Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

لماذا تتضامن الشعوب الغربية معنا؟

07 يونيو 2021

بقلم: كوليت بهنا

يحيل الكثيرون ارتفاع نسبة التفاعل العالمي مع الأحداث الساخنة والتضامن مع بعض القضايا الإنسانية إلى ما وفرته منصات الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، ليس في سهولة تناقل الأخبار وإمكانية التفاعل معها فقط، بل في منح العديد من هذه القضايا فرصتها القدرية للاطلاع على خلفياتها وأسبابها ومعرفة العديد من الحقائق والتفاصيل المتعلقة بها.

وإن كان الأمر صحيح نسبيا، إلا أننا وإلى زمن قريب لم تتوفر أو تتاح فيه مثل هذه الأدوات والتسهيلات، كنا نتابع بالمثل عبر الصحافة الورقية أو التلفزيونية أخبارا للعديد من المظاهرات الشعبية التي تخرج في عدد من العواصم الغربية المؤثرة نصرة لقضية ما وتضامنا مع شعبها، مثل مناهضة حرب قادمة ضد دولة ما، أو الاحتجاج على ممارسات عنفية أو إرهاب دولة ما ضد شعبها، أو المطالبة بمحاسبة الداعمين والمسؤولين عن بعض المظالم المعنية.

مما يؤكد أن يقظة الضمير الإنساني التي تتسم بها العديد من شعوب العالم الغربي ليست بجديدة أو طارئة، وهي يقظة دفعتها دوما للاستجابة لنداء المظلوميات العالمية والقضايا التي لا شكوك تشوب عدالتها والتضامن معها انطلاقا من ثوابت وقيم إنسانية وأخلاقية عليا، لتشكل دوما بممارساتها الديمقراطية واحتجاجاتها السلمية هذه رأيا عاما مناهضا وقوة ضغط يحسب لها ألف حساب، إن لم تترك تأثيرها الفعال والمباشر، يعلم معنيو الحكومات الغربية مدى أثرها اللاحق في تقرير مسار الانتخابات القادمة.

لا تنطلق يقظة ضمير الشعوب الغربية من عنصرية ما، كأن تميز القضايا لأسباب عرقية أو دينية أو غيرها، فالمعني في المطلق هو جوهر القضية بحد ذاته ووضوح انتهاكها إنسانيا، وهو ما يحرك مفهوم التضامن لمواجهة أي تغول أو تطرف ضدها ليشمل مواجهة عنصرية الأفراد والأحزاب اليمينية الغربية بحد ذاتها.

الأمثلة كثيرة في السياق، تبتدىء بالمظاهرات الدولية التي خرجت إبان الاستعدادات للحرب على العراق عام 2003 وانتهاء بالأحداث الأخيرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مرورا بجميع أشكال التضامن التي تترجم من حين إلى آخر إما ببيانات حادة أو تجمعات احتجاجية أو مظاهرات حاشدة ضد انتهاكات مستمرة لحقوق الإنسان في بلدان العالم، أو في البلدان الغربية ذاتها وتتسم بالعنصرية ضد أصحاب البشرة الملونة أو العقائد الدينية المختلفة أو انتهاك حقوق اللاجئين، وآخرها مناهضة قرار الدنمارك إعادة اللاجئين السوريين.

في المقابل، حين يتعرض الغربيون لبعض الحوادث الإرهابية البشعة أو حتى بعض الكوارث الطبيعية، ستكتشف حجم الهوة الحضاري الكبير وتلحظ ليس فقط تقاعس الرأي العام العربي عن التضامن مع  أحد هذه الشعوب الغربية المنكوبة ومؤازرتها في واحدة من محنها الإنسانية، بل تراجعا مخجلا للضمير العربي وعنصريته الأكثر مدعاة للخجل.

