Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

خالد الجامعي.. الصحافة أن تزعج السلطة والباقي بروباغندا!

07 يونيو 2021

بقلم: عبد الرحيم التوراني

برحيل خالد الجامعي (77 سنة) تكون الصحافة المغربية خسرت أحد رموزها، وفقد المغرب واحدا من أبنائه البررة، وقامة عالية من أنبل الرجال، ومناضلا وطنياً مخلصا.  

كان القراء يحرصون على متابعة كتاباته في يومية "لوبنيون" (الرأي)، وكانت في زمن سابق الأوسع انتشارا باللغة الفرنسية في المغرب. وبعدها انتقل الجامعي للكتابة في أسبوعية "لوجورنال". ومع انتشار الإعلام الرقمي أصبح المغاربة يقبلون عبر الفيديو على أحاديثه الشيقة وتحليلاته التي تعكس مدى الخبرة الإعلامية والسياسية التي اكتسبها خلال مسيرته في مجالات الإعلام والدفاع عن حرية الرأي، تحليلات تستند على الحقائق والإحصائيات والجرأة والصراحة التي تميز بها.

كل ذلك بأسلوب بسيط بالعامية الشعبية. وتشهد له سيرته الذاتية وما كتبه عنه أصدقاؤه ومحبوه والمتابعون لحياته المهنية على ما تركه من بصمات سجلت اسمه كرقم صعب في الصحافة، وكإعلامي لا تمكن قراءة مساره وتاريخه كفرد إلا ضمن تاريخ المغرب الراهن. فتاريخ شخصية إعلامية كبيرة مثله هو تاريخنا كصحافة وصحفيين، وتاريخ لحقبة مميزة من هذه المرحلة.   

من أنت؟! 

صارت كتاباته بمثابة وثائق تاريخية، خاصة على المستوى السياسي. من أشهرها مقاله: "اشْكُونْ انْتَ؟". المقال الذي ارتبط أكثر بالراحل، وجعل الجميع يتذكرونه لحظة نعيه ويسترجعون محنة الصحافة في سنوات الرصاص. مقال يختصر سيرة الجامعي النادرة كرجل شجاع وصاحب قلم جرئ. 

تعود الحكاية إلى التسعينيات من القرن الماضي، حين كان خالد الجامعي مسؤولا عن تحرير يومية "لوبنيون"، اللسان الفرنسي لحزب الاستقلال، وبعد نشره لمقالة حول الديمقراطية المغربية، كتب فيها أن التعددية السياسية في المغرب مجرد كذبة بلقاء، وأن المغرب يحكمه الحزب الوحيد، هو حزب "المخزن". والأحزاب الباقية مجرد تزويق وتأثيث. في صباح صدور المقال تلقى الجامعي دعوة عاجلة إلى وزارة الداخلية حيث كان بانتظاره الوزير القوي إدريس البصري الذي خاطبه قائلا بالدارجة: "اشْكُونْ انت!!؟" (من تكون أنت!!؟). أو من تعتبر نفسك!؟. لكن الوزير القوي سيفاجأ أن الماثل أمامه ليس من صنف من اعتاد أن ترتعد فرائصهم أمام رهبته، إذ واجه الجامعي الوزير البصري بحدة وإيمان بكل كلمة كتبها في مقاله المشار إليه. ولحسن حظه أنه لم يلق مصيرا مشؤوما، وكان لانتمائه لعائلة وطنية معروفة ولحزب الاستقلال الدور الحاسم في نجاته.  

لما غادر الجامعي مكاتب الوزارة التي كانت في السابق مقرا للإقامة العامة الفرنسية، اتجه مباشرة إلى مقر صحيفة "لوبنيون"، وكانت يومها بشارع الشهيد علال بن عبد الله، أحد رجالات المقاومة والفداء في المغرب. جلس الجامعي إلى مكتبه وحرر مقالته الافتتاحية الشهيرة والتي تحمل الإجابة عن الإهانة التي تعرض لها من وزير الداخلية إدريس البصري.

كانت صرخة مدوية بكلمات مشحونة وشائكة، بل مغموسة بحبر الجرأة ودم التحدي. نص شديد الإثارة ونادر للشجاعة والإقدام. من يومها لم يعد في مستطاع أي كان أن يلجم لسان الصحفي خالد الجامعي أو يكسر قلمه ويغريه بحبر آخر لا يسمي الأشياء والأمور بأسمائها.  

في استعادة للذكرى، سيصرح خالد الجامعي، أن "لقاءه التاريخي" مع إدريس البصري كان سريعا لم يتجاوز دقائق معدودة. لاحقا سيعرف أن البصري تصرف على الفور بعد أن أُخْبر بمضمون المقال من طرف المستشار الملكي أحمد رضا اغديرة.  

صاح البصري في وجه خالد الجامعي:  

- من أنت حتى تكتب ما كتبته؟! إنك تعلم أن من هم أكبر وأقوى منك قمت بسحقهم.  

كان رد الجامعي إنه "مستعد أن يموت واقفا".  

هنا أمسك الغضب بالبصري فطرد الصحفي من مكتبه. 

متهم حتى تثبت براءته 

لكن هذا لا يعني أن خالد الجامعي لم يكن من ضحايا سنوات الجمر والرصاص في السبعينيات التي اقتيدت فيها أعداد من المناضلين الراديكاليين ومن شباب اليسار الذين أسسوا تنظيمات ماركسية سرية لإسقاط النظام، لم ينخرط الجامعي في صفوف اليسار رغم مواقفه القريبة من رموزه وأجوائه، إذ كان منتميا لحزب يميني يستمد شرعيته التاريخية من عمق الكفاح الوطني ضد الاستعمار، بل إن والده (بوشتى الجامعي) من الموقعين على "وثيقة الاستقلال" سنة ميلاد ابنه خالد (1944). 

