Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

حظوظ النموذج التنموي الجديد في المغرب

30 مايو 2021

بقلم: عبد الرحيم التوراني

 

قبل اجتياح وباء "كورونا" ووصوله إلى المغرب، تصدرت اهتمامات الإعلام الوطني لفظة "فشل النموذج التنموي في المغرب"، وتقدمت على ما دونها من الكلمات والمواضيع.

بقدرة قادر، تحول المطبلون والمزمرون لنجاحات التنمية الوطنية منذ الاستقلال (1956)، من أحزاب وهيئات وجمعيات وكتائب إعلامية، إلى عازفين وراقصين على نغمة "الفشل التنموي" وإلى كورال متحمس يردد "الكوبلي" ذاته . كيف لا والإقرار بالفشل صادر عن أعلى سلطة في البلاد، عن الملك محمد السادس.

تسمية الأمور بمسمياتها

في أكتوبر 2017، جاء الملك إلى البرلمان وأعلن في افتتاح الدورة التشريعية عن نهاية صلاحية النموذج التنموي الذي يتبعه المغرب. قائلا: "إذا كان المغرب حقق تقدما ملموسا، يشهد به العالم، إلا أن النموذج التنموي الوطني أصبح اليوم غير قادر على الاستجابة للمطالب الملحة والحاجيات المتزايدة للمواطنين، وغير قادر على الحد من الفوارق بين الفئات ومن التفاوتات المجالية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية".

ودعا الملك إلى "تسمية الأمور بمسمياتها دون مجاملة أو تنميق واعتماد حلول مبتكرة وشجاعة، حتى وإن اقتضى الأمر الخروج عن الطرق المعتادة أو إحداث زلزال سياسي".

شكل هذا الخطاب حدثا نادرا، وغير مسبوق في المنطقة العربية، لم يُسمع به من قبل بهذا القدر من الصراحة والوضوح، اعتراف بفشل الرهانات الاستراتيجية للدولة، ومن رئيسها. يحدث الآن في المغرب. لكنه خطاب لم يسقط فجأة من سماء، بل أتى في سياق تراكمات وتفاعلات اجتماعية وسياسية، على رأسها الحراكات الشعبية التي اندلعت في عدد من المدن والجهات، تتقدمها الانتفاضة الشعبية لحركة "20 فبراير 2011" التي انبثقت من عمق "الربيع العربي". وبعد "حراك الحسيمة في الريف" بشمال البلاد (2016)، وما تلاه من حراكات مماثلة في جرادة وإيمزرون وأوطاط الحاج وزاكورة وغيرها من المدن، وإثر فشل المشروع الملكي الذي أطلق عليه اسم "الحسيمة منارة المتوسط".

هي الخلاصة الصادمة، التي ظلت المعارضة المغربية في عهد الحسن الثاني، منذ الستينيات والسبعينيات، إلى حدود نهاية التسعينيات، تجهر بها، بل إن أعدادا من ضحايا سنوات الرصاص، ممن أزهقت أرواحهم تحت التعذيب، أو ممن تعرضوا للاختفاء القسري، أو اقتيدوا إلى المعتقلات السرية والسجون والمحاكمات، كانت تهمتهم هي التجرؤ على انتقاد "النموذج" الذي تدار به شؤون البلاد والعباد، وهو ما يُعنى به اليوم "النموذج التنموي". ومن بين هؤلاء معتقلي "حراك الريف" الذين نالوا أحكاما قاسية بالسجن وصلت إلى 20 سنة لعدد منهم، وأيضا صحفيون وأصحاب أقلام حرة.

فجأة، فتحت الأعين المغمضة، واكتشف الكثيرون أن البلاد تسير بسرعتين متفاوتتين. الأولى يضاهي بها المغرب بلدانا متقدمة على مستوى قطاعات معينة، والثانية يتدنى فيها البلد بشكل كبير نحو قعر رتب البلدان المتخلفة، خصوصا ما يتعلق بمستوى عيش الفئات الأوسع من المواطنين في المجتمع، حيث تكمن الاختلالات التنموية وتنعدم العدالة الاجتماعية ولا يتحقق التوزيع العادل للثروة، بل يسود الفساد وتنتشر الرشوة وتتسع مساحات الظلم الاجتماعي.

كورونا تعلق عمل اللجنة

في ديسمبر 2019، أعلن الملك عن إحداث اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي. وعين على رأسها السيد شكيب بنموسى (السفير الحالي للمغرب بفرنسا، ووزير الداخلية السابق).

وانطلاقا من طابعها الاستشاري، تم الإعلان أن اللجنة ستقوم "بتشخيص دقيق وموضوعي للوضع الحالي، بكل صراحة وجرأة وموضوعية، بغية رصد الاختلالات التي يجب تصحيحها وتحديد معالم القوة من أجل تعزيز المكتسبات، في أفق صياغة مقترحات واقعية وقابلة للتنفيذ".

