Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

حظوظ النموذج التنموي الجديد في المغرب

30 مايو 2021

بقلم: عبد الرحيم التوراني

 

قبل اجتياح وباء "كورونا" ووصوله إلى المغرب، تصدرت اهتمامات الإعلام الوطني لفظة "فشل النموذج التنموي في المغرب"، وتقدمت على ما دونها من الكلمات والمواضيع.

بقدرة قادر، تحول المطبلون والمزمرون لنجاحات التنمية الوطنية منذ الاستقلال (1956)، من أحزاب وهيئات وجمعيات وكتائب إعلامية، إلى عازفين وراقصين على نغمة "الفشل التنموي" وإلى كورال متحمس يردد "الكوبلي" ذاته . كيف لا والإقرار بالفشل صادر عن أعلى سلطة في البلاد، عن الملك محمد السادس.

تسمية الأمور بمسمياتها

في أكتوبر 2017، جاء الملك إلى البرلمان وأعلن في افتتاح الدورة التشريعية عن نهاية صلاحية النموذج التنموي الذي يتبعه المغرب. قائلا: "إذا كان المغرب حقق تقدما ملموسا، يشهد به العالم، إلا أن النموذج التنموي الوطني أصبح اليوم غير قادر على الاستجابة للمطالب الملحة والحاجيات المتزايدة للمواطنين، وغير قادر على الحد من الفوارق بين الفئات ومن التفاوتات المجالية، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية".

ودعا الملك إلى "تسمية الأمور بمسمياتها دون مجاملة أو تنميق واعتماد حلول مبتكرة وشجاعة، حتى وإن اقتضى الأمر الخروج عن الطرق المعتادة أو إحداث زلزال سياسي".

شكل هذا الخطاب حدثا نادرا، وغير مسبوق في المنطقة العربية، لم يُسمع به من قبل بهذا القدر من الصراحة والوضوح، اعتراف بفشل الرهانات الاستراتيجية للدولة، ومن رئيسها. يحدث الآن في المغرب. لكنه خطاب لم يسقط فجأة من سماء، بل أتى في سياق تراكمات وتفاعلات اجتماعية وسياسية، على رأسها الحراكات الشعبية التي اندلعت في عدد من المدن والجهات، تتقدمها الانتفاضة الشعبية لحركة "20 فبراير 2011" التي انبثقت من عمق "الربيع العربي". وبعد "حراك الحسيمة في الريف" بشمال البلاد (2016)، وما تلاه من حراكات مماثلة في جرادة وإيمزرون وأوطاط الحاج وزاكورة وغيرها من المدن، وإثر فشل المشروع الملكي الذي أطلق عليه اسم "الحسيمة منارة المتوسط".

هي الخلاصة الصادمة، التي ظلت المعارضة المغربية في عهد الحسن الثاني، منذ الستينيات والسبعينيات، إلى حدود نهاية التسعينيات، تجهر بها، بل إن أعدادا من ضحايا سنوات الرصاص، ممن أزهقت أرواحهم تحت التعذيب، أو ممن تعرضوا للاختفاء القسري، أو اقتيدوا إلى المعتقلات السرية والسجون والمحاكمات، كانت تهمتهم هي التجرؤ على انتقاد "النموذج" الذي تدار به شؤون البلاد والعباد، وهو ما يُعنى به اليوم "النموذج التنموي". ومن بين هؤلاء معتقلي "حراك الريف" الذين نالوا أحكاما قاسية بالسجن وصلت إلى 20 سنة لعدد منهم، وأيضا صحفيون وأصحاب أقلام حرة.

فجأة، فتحت الأعين المغمضة، واكتشف الكثيرون أن البلاد تسير بسرعتين متفاوتتين. الأولى يضاهي بها المغرب بلدانا متقدمة على مستوى قطاعات معينة، والثانية يتدنى فيها البلد بشكل كبير نحو قعر رتب البلدان المتخلفة، خصوصا ما يتعلق بمستوى عيش الفئات الأوسع من المواطنين في المجتمع، حيث تكمن الاختلالات التنموية وتنعدم العدالة الاجتماعية ولا يتحقق التوزيع العادل للثروة، بل يسود الفساد وتنتشر الرشوة وتتسع مساحات الظلم الاجتماعي.

كورونا تعلق عمل اللجنة

في ديسمبر 2019، أعلن الملك عن إحداث اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي. وعين على رأسها السيد شكيب بنموسى (السفير الحالي للمغرب بفرنسا، ووزير الداخلية السابق).

وانطلاقا من طابعها الاستشاري، تم الإعلان أن اللجنة ستقوم "بتشخيص دقيق وموضوعي للوضع الحالي، بكل صراحة وجرأة وموضوعية، بغية رصد الاختلالات التي يجب تصحيحها وتحديد معالم القوة من أجل تعزيز المكتسبات، في أفق صياغة مقترحات واقعية وقابلة للتنفيذ".

