Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

مكتبة بمدينة الرباط المغربية
مكتبة بمدينة الرباط المغربية

بقلم: سناء العاجي

 

كان يتحدث عن باحثة شابة. سأل شخص بين الحاضرين عن كتبها، فرد الأول: "تبدو لي سطحية ومغرورة. من الأفضل أن تقرأ لفلان وفلان"...

شيء ما في رده كان مثيرا للفضول، فدفعت محاولة الفهم لأبعد من تلك الجملة العابرة.

سؤال بعد الآخر، أدركت أن هذا الشخص لم يقرأ أي كتاب أو مقال للباحثة موضوع الحديث. بنى "حكمه" الحاسم على انطباع شخصي وعما يقوله الآخرون!

فاجأني الأمر من شخص قارئ متتبع يعتبر نفسه مثقفا... أفهم أن نقرأ لكاتب أو باحث وألا نعجب بكتاباته، أسلوبه، لغته، منهج البحث الذي يعتمد عليه، مواقفه... كما أفهم أن يعتمد أحكامَ القيمة أشخاص بسطاء لم تسمح ظروف تعليمهم وتأطيرهم باحترام الغير والاختلاف وبتقييم الأعمال وليس الأشخاص... لكني أجد صعوبة في البحث عن أعذار لشخص "مثقف" يعطي لنفسه الحق في الحكم على الغير دون اطلاع حقيقي.

أولا، يفترض أن الأعمال التي نقرأها تكون محط تقييم لذاتها: أن تعجبنا، أن تناسب ذائقتنا الفنية، أن تغنينا معرفيا، أن تفيدنا منهجيتها في البحث، إلخ...؛ لا أن تكون مطية نحكم من خلالها على الكاتب\الباحث نفسه! بل الأدهى هنا أن هناك من "يحكم" على الكاتب نفسه بالسطحية والغرور، ليس فقط لأن أعماله أعطته هذا الانطباع (فهو لم يقرأها أصلا)، بل من خلال انطباع فضفاض وعام عنه، حتى دون قراءة.

بكل أسف، هذا السلوك ليس استثنائيا... اليوم، أصبح من السهل إصدار الأحكام على الآخرين دون حرج، بل وإهانتهم، باسم حرية التعبير. إمكانيات التعبير التي تتيحها وسائل التواصل جعلت من السهل، بالنسبة لمعظم الناس، التواصل مع فنان يحبونه، كاتب يقرؤون له، صحافي يتابعونه على التلفزيون... وبدل أن تكون هذه الإمكانية فرصة لإغناء النقاش، أصبحت تعطي للبعض الانطباع بأن كل شيء من حقهم، بما في ذلك الأحكام المتسرعة!

الكتاب والباحثون ليسوا أشخاصا مقدسين فوق الانتقاد. من المؤكد أن من حق الجميع انتقاد إنتاجاتهم أو التعبير عن موقف سلبي منها. لكن هناك أبجديات نحتاج دائما للتذكير بها، لأن الكثيرين لم يستوعبوها بعد في علاقتهم بالآخرين:

يفترض أولا أن ننتقد العمل (فيلم، كتاب، قصيدة، بحث علمي...) لا أن ننتقد منتج العمل (والأدهى أن نُجرح فيه). عدم إعجابنا بعمل فني أو أدبي أو علمي معين لا يعطينا الحق في الحكم على الكاتب\ الفنان\ الباحث الذي قدمه وفي التجريح فيه كشخص.

كما يفترض ببساطة أن نطلع على العمل الذي ننتقده، سواء كان كتابا أو فيلما أو أغنية، قبل أن نتحدث عنه.

تبدو هذه الأمور بديهية، لكن الكثيرين لا يأخذون بها، للأسف، في تقييمهم للآخرين ولإنتاجاتهم الفكرية والفنية والأدبية، بمن فيهم بعض الأشخاص المحسوبين على الميدان الثقافي والفكري أنفسهم.

كيف يعقل أن يصنف المرء نفسه في خانة "المثقفين" وأن يعطي لنفسه الحق في الحكم على كتب لم يقرأها وعلى فاعلين في الميدان العلمي \ الإعلامي \ الفني لم يطالع أعمالهم أو تابع بعضها بشكل سطحي؟

 

-----------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

د. توفيق حميد

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).