إلا أن جائحة كورونا أخرت عمل اللجنة وحالت دون تقديم رؤيتها في الأجل المرسوم. بل إنها فرضت تمديد فترة المشاورات والمزيد من النقاش. خصوصا وأن الأزمة الوبائية لم تسمح بتوسيع نقاش عمومي مفتوح لبلورة نموذج جديد يستجيب لتطلعات المواطنين. والأكثر من ذلك، هو أن جائحة كورونا كشفت عن أن الدور الأساسي في مواجهتها يعود للدولة. وأن الإلحاح يزيد ويتعمق أكثر على تطوير وتعزيز القطاعات العمومية في الصحة والتعليم وتعميم التغطية الاجتماعية، وتقليص التحديات الاقتصادية والتفاوتات الاجتماعية والمفارقات مجالية. إذ مست ظروف الحجر الصحي فئات واسعة من العاملين في القطاعات غير المهيكلة التي تعيش على مدخولها اليومي. فسنة 2020 اعتبرت الأسوء بالنسبة للاقتصاد المغربي، حيث شهدت توقفا شبه كلي للاقتصاد الوطني، ولم يتجاوز معدل النمو نسبة 1%. ما تسبب في تعليق مؤقت لبرامج "اللجنة المكلفة ببلورة النموذج التنموي الجديد".

فيما اعتبر بعض المحللين الاقتصاديين أن على المغرب استغلال أزمة كورونا وتحويلها إلى فرصة حقيقية من أجل إحداث "رجة حقيقية والتأسيس لمرحلة جديدة، تحدث قطيعة مع الماضي وتفتح آفاقا جديدة". فالمعطيات التي وصلت إليها "اللجنة المكلفة بإعداد النموذج التنموي الجديد" تطلبت إعادة النظر فيها وفق الوضعية الراهنة التي تعيشها البلاد تحت وطأة انتشار الوباء ومخلفاته السلبية التي طالت العديد من القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.

قبلة الموت!

خلال هذه المدة التي طالت، تم تسريب أخبار عن وجود خلافات وتوترات بين أعضاء اللجنة، نجمت عن تجاوز الموعد النهائي وضغط الرأي العام، وأن التقرير النهائي يحتاج إلى تعديلات. وكان التسريب الأكثر إثارة هو أن السفير المغربي بباريس، رئيس اللجنة، قام باطلاع نظيرته هيلين لوغال السفيرة الفرنسية بالرباط على محاور النموذج التنموي. وهو ما خلف جملة من الانتقادات من كل حدب وصوب. وصلت حد شن رواد المواقع الاجتماعية حملة للمطالبة بإقالة بنموسى من مهامه الدبلوماسية والاستشارية، بسبب قيامه بتقديم الحصيلة المرحلية لعمل اللجنة إلى سفيرة فرنسا، قبل تقديمها إلى العاهل المغربي، ما اعتبر مساسا بسيادة المغرب واستقلاليته.

من جملة الانتقادات الحادة التي وجهت إلى "اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد"، ما أدلى به المفكر الاقتصادي نجيب أقصبي، حول سماح المغرب لصندوق النقد الدولي بالمساهمة في عملية صياغة مشروع النموذج التنموي الجديد، إذ وصف أقصبي تصريح السيدة كريستينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، ب"القبلة المميتة" حسب التعبير الفرنسي الذائع. وكانت المسؤولة الدولية أعلنت خلال ندوة صحفية بالرباط، صادفت تاريخ 20 فبراير 2020 (!)، استعداد صندوق النقد الدولي لمساعدة لجنة صياغة مشروع النموذج التنموي في تشكيل رؤيتها الجديدة للمغرب.

وأوضح نجيب أقصبي أن اختيارات صندوق النقد الدولي هي التي كانت وراء إفشال النموذج التنموي، وأن السماح بدخوله في عملية صياغة مشروع النموذج التنموي الجديد سيسمح بتكرار الفشل الذريع الذي أرسته سياساته بالبلاد منذ منذ 50 سنة". وأكد أقصبي، أن "المطلوب من لجنة بنموسى، إذا كانت ستقوم بعمل جدي، هو أن تتخلى كليا عن الاختيارات التي أرستها الدولة بإشراف الصندوق الدولي، مشددا على أن "مصدقية لجنة بنموسى رهين بعملها على القطع مع إملاءات الصندوق التي كانت أحد الأسباب الرئيسية في ضياع غايات التنمية المنشودة ببلادنا".

