنوع الهُويّاتي. التنوع في منطقة الشرق الأوسط عموما يكاد يكون هو الأصل؛ لأنها منطقة حضارات متداخلة ومتراكمة، ومنطقة ثقافات متحولة/ متغيرة، ومنطقة ديانات متنافسة؛ كما هي منطقة عبور لكثير من الغزوات والهجرات على امتداد التاريخ؛ حيث الموقع الجغرافي هو ملتقى الطرق بين أهم الفضاءات الجغرافية البشرية في العالم القديم.  

العالم العربي، ورغم محاولة كثيرين دمغه بهذه الصفة: "العربية"، ورغم كونه عربي الثقافة في العموم، إلا أنه عالم يموج بكثير من الأعراق التي لا تنتمي إلى السلالة العربية/ العرق العربي. يُوْجد العربُ عرقا، وهم الذين احتكروا المكان على مستوى التسمية، كما يُوْجد: الكرد، والبربر/ الأمازيغ، والأرمن، والشركس، والزنوج، والنوبة، البلوش، والتركمان، والسريان...إلخ. وبعض هذه الأعراق ليست طارئة، ولا هي مُتَطفّلة، بل هي أصيلة، وقديمة قدم الإنسان على هذه الأرض، بل هي في كثير من المناطق أقدم من الحضور العربي بآلاف السنين، وفي بعضها هي الأصل، هي صاحبة المكان، بينما العربي هو الطارئ العابر ذات يوم مع قوافل الاستعمار العربي المجيد.

أيضا، يموج هذا العالم العربي بتنوع ديني ومذهبي أصيل، قد يتقاطع مع ذلك التنوع العرقي، وقد يستقل عنه؛ في تداخلات معقدة يصعب حصرها. وبالتأكيد، العالم العربي ليس عالما إسلاميا بالكامل، لا تاريخيا ولا واقعا؛ مع أن كثيرين يحاولون التعامل معه كعالم إسلامي أحادي الهوية الدينية، وكأن غير المسلمين بضع مئات أو بضعة آلاف، أو كأنهم وجود طارئ عابر، إن وجدوا؛ فسرعان ما سيرحلون في أقرب فرصة إلى بلد ما، هو بلدهم الأول، بلدهم الأصيل؛ أي كأنهم ليسوا ـ في أكثريتهم ـ وجودا أصيلا سابقا حتى على وجود الإسلام!  

صحيح أن المسلمين بطوائفهم ومذاهبهم وطرقهم الصوفية المتعددة هم الأكثرية الغالبة، ولكن، ثمة أديان أخرى حاضرة بقوة، بعضها بالملايين. يوجد المسيحيون: المسيحيون الأقباط في مصر حوالي عشرة ملايين، أي بحجم دولة عربية كبيرة كالأدن أو تونس، كما يوجد مسيحيون بطوائف متعددة/ متنوعة؛ منذ ما قبل الإسلام، في كل من سوريا ولبنان والعراق والأردن والسودان. وأيضا يوجد اليهود ـ بطوائفهم المتعددة ـ، والصابئة، والسريان، والأيزيديين، وبعض الوثنيين، فضلا عن اللاّدينيين.   

إن هذه "الأقليات" ليست على الدوام، ولا على كلّ صور التقسيم، "أقلية"؛ كما أنها ليست أقليات مفتعلة؛ كما يحاول كثير من المتعصبين للهوية الأحادية الإيحاء بذلك. هذه الأقليات، هي حقيقة واقعية صلبة، وهي ليست طارئة، بل أصيلة (باستثناء طوائف قليلة جدا كالأرمن الذين هاجروا إلى الشام والعراق بعد مذابح العثمانيين)، كما أنها ليست أقليات بالأصالة، أي ليست "أقليتها" صفة لازمة، دائمة، واضحة الحدود، بل هي ـ في الغالب ـ مُتَموّجة في حدود تقاطعها مع "الأكثرية"، بمعنى أن صفة القلة والكثرة نسبية في أكثر أحوالها هنا، فمثلا، هل العرب كسلالة يُعدّون أكثرية في العالم العربي؟ وإذا كانوا أكثرية، فثمة عرب عرقيون/ سلالة، وفي الوقت نفسه مسيحيون، فهل يُصنّفون هنا في سياق "الأكثرية العربية"، أم في سياق "الأقلية المسيحية"؟

وحتى في حدود التصنيف المرتبط بالجغرافيا القطرية، تتغير حال هذه الهويات، من "أكثرية" إلى "أقلية"، والعكس صحيح. فالمسيحيون وإن كانوا أقلية في عموم العالم العربي، إلا أنهم في لبنان مثلا ليسوا أقلية، والشيعة أقلية في مصر، إلا أنهم في العراق أكثرية. كما أن الموقع الذي تحتله الأقليات يختلف من حيث النفوذ والهيمنة، فالعلويون في سوريا أقلية، ولكن هم المتحكمون بالسلطة منذ أكثر من نصف قرن، مقابل أكثرية سنية، ومقابل أقليات أخرى من المسيحيين والدروز والإسماعيلية، وما تفرّع عنهم من طوائف أخرى.