إلا أن جائحة كورونا أخرت عمل اللجنة وحالت دون تقديم رؤيتها في الأجل المرسوم. بل إنها فرضت تمديد فترة المشاورات والمزيد من النقاش. خصوصا وأن الأزمة الوبائية لم تسمح بتوسيع نقاش عمومي مفتوح لبلورة نموذج جديد يستجيب لتطلعات المواطنين. والأكثر من ذلك، هو أن جائحة كورونا كشفت عن أن الدور الأساسي في مواجهتها يعود للدولة. وأن الإلحاح يزيد ويتعمق أكثر على تطوير وتعزيز القطاعات العمومية في الصحة والتعليم وتعميم التغطية الاجتماعية، وتقليص التحديات الاقتصادية والتفاوتات الاجتماعية والمفارقات مجالية. إذ مست ظروف الحجر الصحي فئات واسعة من العاملين في القطاعات غير المهيكلة التي تعيش على مدخولها اليومي. فسنة 2020 اعتبرت الأسوء بالنسبة للاقتصاد المغربي، حيث شهدت توقفا شبه كلي للاقتصاد الوطني، ولم يتجاوز معدل النمو نسبة 1%. ما تسبب في تعليق مؤقت لبرامج "اللجنة المكلفة ببلورة النموذج التنموي الجديد".

فيما اعتبر بعض المحللين الاقتصاديين أن على المغرب استغلال أزمة كورونا وتحويلها إلى فرصة حقيقية من أجل إحداث "رجة حقيقية والتأسيس لمرحلة جديدة، تحدث قطيعة مع الماضي وتفتح آفاقا جديدة". فالمعطيات التي وصلت إليها "اللجنة المكلفة بإعداد النموذج التنموي الجديد" تطلبت إعادة النظر فيها وفق الوضعية الراهنة التي تعيشها البلاد تحت وطأة انتشار الوباء ومخلفاته السلبية التي طالت العديد من القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.

قبلة الموت!

خلال هذه المدة التي طالت، تم تسريب أخبار عن وجود خلافات وتوترات بين أعضاء اللجنة، نجمت عن تجاوز الموعد النهائي وضغط الرأي العام، وأن التقرير النهائي يحتاج إلى تعديلات. وكان التسريب الأكثر إثارة هو أن السفير المغربي بباريس، رئيس اللجنة، قام باطلاع نظيرته هيلين لوغال السفيرة الفرنسية بالرباط على محاور النموذج التنموي. وهو ما خلف جملة من الانتقادات من كل حدب وصوب. وصلت حد شن رواد المواقع الاجتماعية حملة للمطالبة بإقالة بنموسى من مهامه الدبلوماسية والاستشارية، بسبب قيامه بتقديم الحصيلة المرحلية لعمل اللجنة إلى سفيرة فرنسا، قبل تقديمها إلى العاهل المغربي، ما اعتبر مساسا بسيادة المغرب واستقلاليته.

من جملة الانتقادات الحادة التي وجهت إلى "اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد"، ما أدلى به المفكر الاقتصادي نجيب أقصبي، حول سماح المغرب لصندوق النقد الدولي بالمساهمة في عملية صياغة مشروع النموذج التنموي الجديد، إذ وصف أقصبي تصريح السيدة كريستينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، ب"القبلة المميتة" حسب التعبير الفرنسي الذائع. وكانت المسؤولة الدولية أعلنت خلال ندوة صحفية بالرباط، صادفت تاريخ 20 فبراير 2020 (!)، استعداد صندوق النقد الدولي لمساعدة لجنة صياغة مشروع النموذج التنموي في تشكيل رؤيتها الجديدة للمغرب.

وأوضح نجيب أقصبي أن اختيارات صندوق النقد الدولي هي التي كانت وراء إفشال النموذج التنموي، وأن السماح بدخوله في عملية صياغة مشروع النموذج التنموي الجديد سيسمح بتكرار الفشل الذريع الذي أرسته سياساته بالبلاد منذ منذ 50 سنة". وأكد أقصبي، أن "المطلوب من لجنة بنموسى، إذا كانت ستقوم بعمل جدي، هو أن تتخلى كليا عن الاختيارات التي أرستها الدولة بإشراف الصندوق الدولي، مشددا على أن "مصدقية لجنة بنموسى رهين بعملها على القطع مع إملاءات الصندوق التي كانت أحد الأسباب الرئيسية في ضياع غايات التنمية المنشودة ببلادنا".

