Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

صحافي في متاهة الأدغال الإفريقية

10 مايو 2021

بقلم: عبد الرحيم التوراني

توفي هذا الأسبوع بمستشفى "لاريبوازيير" في باريس واحد من أشهر الصحفيين العرب، بعد إصابته بفيروس كورونا. هو الفرنسي من أصل تونسي الصحفي بشير بن يحمد، عن عمر 93 عاما، العمر نفسه الذي عاشه الصحفي المصري محمد حسنين هيكل (رحل سنة 2016). ولو أن كليهما جمعتهما المهنة والانتماء إلى البلاد العربية، وتقاطعت أبعاد كثيرة في مساريهما. إلا أن نقاطا شتى فرقت بين الاثنين، أولها لغة الكتابة، وصِلَةُ كل منهما بالسلطة في ارتباطها بالصحافة، وأكثر من هذا وذاك، المدرسة الصحفية التي انحاز كل واحد إليها، وهما مدرستان مختلفتان حد التعارض. 

بين هيكل وبن يحمد

عرف المصري محمد حسنين هيكل بآرائه وغزارة كتاباته المؤثرة، وقد وصف بعد رحيله بـ"صحفي القرن". هو الوصف ذاته الذي ألقاه الناعون على الراحل بشير بن يحمد. بما فرضه الرجلان من حضور وازن في الساحة الإعلامية والسياسية، في بعدها الإقليمي والقاري والدولي. فكانا معا من الشخصيات المثيرة للجدل، طبيعي أن يشكل غيابهما خسارة كبيرة لدنيا الصحافة وللوسط السياسي. يكفي استعراض الأحداث والشخصيات الكبيرة التي عرفها العالم منذ الستينيات ، لنقترب شيئا ما من زمن الرجلين والعلاقات المتشعبة التي نسجها كل واحد منهما مع دوائر صنع القرار في كبريات العواصم، في إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا إلى الاتحاد السوفييتي السابق. 

كان هيكل مقربا من النظام في مصر، وتولى وزارة الإرشاد القومي (الإعلام) في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، ولم يقطع شعرة معاوية مع من خلفوه. 

بشير بن يحمد كان أيضا مقربا من النظام التونسي، وشغل منصب وزارة الإعلام، (بنفس الاسم: الإرشاد القومي)، وما أن لبث أن صار مقربا من معظم الأنظمة الإفريقية، ومن دولة فرنسا التي استقر وعاش بها وتزوج امرأة من بناتها، وأنجب ولديه اللذين أورثهما مهنة الصحافة. 

ارتبط هيكل بالرئيس جمال عبد الناصر وظل معه حتى ساعاته الأخيرة. في المقابل ارتبط بشير بن يحمد بالرئيس الحبيب بورقيبة، لكن سرعان ما ابتعد عنه، وكان أصغر وزراء الزعيم (28 سنة) ليختار خدمة بلاط صاحبة الجلالة. 

كان هيكل كثير الحضور في وسائل الإعلام، بخلاف بن يحمد قليل الظهور الذي لا يحضر إلا عبر مقالاته وافتتاحياته في "جون أفريك" بعنوان: "هذا ما أؤمن به"، وهي افتتاحيات متفاوتة في الوضوح والصراحة، أو في درجات الترميز ولغة بياض ما بين السطور. 

وإذا كان هيكل يتوجه إلى جمهور القراء في الوطن العربي، كما كان يتقن اللغة الإنجليزية، لذلك كان تحاوره الإذاعات والقنوات الأنجلوسكسونية، وكانت الصحافة الغربية عموما تترجم مقالاته وآرائه. فإن بن يحمد بحكم لغته وثقافته الأساسية يتوجه إلى القراء الفرنكفونيين في المغرب العربي والبلدان الإفريقية الناطقة باللغة الفرنسية. 

وكان هيكل قوميا عربيا ناصريا، أما بن يحمد فكان مقربا من "الاشتراكيين الديمقراطيين"، سرعان ما حول مجلته إلى منبر للدولة الفرنسية التي منحته جنسيتها بعد أن وصلها قادما من روما. 

