Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

الأداء الدبلوماسي المغربي بعد "تغريدة ترامب"

17 مايو 2021

بقلم: عبد الرحيم التوراني

قبل أزيد من خمس سنوات، في لقاء إعلامي خاص مع أحد وُلاة جهات منطقة الصحراء، كنت من بين حضوره، أذكر أنه في تلك المناسبة حدثنا السيد والي الجهة بمرارة عن النزاع الجزائري - المغربي ومدى انعكاساته السلبية على تطور وتنمية المنطقة المغاربية والعيش المشترك لشعوبها.

ما بقي عالقا بذاكرتي من ذلك اللقاء، هو ما استعرضه المسؤول الإداري أمامنا حول العراقيل التي "تجتهد الجارة الجزائر لنصبها للمغرب"، ومما جاء على لسانه: "إن السياسة الخارجية للجزائر تستند في الأول والأخير على عقيدة عدائية كاملة تجاه بلدنا، وأن كل برامج وجهود الخارجية الجزائرية موجهة لإذكاء النزاع حول الصحراء".

سيجد المتتبع لتطورات النزاع حول الصحراء الغربية، القائم منذ 1975، أن ما سمعناه من المسؤول الإداري المغربي من انتقادات لعمل الخارجية الجزائرية، ينطبق بصورة ما، على عمل الخارجية المغربية، حيث يهيمن الموضوع نفسه على ملفات ومشاريع واستراتيجية هذه الوزارة الأساسية.

ومما يسترعي الاهتمام، أن الأداء الدبلوماسي للخارجية المغربية في الأعوام الأخيرة نشط بشكل كبير باتجاه تعزيز الموقف المغربي في الساحة الدولية، إذ سعى المغرب بجدية كبيرة للتواجد ضمن الدواليب المتحكمة في صناعة القرار داخل المنظمات الدولية الاستراتيجية. بغاية تأكيد "السيادة الشرعية للمغرب على الأقاليم الصحراوية". وتجلى ذلك في مبادرات احتضان المغرب لعدد من الاجتماعات، واللقاءات والمؤتمرات الإقليمية والدولية. منها على سبيل الذكر، فتح المجال أمام الفرقاء المتصارعين في ليبيا، ليتحاوروا في سلسلة اجتماعات متوالية بالصخيرات وبوزنيقة. وهي المبادرة التي حظيت بإشادة دولية واسعة نوهت بدور المغرب وبجهوده للتمكن من إيجاد حل سياسي للأزمة في هذا البلد المغاربي.

في السنوات الأخيرة برز اسم ناصر بوريطة، عندما أسندت إليه مهمة وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة القاطنين بالخارج. وقد تدرج في وظائف ومهام الوزارة حتى تمكن من الوصول إلى قيادتها.

ورغم مساعدة وزيرين منتدبين، الأول مكلف بالتعاون الأفريقي، محسن الجزولي، تكنوقراطي، والثانية مكلفة بملف المغاربة المقيمين بالخارج، مونية بوستة، محسوبة على حزب التجمع الوطني للأحرار. وخلافا لما يشاع، لا يجمعها بوزير الخارجية السابق وزعيم حزب الاستقلال المرحوم امحمد بوستة، سوى اللقب. إلا أنه يجب التنبيه إلى أن السياسة الخارجية مجال محفوظ للمؤسسة الملكية، إذ تعد من الحقائب "السيادية"، وهو تقليد عُرْفي منذ منتصف الستينيات في عهد الملك الحسن الثاني. وتأكيدا لهذا المضمون، يمكن الاستناد إلى "ويكيليكس"، حيث تفيد وثيقة مؤرخة بـ11 ديسمبر 2009، صادرة عن القنصلية الأميركية بالدار البيضاء، تؤكد معطياتها للبيت الأبيض، كون "الملك هو الصانع الوحيد للقرار الدبلوماسي في المغرب".

منذ تعيينه وزيرا منتدبا إلى جانب الوزير صلاح الدين مزوار، حرص الوزير التكنوقراطي ناصر بوريطة على أن يطل بدينامية جديدة، محاولا القطيعة مع الصورة الباهتة والمرتبكة لأداء الدبلوماسية المغربية. وبعد ذهاب مزوار تولى بدله بوريطة المهمة كاملة في حكومة سعد الدين العثماني (أبريل 2017)، وتحول إلى وجه مألوف في المشهد الإعلامي. خاصة بعد رفعه لرهان تدشين عهد جديد من الدبلوماسية المغربية، بأداء يرتقي ليتفاعل مع التحولات الدولية المتسارعة.

ثم بدأنا نرى كيف صار المغرب ينأى عن أسلوب النعامة وسياسة التجاهل تجاه التقارير الدولية المنتقدة، خاصة تلك التي تصدر عن الهيئات والمنظمات الحقوقية، وعلى رأسها منظمة "أمنيستي أنترناسيوال" و"هيومان رايتس ووتش"، وبالأخص في ما يتصل بموضوع الصحراء الغربية.

