Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

تسعى نواكشوط إلى تحقيق نقلة سينمائية عبر هذا المهرجان الدولي
تسعى نواكشوط إلى تحقيق نقلة سينمائية عبر هذا المهرجان الدولي

بقلم: سناء العاجي

الفن النظيف. موضة ابتدعها الإسلاميون في مصر والمغرب (وربما في بلدان أخرى) مع بداية الألفية ليترجموا تصورهم الخاص للفن وللفنانين. تصور تسرب تدريجيا في الإعلام ولدى الجمهور... وللأسف لدى عدد كبير من الفنانين أنفسهم. 

إن كان مفهوما أن تكون هذه الفكرة حاضرة لدى تيارات إيديولوجية لها تصور معين لما يجب أن يكون عليه المجتمع، فكيف يمكننا أن نفسر أن يخلط الفنان نفسه بين فنه... وبين هذه الإيديولوجية؟

بداية من موجة "الفنانات التائبات" اللواتي ارتدين الحجاب مع نهاية التسعينيات واللواتي بدأن في خلعه تدريجيا منذ بضعة سنوات (حلا شيحة، صابرين، شهيرة، وغيرهن) إلى خطابات وخرجات متعددة يعبر فيها عدد من الفنانين والفنانات عن رغبتهم في "التوبة" بعد حين. "إن شاء الله أتوب وأذهب للعمرة"!

مبدئيا، من حق أي فنان أن يقرر اعتزال الفن للأسباب التي تخصه. تماما كما قد يقرر أي شخص التوقف عن ممارسة مهنة معينة، فقد يفقد الفنان حبه لمهنته أو قد تتغير أي ظروف في حياته تجعله يختار الاعتزال. يفترض أن يكون هذا حقا مكفولا للجميع؛ إذ لا يمكنك أن تكون فنانا بالإكراه.

لكن، أن تكون فنانا وأنت تعتبر ما تقوم به رذيلة وتتمنى الاعتزال عن هذه الرذيلة، فهذا يدعو لأكثر من تساؤل.

أي نظرة يحمل هؤلاء الفنانون لمهنتهم ولما يقومون به داخل المجتمع؟ ثم، وهذا الأخطر، أي تصور يتركونه لدى الجمهور والمتتبعين، سواء حين يعبرون عن "حلمهم" و"تمنيهم" "التوبة" مستقبلا، أو حين يعلنون عن "توبتهم" الفعلية، كما فعل منذ بضعة أيام الفنان هاشم البصطاوي في المغرب، الذي أعلن أنه "يتوب" وأنه "بريء أمام الله من كل الأعمال التي اشتغل فيها ويسأل الله أن يغفر لنا جميعا"، كما طلب من متتبعيه حذف صوره السابقة التي يتوفرون عليها.

اتضح لاحقا أن الفنان الشاب مصاب بمرض خطير ولعله يمر من لحظة هشاشة نفسية نستطيع تفهمها. لكن، أن تتبرأ مما كنت تقوم به (كما فعلت سهير البابلي ذات زمن) وأن تطلب من الله المغفرة، فهذا يعني أنك تؤمن في قرارة نفسك أنك كنت تقوم بـ "رذيلة" وبعمل يخالف الدين.

للأسف، تمكن عدد من الفقهاء ومن رواد الإسلام السياسي من ترسيخ تصور مهين للفن وللفنانين. تصور يقدم الفن كرذيلة مقترنة بالشيطان وبالرجس. لكن، أن يساهم الفنانون أنفسهم في ترسيخ هذا التصور، بل وأن يؤمنوا به في قرارة أنفسهم، هو أمر مؤسف. 

المجتمعات لا تتقدم بالصناعة والتجارة والبنيات التحتية والتعليم فقط. كل هذه أمور مهمة. لكن الفن والثقافة والرياضة، كلها عناصر مهمة بقدر أهمية القطاعات السابقة. ليس هناك مجتمع متقدم أهمل الثقافة وبنى أسسه حصريا على الصناعة والبحث العلمي. المجتمعات المتقدمة توفر لمواطنيها بنيات تحتية تحترم كرامتهم، وتضمن تعليما جيدا وقطاع صحة متطور ووسائل نقل جيدة وقطاعات صناعية وخدماتية متطورة... لكنها تهتم بالفن وبالثقافة والرياضة.

على سبيل المثال، حسب تقرير مشترك لكل من وزارتي المالية والثقافة الفرنسيتين، فإن الثقافة تساهم سبع مرات أكثر من قطاع صناعة السيارات، في مجموع الناتج الداخلي الخام لفرنسا.

قد نصادف فنانا يابانيا أو ألمانيا أو روسيا قرر الاعتزال لأسباب تخصه... لكننا لن نسمع من هؤلاء خطابات التوبة والرذيلة. ليس لأن الفنانين المسلمين أكثر تدينا، بل فقط (للأسف) لأننا مجتمعات يخلط فيها الجمهور ويخلط فيها بعض الفنانين أنفسهم بين الفن وبين مفاهيم الخطيئة \ الرذيلة \ الحرام!  

فمتى سنتصالح مع الفن ومع الجمال؟

 

-----------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

د. توفيق حميد

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).