حقوق الإنسان والتنمية البديلة

كما أحيطت تشكيلة اللجنة (35 عضوا)، ومشاوراتها بانتقادات متفاوتة الحدة. بل إن هناك من أكد مسبقا أنها لجنة فاشلة، وسيكون الفشل مقرونا بنتيجتها، ولن تبلغ تحقيق التطلعات المرجوة من ورائها.

ونظراً لأهمية موضوع حقوق الإنسان وارتباطه بمخطط التنمية، استقبلت لجنة شكيب بن موسى، ممثلين عن "الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان" برئاسة النقيب المحامي عبد الرحمان بنعمرو، حيث سلم الائتلاف مذكرته الخاصة حول الحريات العامة بالمغرب. وتضمن تقريره لجملة النواقص والاختلالات الموجودة في وضعية حقوق الإنسان بالمغرب، التي تشهد - حسب الائتلاف - العديد من الانتهاكات الخطيرة، وأن ما عرفته البلاد من إصلاحات تشريعية تصطدم بالممارسة التي تذكر أحياناً بسنوات الرصاص. وركزت المذكرة على "خطورة التراجعات التي مست الحقوق والحريات بالمغرب في السنوات الأخيرة". دون إهمال تأكيد الأوساط الحقوقية على أهمية التطور الإيجابي لحقوق الإنسان في الاستقرار السياسي والأمني وفي التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

مع العهد الجديد لم تتوقف ممارسات انتهاكات حقوق الإنسان، بدءا من "الهجوم على الحركة الحقوقية والديمقراطية، عبر المنع والحصار والتضييقات المتعددة، والقمع العنيف للحراكات الاجتماعية التي عرفتها بعض مناطق المغرب وما تعرض له نشطاؤها من اعتقالات ومحاكمات جائرة".

اغتنم الائتلاف المناسبة للتعبير بأن الإقرار الفعلي بفشل النموذج التنموي يعود إلى فشل الاختيارات السياسية والاقتصادية للدولة منذ عقود وفشلها في تحقيق التنمية الحقيقية. وهو ما يطرح ارتباط ذلك بفشل الدولة في تنفيذ التزاماتها في مجال حقوق الإنسان. حيث لا تنمية دون احترام الحقوق الأساسية. وأن "البحث في أسباب فشل النماذج التنموي يطرح سؤال الإرادة السياسية التي بغيابها تفقد اللجنة جدوى وجودها ويجعلها رقماً في لائحة اللجان السابقة، فاقتصاد الريع يعد اختياراً للسلطة منذ عقود، سيادة الإفلات من العقاب اتجاه ناهبي المال العام، انتشار الرشوة والفساد المالي في مختلف مناحي الحياة، تشجيع التهريب وغياب المراقبة الفعلية. احتكار كمشة من المنتفعين لمختلف المجالات الاقتصادية والاستحواذ على الثروات الوطنية والاستفادة منها عبر الاغتناء غير المشروع دون حسيب ولا رقيب".

الثقة المفقودة

ولأن القضية تتصل بمسألة استرجاع الثقة الشعبية، ولأن متطلبات التنمية تستدعي إحداث تحولات عميقة في البنيات والمؤسسات والعقليات، يقتضي أولا بناء الثقة بين الدولة والمواطنين وسيادة القانون. وكان من الممكن تصفية الجو السياسي بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وجعل حدّ للاعتقال بسبب الرأي، وعرض ملفات النهب وسوء التدبير على القضاء ورفع كل أشكال التضييق على المجتمع المدني وتحريك الشكايات المرفوعة ضد المسؤولين الأمنيين في قضايا التعذيب وسوء المعاملة وفتح تحقيق في كل القضايا الحقوقية التي التزمت الدولة بفتح تحقيقات بشأنها دون أن يتم ذلك".

أما الأكثر تشاؤما، فرأوا أن تقرير اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد، لا جديد فيه سوى الإلهاء والتلهية، ما لم يتم إسقاط الفساد الذي يمثل ركنا أساسيا من أركان الدولة. وأن "الفساد لا يقوم إلا بتنمية الفساد". ويعطون الأمثلة بما يُمارس من فساد في استغلال وتوزيع الثروات الطبيعية، وشراء الذمم والولاءات وإفساد الحياة السياسية.

تزامنا مع نشر تقرير شكيب بنموسى، أطلق أحد قادة اليسار والمعارضة في المغرب، الأستاذ الجامعي محمد الساسي صرخة إحباط ويأس، طالب فيها بتصفية الجو السياسي وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، وأنهاها ب: "نحن الذين منذ منتصف السبيعينات راجعنا أفكارنا وأطروحاتنا وقمنا يإسقاط أطروحة إسقاط النظام السياسي كشرط للعلمية الديمقراطية... والله لقد أصبحنا ومواقفنا المعتدلة في حرج بكثرة هذه القضايا المسيئة للبلد".

 

-----------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).