مجلة مرجعية

تنافست وسائل إعلام عربية ودولية عديدة على تمجيد الراحل بن يحمد، وتناولت شخصيته المتعددة الأبعاد وعلاقاته المتشعبة التي جعلته مثار جدل كبير. وبحكم قربه من الدوائر العليا بفرنسا وبأكثر من بلد افريقي وعربي كان بن يحمد مطلعا على أسرار دولية كثيرة، ونأمل أن يكون قد خط بعضا منها في مذكراته التي ستنشر قريبا، وأن لا يكون الكتمان هو لبنات الامبراطورية الإعلامية التي شيد بها مجموعة "جون أفريك" التي صارت مصدرا هاما تعتمد على أخبارها الخاصة وتحليلاتها وكالات الأنباء العالمية التي تعتبر مجلة بشير بن يحمد مرجعاً مطلعاً ومقربا من أصحاب القرار في افريقيا الفرنكفونية وفي المغرب العربي. 

معارض الحكم الفردي!  

عندما يحكي بن يحمد عن بداياته، كان يحب أن يذكر سبب ابتعاده عن دواليب السلطة في بلده الأصلي، وهو انفراد بورقيبة بالحكم، لقد تبين له مبكرا أنه يعمل إلى جانب شخصية تتحول بشكل متسارع نحو الدكتاتورية، في ظل صراع الحبيب بورقيبة مع خصمه صالح بن يوسف، (أحد أبرز قادة الحركة الوطنية التونسية، اغتيل في 1961 بألمانيا). وكانت النقطة التي أفاضت الكأس هي مقال نقدي كتبه بن يحمد ضد الحكم الفردي، فحصلت الاستقالة من منصبه الوزاري، ليذهب بعيدا ويعتنق الصحافة. ولأن "كل الطرق تؤدي إلى روما" حط بشير بن يحمد الرحال بها أولا، قبل أن ينتقل إلى باريس. 

لكن المفارقة هي أن بشير بن يحمد سيصبح من أكبر مناصري الانقلابات العسكرية التي شهدتها القارة الإفريقية. منحازا إلى صحافة ممولة. وقد بالغت "جون أفريك" كما يقول البعض في نشر هذه الصنف الدعائي. 

إلا أن بشير بن يحمد كان ذكيا في لجوئه إلى خط تحريري لا يغالي في نبذ الحياد وكل أخلاقيات العمل الصحفي، محافظا على قدر من الاتزان في تحليل ومعالجة الأحداث السياسية الإقليمية والدولية، واستطاع إلى حد كبير أن يبقي على توازن مجلته واستمرار صلتها بالنخب المؤثرة في المجتمع، دون أن يفقد جميع قرائه المنتمين إلى تيارات سياسية متعددة. رغم التقلب في المواقف، فالمجلة تنشر هذا الأسبوع ما كانت تعارضه قبل أسابيع أو أشهر مضت. بمعنى أن "جون أفريك" كان تجيد المشي فوق الحبل الرفيع الواصل ما بين الصحافة والسياسة. هكذا كانت مقالاتها وتقاريرها وأغلفتها تتسم بالمهنية وبالإبداع والتجديد في الشكل والتصميم. وتوفر لها ذلك بفضل أقلام صحفية وكتاب لامعين لعبت أسماؤهم دورا في إشعاع المجلة. 

صديق مستشار الشؤون الإفريقية

يقول د.عبد الصمد محيي الدين، وكان في وقت ما من كتاب "جون أفريك"، أنه لا وجود لخطوط حمراء في "جون أفريك" لا يمكن للصحفي والكاتب الاقتراب منها، أو مصلحة تفرض عليه حجب بعض الحقائق. إلا "أن بشير بن يحمد كان مع أجندة السياسة الفرنسية في ما يسمى "إفريقيا الفرنسية"، وكان ينشر ما يحصل عليه من جاك فوكار (1913 - 1997)، وهو كبير مستشاري الرؤساء الفرنسيين للشؤون الإفريقية، المتخصص في العمليات السرية في إفريقيا والمتورط في العديد من الانقلابات في القارة خلال الستينيات". 