رغم ذلك فإن مراقبين سياسيين أشاروا إلى أن الدبلوماسية المغربية لم تتجاوز أسلوب "ردود الفعل" عوض ابتكار دبلوماسية استباقية. ونتجت عن ردود الفعل المغربية مجموعة من التوترات، سواء مع بلدان عربية خليجية، مثل الإمارات، قبل وقت. أو مع دول من الاتحاد الأوروبي. وكلما كانت المسألة تتعلق بملف النزاع حول الصحراء، فإن الآلية الدبلوماسية المغربية تستنفر وتضاعف من طاقتها في اتجاه الضغط لتمييل الكفة لصالح الميزان المغربي. ويتطلب ذلك جهودا أكبر للتغلب على دبلوماسية البوليساريو وخلفها الخارجية الجزائرية، والتي تمكنت في السابق، من أن تسجل في أكثر من مكان ومناسبة نقاط تفوق لصالحها ضد المغرب.

لا يجب إهمال الإشارة إلى أن المغرب استطاع كسب معارك دبلوماسية كبرى في ملف الصحراء، منها إحباط مشروع توسيع صلاحيات "المينورسو" بالصحراء لتمتد إلى إنشاء آلية موازية لمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء الغربية. وكانت الولايات المتحدة الأميركية هي من وراء المشروع. أو دفع السويد إلى التراجع عن الاعتراف بجمهورية البوليساريو.

من المؤاخذات على الأداء الدبلوماسي للخارجية المغربية، افتقاره لاستراتيجية واضحة في مواجهته لتحركات جبهة "البوليساريو" المدعومة من قبل الجزائر، التي تمهد للانفصاليين الاستقطاب الدبلوماسي. 

لكن المغرب يبدو اليوم أنه لم يعد يقبل بازدواجية التعامل معه من لدن المنتظم الدولي، حيث يعترفون له بموقعه الجيوستراتيجي كقطب جهوي يتميز بالاعتدال والتسامح، وكشريك استراتيجي في مجالات الاستثمار ومحاربة الإرهاب وفي سياسات الهجرة والتنمية. لكن عندما يحضر ملف قضية الصحراء تنخرط بلدان الاتحاد الأوروبي في لغة تقرير المصير وضرورة إجراء الاستفتاء، بدل ما يدعو إليه المغرب، أي دعم الدينامية "الإيجابية" في ملف النزاع وتأييد حل الحكم الذاتي، خصوصا بعد اعتراف الرئيس الأميركي السابق ترامب بسيادة المغرب على الصحراء الغربية.

في الفترة الأخيرة برز الخلاف مع ألمانيا، وكان ملف الصحراء على رأس التوتر، بين ملفات أخرى. وفوجئ المغاربة بالتصعيد في لهجة الخارجية المغربية، خصوصا تجاه بلد كبير من حجم ألمانيا. وذهبت بعض التدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي حد التنقيص من وزن هذا البلد الذي يقود الاتحاد الأوروبي.

وسرعان ما عاد التوتر من جديد بين المغرب واسبانيا. ولأن طبيعة العلاقة بين الرباط ومدريد تتسم بدرجة قصوى من الحساسية التاريخية والسياسية، فإن إسبانيا غالبا ما تجد نفسها أمام تحديات حالة اختلال تهدد سياستها مع المغرب، وهي سياسة تنحو دائما باتجاه إيجاد حل "عادل وواقعي" للقضية الصحراوية يتماشى مع الموقف الدولي برعاية الأمم المتحدة.

في الشهر الماضي تسرب خبر استضافة إسبانيا زعيم الجبهة الانفصالية البوليساريو ابراهيم غالي، بغاية علاجه في مستشفى بإسبانيا، (دخله باسم مستعار لتلقي العلاج من سرطان في الجهاز الهضمي، وليس للتشافي من كورونا كما ردد الإعلام الجزائري). وتفاقم التوتر مرة أخرى، وبرز التباين من جديد بين إسبانيا والمغرب، لتطفو على السطح جملة من الخلافات، منها الظاهر والخفي، ما تكمن خلفه أسباب تاريخية أو اقتصادية، كوضع مدينتي سبتة ومليلية، وحرب الريف التي استخدمت فيها اسبانيا أسلحة بيولوجية (1921- 1927)، إضافة إلى تراكمات ملف الهجرة.

 كان هذا داعيا كافيا لتستدعي وزارة الخارجية المغربية السفير الإسباني في الرباط للتعبير عن "عدم الفهم والسخط"، والاحتجاج على محاولة التستر على وجود الزعيم الانفصالي في اسبانيا "الملاحق من قبل القضاء والمطلوب للعدالة الاسبانية على خلفية "جرائم الإبادة والإرهاب".
ولأن ملف قضية الصحراء من اختصاص المؤسسة الملكية، فإن الأحزاب لا تستدعى إلا من أجل الإخبار والمباركة والتأييد. في هذا السياق تمت الدعوة على عجل إلى زعماء الأحزاب الممثلة في البرلمان، للاجتماع بسعد الدين العثماني رئيس الحكومة، بحضور وزير الخارجية ووزراء آخرين. إثر هذا اللقاء صدر بيان تمت الإشارة فيه إلى أن السلوك الإسباني المتمثل في استقبال زعيم الانفصاليين، يعدا "أمرا مرفوضا" ويضر بالعلاقات والمصالح المشتركة بين البلدين، و"خطأ يجب الإسراع بتصحيحه عبر تقديم المدعو إبراهيم غالي إلى العدالة".