العالم العربي يحتضن ثراء استثنائيا في هذا المجال. لكن، للأسف، كل هذا الثراء، كل هذا التنوع الذي كان يجب أن يكون محل فخر واعتزاز وترحيب، ليس هو محل فخر واعتزاز وترحيب في الغالب. كثيرون ـ على مستوى الأنظمة الحاكمة، وعلى مستوى المُشَرّعين، وعلى مستوى المفكرين، وعلى مستوى المتنفذين المجتمعيين، وعلى مستوى الأغلبية الساحقة من رجال الدين ـ ينظرون إلى هذا التنوع بقلق، كثيرون ينظرون ـ على الدوام ـ إلى كل هذا التنوع كإشكالية/ كمشكلة/ كأزمة مزمنة، كحالة سلبية يجب تجاوزها، تجاوزها؛ لا بتقبلها وتفعيلها إيجابيا، بل بمحاولة تأطيرها وضبطها في سياق الهوية الأحادية التي يرون أنها لابد أن تسود على المستوى العرقي/ السلالاتي، وعلى المستوى الديني والمذهبي، وعلى المستوى اللغوي، وعلى المستوى الثقافي.

وإذا كانت مسألة هذا "التنوع الأقلوي" لم تأخذ نصيبها من حيث التعامل الجِدّي الإيجابي معها منذ بداية تشكّل الأقطار/ الدول العربية نهاية الحرب العالمية الأولى، أي منذ مئة عام (بل على العكس كانت ـ في أفضل الأحوال! ـ محل إهمال وتجاهل وتعمية، وتهميش متعمّد)، فإن الأمر أخذ بُعْدا أكثر مأساوية مع انتشار الفوضى والحروب الأهلية في بعض الدول العربية الغنية بهذا التنوع الهُويّاتي الجميل.

وإذا كان الصراع العربي الإسرائيلي قد تسبّب في هجرة اليهود من العراق ومصر(وفقدت مصر والعراق بذلك الشيء الكثير)، فإن الفوضى والحرب الأهلية في سوريا والعراق قد جعلت وجود هذه الأقليات على مَحكّ تهديدٍ حقيقي، مباشر وغير مباشر، فبعضهم تعرض للقتل والتهجير القسري، وبعضهم اختار الهجرة طوعا بدافع الخوف وعدم الأمان، حيث لم يعد يأمن على شيء؛ لا على الذات، ولا على الممتلكات، ولا على الحريات؛ مع شيوع العداء للأقليات، وتحولها إلى أهداف سهلة للجماعات المتطرفة؛ حتى لقد تضاءلت أعداد المسيحيين في العراق ـ مثلا ـ إلى أرقام مقلقة (لا توجد إحصائيات معتمدة، بل هي مضطربة، ولكنها في العموم تؤكد انحسارا كبيرا قد يلغي الحضور الفاعل للمسيحيين)، تشي بما هو أكثر، أي بمستقبل متشائم لكل هذه الأقليات على وجه العموم. ما يعني تهديد ثراء التنوع والاختلاف ـ ومن ثَمَّ؛ الانفتاح ـ من الأساس.

إذن، ثمة خطر حقيقي، لا على هذه "الأقليات" فحسب، وإنما أيضا على "الأكثريات"، أي على العالم العربي ككل، متمثلا في إصمات العالم العربي على هوية واحدية، هوية متفردة، تنتفي معها الهويات الأخرى، أو تتضاءل جدا؛ إلى درجة التحول إلى هوامش لا تتوفر على أدنى قدر من الفاعلية المعتبرة في السياق الاجتماعي والثقافي والاقتصادي. وإزاء هذا الخطر، يجب التكاتف على كل المستويات ـ الثقافية والدينية والرسيمة/ الأمنية ـ لتوفير الحماية الكافية (الحماية بأوسع معانيها: التي تجعل الأمان حقيقة، والكرامة موفورة، والمستقبل واعد) لكل هذه الأقليات التي هي جزء أصيل من المكونات البشرية لعالمنا العربي، ومصدر ثراء، ثراء بذاتها، وثراء بما يعنيه حضورها من تأكيد واقعي عملي على الانفتاح الديني والمذهبي والعرقي واللغوي والثقافي.

 

-----------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).