لذلك لم تنتقد "جون أفريك توجهات الدولة الفرنسية وسياساتها الاقتصادية ومشاريعها الإيديولوجية واللغوية في مستعمراتها السابقة بإفريقيا. "كما لم يسمح بن يحمد لأحد من العاملين معه بذلك"، يضيف محيي الدين. ورغم أنه كان يعين رؤساء تحرير للمجلة، إذ تولى رئاسة تحرير "جون أفريك" عدد من الصحفيين العرب والفرنسيين، كان أولهم الصحفي التونسي محمد بن إسماعيل، وآخرهم الفرنسي فرانسوا سودان، إلا أن بن يحمد كان هو رئيس التحرير الفعلي، لا يمكن أن يمر أي شيء في المجلة من دون موافقته.  

مضاهاة الإكسبريس

كان بشير بن يحمد معجبا بأسبوعية "الإكسبريس" الباريسية، فعمل في نوفمبر سنة 1961 على إنشاء مجلة "جون أفريك" (إفريقيا الفتية) على منوالها، بشراكة مع شيوعي تونسي (المحامي عثمان بن عليّة) برأسمال لم يتجاوز الألف دينار، ثم طوّرها بعد اقتنائه لأسهم بن عليّة، لتصبح مجموعة كبيرة تلعب دورًا محوريًّا في صناعة الأحداث وتوجيهها في افريقيا والمغرب العربي، وتصدر عنها عدة مطبوعات، من أهمها شهرية "أفريك ماغازين" التي انطلقت عام 1983، وفي 2006 نشر مجلة "المجلة".  

من بين الأسماء التي كتبت في "جون أفريك": الفرنسي جان دانيال، والتونسية درة بن عياد، والفرنسية جوزي فانون زوجة الطبيب والمناضل الأممي فرانز فانون (انتحرت سنة 1989 في الجزائر)، والمغربي حميد برادة، والمغربية زكية داوود، والسينغالي سيراديو ديالو،‏ والتونسية صوفي بسيس، والتونسي عبد العزيز الدحماني، والفرنسي فرانسوا سودان، والمغربي محمد السلهامي، واللبناني أمين معلوف. 

بين المغرب والجزائر

لم تكن علاقة "جون أفريك" بالمغرب علاقة طبيعية، غالبا ما تعرضت الأسبوعية للحجز ولم يسمح بوصولها إلى قرائها العديدين بهذا البلد. واتسمت حكايتها المغربية بالشد والجذب. وكان للنزاع بين المغرب والجزائر والقائم حول قضية الصحراء منذ قرابة نصف قرن، في صالح مجلة بن يحمد، وأصبحت "جون أفريك" تنشر في الغالب مقالات مؤيدة للطرح المغربي. إذ اقتنع بن يحمد بمغربية الصحراء، كما صرح. وهو ما أزعج قادة الجزائر. ومن المصادفات أنه في يوم رحيله توصلت "جون أفريك" برسالة احتجاج من محمد عنتر داود السفير الجزائري في باريس ضد نشر المجلة لخارطة المغرب متضمنة الأقاليم الصحراوية.  

لم تستطع المجلة الفرنكفونية الأخرى مجاراتها، رغم احتضانها من طرف النظام الجزائري، وهي مجلة "أفريك أزي" المتخصصة في حركات التحرر، التي أطلقها سليم مالك، صحفي شيوعي من يهود مصر، اشتهر باسم: سيمون مالي، وكان مقترنا بأمريكية يهودية من أصل روسي من أنصار جبهة التحرير الجزائرية، وسيمون مالي هو والد روبيرت مالي الذي يتولى حاليا الملف الإيراني في إدارة جو بايدن. 

