Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

الأقليات في العالم العربي

04 مايو 2021

بقلم: محمد المحمود 

تحمل المجتمعاتُ المُصْمتةُ، المجتمعاتُ المُكَوّنة من هوية عِرْقية/ سُلاليّة، ودينية ولغوية وثقافية واحدة، تصورا انغلاقيا تحيّزيا إقصائيا بالضرورة؛ مهما حاولت التمظهر ـ من وراء ذلك ـ بالانفتاح وتقبّل الآخرين. صحيح أنها تبقى أفضل ـ في معظم أحوالها ـ من المجتمعات التي هي كذلك، ولكنها تُضِيف/ تَزيد الفخرَ والاعتدادَ بهذه الواحدية الهوياتية، وتشتغل عليها تعزيزا وتأكيدا، وترسيما للمستقبل؛ إلا أن سِمَة الانغلاق تنتظم هؤلاء وهؤلاء في كل الأحوال، حتى وإن كان الصنف الأخير هو الأبعد عن الشفاء من أمراض العنصرية والتعصب والإقصاء.

حتى النظام المكتوب دستوريا وقانونيا لا يستطيع اختراق هذه الانغلاقية التي تدفع إليها ـ ذاتيا ـ أحاديةُ الهوية؛ مهما كانت درجة انفتاحه واستيعابه للآخرين، إذ الواقع المادي المتمثل في مكونات المجتمع المتماثلة/ المتطابقة، الفاقدة للتنوع والاختلاف، هي ما ستحكم "واقع الحال"، وتقفز على الأنظمة والقوانين في نهاية المطاف. ولعل هذا أوضح ما يظهر في الديمقراطيات الشرق أقصوية التي ظلت ـ رغم تمظهرها الديمقراطي ـ ذات نكهة خاصة، قد لا تُلغِي واقعةَ الديمقراطية كآلية تدبير تسالميّة؛ لكنها لا تمنحها أحدَ أهم أبعادها الحيوية، من حيث كونها/ الديمقراطية، آليةَ انفتاح، وتقبّل للآخر، وتشارك على سبيل العدالة، عدالة الفرص المتاحة، بل على العكس، ظلت تنفي بقوة ضغط مكونات الواقع هذا البعد؛ فتُظهِر ديمقراطيةً غير نابضة بالرؤية الإنسانية التي هي جوهر المُحَفّز الديمقراطي.

مثلا، تجد اليابانَ، وهو أكثر بلاد الشرق الأقصى تقدما، وأكثره غنى، وأقدمه في الاشتغال على مسارات التحديث، مجتمعا مغلقا؛ على الرغم من كونه بلدا ديمقراطيا على مستوى شكل النظام السياسي. هذا البلد النموذج للتقدم والتحديث والتنظيم في تصوّر كثيرين، ديمقراطيته ليست ديمقراطية! ديمقراطيته تكاد تكون من نوع خاص، نوع يفتقد التغيير الحيوي والتنوع والاختلاف والحقيقي؛ بقدر ما يفقد المجتمع الياباني ذاته ثراءَ التنوع الهوياتي. ولهذا، لن تجد في التشكيلة السياسية/ الإدارية لليابان (لا في مناصب كبرى، ولا في عضوية أحزاب)، أي فرد ينتمي إلى عِرْقيات أخرى، لن تجد فردا من أصول أوروبية أو أفريقية أو هندية أو عربية في منصب وزير أو وكيل وزارة، أو مديرا عاما...إلخ، لن تجد مهاجرا من هؤلاء يجد أبواب المجتمع مفتوحة له للعيش والانتماء وتحقيق الآمال؛ كما هو الحال في المجتمعات الغربية التي تمتلك ثراء التنوع منذ أمد طويل.   

التباينات العرقية/ السلالية، والتباينات الدينية والمذهبية، وكذلك اللغوية والثقافية...إلخ أنماط التنوع، هي ثراء مجتمعي، لا يمنح المجتمع فرصة الاستفادة من كل هذه المتنوعات، ولو على سبيل توظيفها كقنوات تواصل فحسب، وإنما هو أيضا ثراء بما يحمله من منطق متضمن، أي جعل الانفتاح والتعددية، ومن ثم التسامح وتقبل الآخر (تقبله كجزء أصيل من الأنا وليس كآخر)، واقعَ حال، وليس فرضية ثقافية، ولا مشروع نظام برسم الإقرار؛ ينتظر التطبيق، وتمتحنه منذ بداياته كفرضية إلى نزوله تطبيقا في الواقع العملي كثيرٌ من العقبات والمعوقات.