حقوق الإنسان والتنمية البديلة

كما أحيطت تشكيلة اللجنة (35 عضوا)، ومشاوراتها بانتقادات متفاوتة الحدة. بل إن هناك من أكد مسبقا أنها لجنة فاشلة، وسيكون الفشل مقرونا بنتيجتها، ولن تبلغ تحقيق التطلعات المرجوة من ورائها.

ونظراً لأهمية موضوع حقوق الإنسان وارتباطه بمخطط التنمية، استقبلت لجنة شكيب بن موسى، ممثلين عن "الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان" برئاسة النقيب المحامي عبد الرحمان بنعمرو، حيث سلم الائتلاف مذكرته الخاصة حول الحريات العامة بالمغرب. وتضمن تقريره لجملة النواقص والاختلالات الموجودة في وضعية حقوق الإنسان بالمغرب، التي تشهد - حسب الائتلاف - العديد من الانتهاكات الخطيرة، وأن ما عرفته البلاد من إصلاحات تشريعية تصطدم بالممارسة التي تذكر أحياناً بسنوات الرصاص. وركزت المذكرة على "خطورة التراجعات التي مست الحقوق والحريات بالمغرب في السنوات الأخيرة". دون إهمال تأكيد الأوساط الحقوقية على أهمية التطور الإيجابي لحقوق الإنسان في الاستقرار السياسي والأمني وفي التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

مع العهد الجديد لم تتوقف ممارسات انتهاكات حقوق الإنسان، بدءا من "الهجوم على الحركة الحقوقية والديمقراطية، عبر المنع والحصار والتضييقات المتعددة، والقمع العنيف للحراكات الاجتماعية التي عرفتها بعض مناطق المغرب وما تعرض له نشطاؤها من اعتقالات ومحاكمات جائرة".

اغتنم الائتلاف المناسبة للتعبير بأن الإقرار الفعلي بفشل النموذج التنموي يعود إلى فشل الاختيارات السياسية والاقتصادية للدولة منذ عقود وفشلها في تحقيق التنمية الحقيقية. وهو ما يطرح ارتباط ذلك بفشل الدولة في تنفيذ التزاماتها في مجال حقوق الإنسان. حيث لا تنمية دون احترام الحقوق الأساسية. وأن "البحث في أسباب فشل النماذج التنموي يطرح سؤال الإرادة السياسية التي بغيابها تفقد اللجنة جدوى وجودها ويجعلها رقماً في لائحة اللجان السابقة، فاقتصاد الريع يعد اختياراً للسلطة منذ عقود، سيادة الإفلات من العقاب اتجاه ناهبي المال العام، انتشار الرشوة والفساد المالي في مختلف مناحي الحياة، تشجيع التهريب وغياب المراقبة الفعلية. احتكار كمشة من المنتفعين لمختلف المجالات الاقتصادية والاستحواذ على الثروات الوطنية والاستفادة منها عبر الاغتناء غير المشروع دون حسيب ولا رقيب".

الثقة المفقودة

ولأن القضية تتصل بمسألة استرجاع الثقة الشعبية، ولأن متطلبات التنمية تستدعي إحداث تحولات عميقة في البنيات والمؤسسات والعقليات، يقتضي أولا بناء الثقة بين الدولة والمواطنين وسيادة القانون. وكان من الممكن تصفية الجو السياسي بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وجعل حدّ للاعتقال بسبب الرأي، وعرض ملفات النهب وسوء التدبير على القضاء ورفع كل أشكال التضييق على المجتمع المدني وتحريك الشكايات المرفوعة ضد المسؤولين الأمنيين في قضايا التعذيب وسوء المعاملة وفتح تحقيق في كل القضايا الحقوقية التي التزمت الدولة بفتح تحقيقات بشأنها دون أن يتم ذلك".

أما الأكثر تشاؤما، فرأوا أن تقرير اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد، لا جديد فيه سوى الإلهاء والتلهية، ما لم يتم إسقاط الفساد الذي يمثل ركنا أساسيا من أركان الدولة. وأن "الفساد لا يقوم إلا بتنمية الفساد". ويعطون الأمثلة بما يُمارس من فساد في استغلال وتوزيع الثروات الطبيعية، وشراء الذمم والولاءات وإفساد الحياة السياسية.

تزامنا مع نشر تقرير شكيب بنموسى، أطلق أحد قادة اليسار والمعارضة في المغرب، الأستاذ الجامعي محمد الساسي صرخة إحباط ويأس، طالب فيها بتصفية الجو السياسي وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، وأنهاها ب: "نحن الذين منذ منتصف السبيعينات راجعنا أفكارنا وأطروحاتنا وقمنا يإسقاط أطروحة إسقاط النظام السياسي كشرط للعلمية الديمقراطية... والله لقد أصبحنا ومواقفنا المعتدلة في حرج بكثرة هذه القضايا المسيئة للبلد".

 

-----------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

سناء العاجي الحنفي

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).