يقول بن يحمد أن علاقاته بالقيادة الجزائرية كانت أعمق من ارتباطه بالحسن الثاني، وكان يتفهم الحجز الذي تتعرض له "جون أفريك" في المغرب. وقد لجأ مرة إلى الرئيس الفرنسي جاك شيراك ليتدخل لدى العاهل المغربي لرفع الحظر عن مجلة "جون أفريك". كما أن  بن يحمد كان يعتبر نفسه مقربا من اليسار المغربي الذي يمثله عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي، أما المهدي بن بركة فقد صنفه ضمن المغامرين.  

أول مراسل بالمغرب 

أول مراسل لأسبوعية "جون أفريك" في المغرب كان هو الصحفي محمد السباعي. يحكي السباعي أنه توصل باقتراح العمل مع بشير بن يحمد من صديق تونسي مشترك كان يقيم بالدار البيضاء، واضطر للسفر إلى روما لإنهاء تفاصيل العقد والاطلاع عن قرب على الخط التحريري للمشروع، وفوجئ بلطف بن يحمد وبساطته، إذ كان ينام بمكتب المجلة. و بعد انتقالها إلى فرنسا استمر السباعي مراسلا ثم مديرا لمكتب"جون أفريك" في شارع الجيش الملكي بالدار البيضاء. وبعد أن طلق السباعي مهنة المتاعب للعمل في قطاع المطاعم، استقبل بن يحمد في مطعمه المغربي بنيويورك، وبعدها في مطعم "المنية" بوسط الدار البيضاء. 

كما ربطت بن يحمد علاقات كثيرة مع شخصيات من النخبة المغربية، منهم المهدي بنبركة وعبد الرحمان اليوسفي وعبد الرحيم بوعبيد والفقيه محمد البصري ومحمد الباهي. 

بعد أن انتقل توزيع "جون أفريك" في المغرب من شركة "سوشبريس" التابعة ل"هاشيت" الفرنسية إلى شركة "سبريس" الوطنية، نشأت علاقة ود خاصة بين بشير بن يحمد ومدير "سبريس" الإعلامي محمد عبد الرحمان برادة، تبادلا فيها الزيارات العائلية. يحكي برادة أنه وجد نفسه ذات مرة وسيطا، عندما رافق واحدا من كبار الإعلاميين الخليجيين، وهو رجل أعمال في ذات الوقت، كان ينوي شراء مجموعة "جون أفريك". حصل اللقاء مساء في بيت بن يحمد بباريس، وخلال وجبة العشاء تبادل بن يحمد الحديث مع الضيف الخليجي بلغة شكسبير، ثم طرح الضيف موضوع رغبة الجهة التي يتكلم باسمها في اقتناء المجموعة الصحفية لبشير بن يحمد.  واختصارا لكل المساومات، بادر الضيف معربا إنه يدرك جيدا أن الأمر أرقى من تفاصيل عملية بيع وشراء تجارية، "لذلك نضع بين يديك شيكا أبيض واكتب المبلغ الذي يرضيك مقابل تفويت جون أفريك". 

هنا انعقدت أسارير بشير بن يحمد واعتدل في جلسته وعاد إلى حالته الجدية، ليرد بلطف منتقيا كلماته كما دأب على ذلك، فأجاب محدثه أن المال لا يهمه، وأنه لا يمكن له التخلي عن ولده الذي أنشأه ونماه على يده. ف"جون أفريك" صارت جزءا منه لا يقبل التخلي عنها. 

قبل هذه المساومة، استطاع صحفي إقناع بن يحمد بالتوجه إلى الجمهور العربي بلغة الضاد، فظهرت عن المجموعة في 2004 النسخة العربية من "جون أفريك" برئاسة تحرير الصحفي التونسي الكبير الصافي سعيد، وقد عاش زمنا بالرباط مراسلا لمجلة "كل العرب" الباريسية، وهو اليوم نائب بالبرلمان التونسي، وسبق أن ترشح للانتخابات الرئاسية. 

لكن هذا المشروع لم يعمر طويلا بعد صدور أعداد قليلة. ما يفيد أن بن يحمد كان يستطيع التأثير في النخب العربية بلغة غير اللغة. وكان له ذلك، حيث برزت القضايا العربية في "جون أفريك". 

 

-----------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).