المجتمعات العربية، ومنذ أقدم العصور، تحظى بكثير من التنوع الهُويّاتي. التنوع في منطقة الشرق الأوسط عموما يكاد يكون هو الأصل؛ لأنها منطقة حضارات متداخلة ومتراكمة، ومنطقة ثقافات متحولة/ متغيرة، ومنطقة ديانات متنافسة؛ كما هي منطقة عبور لكثير من الغزوات والهجرات على امتداد التاريخ؛ حيث الموقع الجغرافي هو ملتقى الطرق بين أهم الفضاءات الجغرافية البشرية في العالم القديم.  

العالم العربي، ورغم محاولة كثيرين دمغه بهذه الصفة: "العربية"، ورغم كونه عربي الثقافة في العموم، إلا أنه عالم يموج بكثير من الأعراق التي لا تنتمي إلى السلالة العربية/ العرق العربي. يُوْجد العربُ عرقا، وهم الذين احتكروا المكان على مستوى التسمية، كما يُوْجد: الكرد، والبربر/ الأمازيغ، والأرمن، والشركس، والزنوج، والنوبة، البلوش، والتركمان، والسريان...إلخ. وبعض هذه الأعراق ليست طارئة، ولا هي مُتَطفّلة، بل هي أصيلة، وقديمة قدم الإنسان على هذه الأرض، بل هي في كثير من المناطق أقدم من الحضور العربي بآلاف السنين، وفي بعضها هي الأصل، هي صاحبة المكان، بينما العربي هو الطارئ العابر ذات يوم مع قوافل الاستعمار العربي المجيد.

أيضا، يموج هذا العالم العربي بتنوع ديني ومذهبي أصيل، قد يتقاطع مع ذلك التنوع العرقي، وقد يستقل عنه؛ في تداخلات معقدة يصعب حصرها. وبالتأكيد، العالم العربي ليس عالما إسلاميا بالكامل، لا تاريخيا ولا واقعا؛ مع أن كثيرين يحاولون التعامل معه كعالم إسلامي أحادي الهوية الدينية، وكأن غير المسلمين بضع مئات أو بضعة آلاف، أو كأنهم وجود طارئ عابر، إن وجدوا؛ فسرعان ما سيرحلون في أقرب فرصة إلى بلد ما، هو بلدهم الأول، بلدهم الأصيل؛ أي كأنهم ليسوا ـ في أكثريتهم ـ وجودا أصيلا سابقا حتى على وجود الإسلام!  

صحيح أن المسلمين بطوائفهم ومذاهبهم وطرقهم الصوفية المتعددة هم الأكثرية الغالبة، ولكن، ثمة أديان أخرى حاضرة بقوة، بعضها بالملايين. يوجد المسيحيون: المسيحيون الأقباط في مصر حوالي عشرة ملايين، أي بحجم دولة عربية كبيرة كالأدن أو تونس، كما يوجد مسيحيون بطوائف متعددة/ متنوعة؛ منذ ما قبل الإسلام، في كل من سوريا ولبنان والعراق والأردن والسودان. وأيضا يوجد اليهود ـ بطوائفهم المتعددة ـ، والصابئة، والسريان، والأيزيديين، وبعض الوثنيين، فضلا عن اللاّدينيين.   

إن هذه "الأقليات" ليست على الدوام، ولا على كلّ صور التقسيم، "أقلية"؛ كما أنها ليست أقليات مفتعلة؛ كما يحاول كثير من المتعصبين للهوية الأحادية الإيحاء بذلك. هذه الأقليات، هي حقيقة واقعية صلبة، وهي ليست طارئة، بل أصيلة (باستثناء طوائف قليلة جدا كالأرمن الذين هاجروا إلى الشام والعراق بعد مذابح العثمانيين)، كما أنها ليست أقليات بالأصالة، أي ليست "أقليتها" صفة لازمة، دائمة، واضحة الحدود، بل هي ـ في الغالب ـ مُتَموّجة في حدود تقاطعها مع "الأكثرية"، بمعنى أن صفة القلة والكثرة نسبية في أكثر أحوالها هنا، فمثلا، هل العرب كسلالة يُعدّون أكثرية في العالم العربي؟ وإذا كانوا أكثرية، فثمة عرب عرقيون/ سلالة، وفي الوقت نفسه مسيحيون، فهل يُصنّفون هنا في سياق "الأكثرية العربية"، أم في سياق "الأقلية المسيحية"؟

وحتى في حدود التصنيف المرتبط بالجغرافيا القطرية، تتغير حال هذه الهويات، من "أكثرية" إلى "أقلية"، والعكس صحيح. فالمسيحيون وإن كانوا أقلية في عموم العالم العربي، إلا أنهم في لبنان مثلا ليسوا أقلية، والشيعة أقلية في مصر، إلا أنهم في العراق أكثرية. كما أن الموقع الذي تحتله الأقليات يختلف من حيث النفوذ والهيمنة، فالعلويون في سوريا أقلية، ولكن هم المتحكمون بالسلطة منذ أكثر من نصف قرن، مقابل أكثرية سنية، ومقابل أقليات أخرى من المسيحيين والدروز والإسماعيلية، وما تفرّع عنهم من طوائف أخرى.