لم تخرج في يوم من الأيام مظاهرة أو مسيرة أو تجمعا صغيرا لإضاءة شموع على أرواح ضحايا حوادث الإرهاب الذين يسقطون من حين إلى آخر في بعض المدن الغربية. لم تخرج البيانات التي تدين أي اعتداء وتتضامن مع ذوي الضحايا ولو لذر الرماد في العيون. كل ما يحدث معاكس ومؤسف، بل ويمكن تصنيفه بالفكر المريض والسلبي والعنيف المحرض على الكراهية وترجماتها.

العام الفائت، حين ارتفعت الإصابات بفيروس كورونا بين الشعوب الغربية، ارتفعت الأصوات الشامتة بمصاب الغربيين واعتبار كارثتهم قصاصا عادلا من السماء. أصوات كراهية عمياء سرعان ما خفتت قليلا حال وصول الفيروس وانتشاره في البلدان العربية والإسلامية لكن مع استمرار نبرة الكراهية والحقد وتحميل الغربيين وزر الداء والبلاء بين المسلمين انطلاقا من نظرية المؤامرة، دون الأخذ بالاعتبار في كل مرة يكيلون فيها الشتائم للغربيين أنها تشمل بدورها كل مسلم مواطن في العالم الغربي.

مع كل مصيبة أو حدث إرهابي ترتفع الأصوات التي تستخدم الوسائل الإلكترونية التي اخترعها الغرب، للتشفي  بمصابهم وتكيل لهم الدعاء بالفناء بصفتهم شعوب كافرة يستحقون مايحدث لهم. في الوقت الذي ترتفع أصواتهم باستمرار مطالبين المجتمعات الغربية بتقديم المساعدات ومطالبة شعوبها بنصرة قضاياهم، وفي الحقيقة تتسامى العديد من شعوب العالم الغربي عن هذه الصغائر وتعيد تضامنها مرة إثر مرة مع هؤلاء أنفسهم الذين كانوا يشتمونها قبل وقت قليل.

هل القوانين أم الثوابت والقيم الأخلاقية أم مناخ الحريات هو مايعزز يقظة ضمير الفرد في العالم الغربي عن نظيره في بلدان أخرى ويدفعه لنصرة القضايا الإنسانية كما يفعل دوما، أم أنها عقدة الذنب الكامنة لديهم تجاه الضحية كما يروج بعض الجهابذة من المتشددين وتتناقلها العامة على أنها فكرة عبقرية.

إن قراءة سريعة لحياة الفرد في العالم الغربي كافية أن تمنحك الجواب، حيث يترعرع منذ نشأته ضمن بيئة ومنظومة أخلاقية شاملة تمرنه على قبول الآخر ومناهضة التنمر والعنصرية، وتدربه عبر وسائل عدة على معنى الانفتاح الفكري، فتصقل حواسه بالموسيقى وتشجعه على متابعة الفنون أو الانغماس في واحدة منها، تعلمه مفهوم حريته وحدودها مع حرية الآخرين، ومن ثم تتركه ليختار بعد رحلة مدروسة من الرعاية النفسية والعلمية والصحية دربه في الحياة ومسار إنسانيته الصحيح.

إن متابعة سيل الأحقاد وحجم الكراهية للآخر المنتشر في المجتمعات العربية يؤكد أنهم ضحايا بامتياز، لكن ليس بحسب الفكرة أعلاه، بل ضحايا بيئاتهم القمعية وضحايا أنفسهم، ولن تتحرر هذه المجتمعات ما لم تتحرر نفوس أفرادها وتتخلص من كل الشوائب التي علقت في الأرواح والتي يغذيها باستمرار الطغيان السياسي والديني وغياب الحريات وأولياء الأمور.

المفارقة الوحيدة التي لا تجد لها دوما أي تفسير، أن معظم من يبثون السموم والحاقدين والمتطرفين ينتظرون أية فرصة للهجرة أو الهروب للعيش في واحدة من دول هذا العالم الغربي الذي يبادلونه الكراهية ثم يطالبون شعوبه بالتضامن معهم من جانب واحد. فأية أحجية هذه؟

 

-----------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

د. توفيق حميد

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).