بالمقابل، سارعت وزيرة الخارجية الإسبانية أرانشا غونزاليس لايا للتأكيد أن إبراهيم غالي "نُقل إلى إسبانيا لأسباب إنسانية بحتة من أجل تلقي الرعاية الصحية"، مشيرة في السياق ذاته إلى أن هذه الخطوة "لن تؤدي لتشويش العلاقات مع المغرب". وشددت وزيرة الخارجية الاسبانية على أن "المغرب بلد جار وصديق وشريك مميز، والعناية الطبية التي يتلقاها غالي لن تكون مزعجة لعلاقاتنا الثنائية". إلا أن الوزير المغربي لم يقتنع بهذا التبرير، وصرح أن بلاده لا زالت تنتظر ردا مرضيا ومقنعا من طرف الحكومة الإسبانية. وتساءل بوريطة حول ما إذ كانت هناك رغبة إسبانية للتضحية بالعلاقات الثنائية من أجل زعيم البوليساريو؟ مشيرا إلى أن المغرب لا يكف عن تقديم دعمه لمدريد في مواجهة الانفصاليين الكتالونيين.

في مستهل هذا العام، أيدت بعض المواقع الإعلامية المغربية منح صفة "رجل السنة" لوزير الخارجية ناصر بوريطة، ففي توليه المنصب تحقق اعتراف ترامب بمغربية الصحراء، ما اعتبر انتصارا جيوسياسيا للمغرب، كان لوقعه زلزال داخل أجهزة النظام الجزائري. كما فتحت أكثر من عشرين دولة قنصليات لها بالصحراء، تتقدمها قنصلية الولايات المتحدة الأميركية بمدينة الداخلة. إلا أن هذه الانتصارات يراها آخرون هدايا مسمومة لاقترانها بالتطبيع مع إسرائيل. ما قلص صورة بوريطة في أعين الكثيرين، خصوصا مع تحركاته تجاه التطبيع. 

ومع تطورات الأحداث الأخيرة في القدس وغزة، ومنع المظاهرات التضامنية مع الشعب الفلسطيني في الشارع المغربي، توارت اجتهادات بوريطة، وها هو المحامي خالد السفياني، من القيادات المغربية البارزة المساندة لكفاح الفلسطينيين، يوجه رسالة مفتوحة عنونها بـ"إلى المدعو بوريطة"، كلماتها قاسية حد التخوين والاتهام ببيع القضية الفلسطينية وقضية الصحراء في آن. إذ يشار إلى أن ناصر بوريطة، بعد تغريدة دونالد ترامب والتطبيع المغربي مع إسرائيل، "أبدى حماسة مبالغ فيها، في التسريع في خطوات التطبيع مع إسرائيل"، وصلت مؤخرا إلى مشاركته في مُؤتمر "أيباك"، أكبر لوبي يهودي داعم للعلاقات الأميركية الإسرائيلية بواشنطن، في تزامن مع الاعتِداءات الإسرائيليّة على القدس وغزة.

لم يفت بوريطة التشديد على "التزام المغرب بقرار التطبيع مع إسرائيل عن قناعة"، قائلا: "سوف نذهب إلى أقصى حد ممكن في تطوير التعاون الثنائي". واغتنم بوريطة المناسبة للتأكيد على أهمية "الحاجة إلى تنسيق العمل كحلفاء، لمواجهة التهديدات الإيرانية، المرتبطة بالأنشطة النووية، وإيران تعمل على زعزعة استقرار شمال أفريقيا وغرب أفريقيا".

وفي سياق عدم تفعيل الإدارة الأميركيّة الجديدة لتعهّدات الرئيس ترامب بالاعتِراف بالسّيادة المغربيّة على الصّحراء، دعت افتتاحية لصحيفة "واشنطن بوست" الإدارة الأميركية الجديدة إلى التريث في تفعيل اعتراف ترامب. كما طالبت السّفيرة الأميركيّة في الأُمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد من مجلس الأمن الدولي السّعي من أجل استِئناف المُفاوضات بين المملكة المغربيّة والبوليساريو، وحثّت على تعيين مبعوث أممي إلى الصّحراء الغربيّة في أسرعِ وقت مُمكن. وهو ما أدى إلى امتعاض دوائر القرار في المغرب، وأرخى بظلاله الرمادية المعيقة لاستنتاج موقف واضح من إدارة الرئيس جو بايدن تجاه ملف الصحراء.

 

-----------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).