العالم العربي يحتضن ثراء استثنائيا في هذا المجال. لكن، للأسف، كل هذا الثراء، كل هذا التنوع الذي كان يجب أن يكون محل فخر واعتزاز وترحيب، ليس هو محل فخر واعتزاز وترحيب في الغالب. كثيرون ـ على مستوى الأنظمة الحاكمة، وعلى مستوى المُشَرّعين، وعلى مستوى المفكرين، وعلى مستوى المتنفذين المجتمعيين، وعلى مستوى الأغلبية الساحقة من رجال الدين ـ ينظرون إلى هذا التنوع بقلق، كثيرون ينظرون ـ على الدوام ـ إلى كل هذا التنوع كإشكالية/ كمشكلة/ كأزمة مزمنة، كحالة سلبية يجب تجاوزها، تجاوزها؛ لا بتقبلها وتفعيلها إيجابيا، بل بمحاولة تأطيرها وضبطها في سياق الهوية الأحادية التي يرون أنها لابد أن تسود على المستوى العرقي/ السلالاتي، وعلى المستوى الديني والمذهبي، وعلى المستوى اللغوي، وعلى المستوى الثقافي.

وإذا كانت مسألة هذا "التنوع الأقلوي" لم تأخذ نصيبها من حيث التعامل الجِدّي الإيجابي معها منذ بداية تشكّل الأقطار/ الدول العربية نهاية الحرب العالمية الأولى، أي منذ مئة عام (بل على العكس كانت ـ في أفضل الأحوال! ـ محل إهمال وتجاهل وتعمية، وتهميش متعمّد)، فإن الأمر أخذ بُعْدا أكثر مأساوية مع انتشار الفوضى والحروب الأهلية في بعض الدول العربية الغنية بهذا التنوع الهُويّاتي الجميل.

وإذا كان الصراع العربي الإسرائيلي قد تسبّب في هجرة اليهود من العراق ومصر(وفقدت مصر والعراق بذلك الشيء الكثير)، فإن الفوضى والحرب الأهلية في سوريا والعراق قد جعلت وجود هذه الأقليات على مَحكّ تهديدٍ حقيقي، مباشر وغير مباشر، فبعضهم تعرض للقتل والتهجير القسري، وبعضهم اختار الهجرة طوعا بدافع الخوف وعدم الأمان، حيث لم يعد يأمن على شيء؛ لا على الذات، ولا على الممتلكات، ولا على الحريات؛ مع شيوع العداء للأقليات، وتحولها إلى أهداف سهلة للجماعات المتطرفة؛ حتى لقد تضاءلت أعداد المسيحيين في العراق ـ مثلا ـ إلى أرقام مقلقة (لا توجد إحصائيات معتمدة، بل هي مضطربة، ولكنها في العموم تؤكد انحسارا كبيرا قد يلغي الحضور الفاعل للمسيحيين)، تشي بما هو أكثر، أي بمستقبل متشائم لكل هذه الأقليات على وجه العموم. ما يعني تهديد ثراء التنوع والاختلاف ـ ومن ثَمَّ؛ الانفتاح ـ من الأساس.

إذن، ثمة خطر حقيقي، لا على هذه "الأقليات" فحسب، وإنما أيضا على "الأكثريات"، أي على العالم العربي ككل، متمثلا في إصمات العالم العربي على هوية واحدية، هوية متفردة، تنتفي معها الهويات الأخرى، أو تتضاءل جدا؛ إلى درجة التحول إلى هوامش لا تتوفر على أدنى قدر من الفاعلية المعتبرة في السياق الاجتماعي والثقافي والاقتصادي. وإزاء هذا الخطر، يجب التكاتف على كل المستويات ـ الثقافية والدينية والرسيمة/ الأمنية ـ لتوفير الحماية الكافية (الحماية بأوسع معانيها: التي تجعل الأمان حقيقة، والكرامة موفورة، والمستقبل واعد) لكل هذه الأقليات التي هي جزء أصيل من المكونات البشرية لعالمنا العربي، ومصدر ثراء، ثراء بذاتها، وثراء بما يعنيه حضورها من تأكيد واقعي عملي على الانفتاح الديني والمذهبي والعرقي واللغوي والثقافي.

 

-----------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

د. توفيق حميد

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).