في سنة 1973، أي في أوج سنوات الرصاص، سيتم اعتقال خالد الجامعي بسبب نشره على الصفحة الأولى لصحيفة "لوبنيون" صورة للأمير المولى رشيد، الابن الأصغر للملك الحسن الثاني، وبجوارها صورة لطفل مشرد. بسبب هذه الصورة "غير اللائقة" سيقضي خالد الجامعي حوالي ستة أشهر في السجن. وقد روى الجامعي حكايته مع تجربة السجن والتعذيب في كتابه بالفرنسية المعنون ب"متهم حتى تثبت براءته!" (منشورات "طارق"، الدار البيضاء 2003). 

متمرد ومزعج 

خالد الجامعي ذو تكوين فرنكفوني، تابع تعليمه بمؤسسات البعثة الفرنسية. جلبه الوزير العلامة محمد الفاسي ليعمل إلى جانبه في وزارة الثقافة، لكن رغم التزام الجامعي بارتداء البذلة الرسمية وربطة العنق، لم يرغب في التخلي عن شعر رأسه المنفوش، وكان الزمن زمن "الهيبيز" وصعود الفرقة الأسطورية "البيتلز"، وسيكون خالد الجامعي من أوائل الداعمين للنسخة المغربية من الفرقة الإنجليزية، وهي مجموعة "ناس الغيوان". وفي لجة الحراك الثقافي والفني الذي انبثق بقوة خلال فترة السبعينيات، إثر ما يعرف بنكسة حزيران 1967، وثورة الشباب العالمية التي كانت من تداعيات انتفاضة "ماي 1968" بفرنسا، سيجد الشاب خالد الجامعي أن لا صلة له ببروتوكلات الوزارة ، فقرر التنازل عن امتيازات السيارة والتحية الرسمية التي كانت تؤدى له كل صباح، لينخرط في مجرى الحياة العامة ويتحول إلى صحفي متمرد. لقد فضل أن يظل مواطنا عاديا يختلط بالناس ويمشي في الأسواق، يجالس البسطاء في المقاهي وقريبا من همومهم. وفتح باب شقته لأصدقائه حتى أصبحت ناديا يجمع الفنانين والكتاب والصحفيين، وقد مارس خالد الجامعي النقد الفني حول المسرح والسينما والتشكيل. ولعشقه للفن السابع ظهر في فيلم بعنوان" عبروا في صمت" للمخرج حكيم نوري (1997)، ويحكي قصة صحفي سجن بسبب فضحه للفساد في السبعينيات، وتنتهي الأحداث باغتياله. 

لكن خالد الجامعي، رغم المساومات، رفض التخلي عن جلده، وأصبح صحفيا مشاكسا أكثر، وهذه المرة ليس للسلطة فحسب، بل للحزب الذي يصدر الصحيفة وعينه على رئاسة تحريرها. وكان الجامعي يعتقد أن بإمكانه لعب دور ما وسط حزب الاستقلال بعد انتخابه في قيادته، بمحاولته استقطاب تيار جذري على يسار الحزب. ولأنه صحفي حر، رفض الانصياع الحزبي واختار طريق الحقيقة والصدق الفكري، فضاق صدر القيادة الحزبية ب"تنطعاته" لتقيله من منصبه كرئيس تحرير.  

مزاج متمرد  

في هذه الفترة كنت ألتقي بشكل يومي بخالد الجامعي، عندما كانت تجمعنا كل صباح رحلات مكوكية بالقطار الرابط بين الدار البيضاء والعاصمة. وقد أخبرني خالد أنه يتجه يوميا إلى مكاتب الجريدة ليؤكد حضوره من أجل تبرير راتبه في نهاية الشهر. وأنه ممنوع من الكتابة.  

خلال ساعة السفر كنا نتبادل الأخبار، وكنت أستمتع بلغته الراشحة بتعابير "أولاد الدرب" في الأحياء الشعبية القديمة لمدينة الدار البيضاء، وبلثغته الجميلة. حقا كنت من المعجبين بعفوية خالد الجامعي وسخريته، وبمزاجه المتمرد والحر. وأعترف الآن أني كنت أحيانا أتحفظ في سري عن بعض تصريحاته وتلميحاته، ويراودني شك في صدقيتها. كنت ألمس فيها بعض المبالغة. في حين كان آخرون يذهبون إلى الأبعد ويصفونه بالشعبوية والمزايدة والتهور.  

أما تحفظي فكان يأتي من متابعتي لبعض مواقف خالد الجامعي التي كنت أعتبرها متناقضة، فهو كان يساري الهوى وسط حزب يميني. وكان في فترة مقربا من فؤاد عالي الهمة، صديق الملك ووزير الداخلية المنتدب (المستشار الأول للملك حاليا)، وقد ساهم الجامعي بدور بارز في استقطاب عدد من الشخصيات اليسارية إلى صالون فؤاد الهمة، حيث ستشكل تلك الشخصيات الجمعية السياسية "حركة لكل الديمقراطيين" التي انبثق منها حزب الأصالة والمعاصرة الذي يعتبر حزب القصر. لكن خالد الجامعي سيبتعد عن فؤاد الهمة لتتسع الفجوة بينه وبين السلطة تدريجيا. 

وكان خالد الجامعي أول صحافي مغربي يغطي أحداث الثورة الإسلامية في إيران بزعامة آية الله الخميني عام 1979. كما كان من المؤيدين للمقاومة الفلسطينية ومقربا من قياداتها، مثل هاني الحسن الذي كان يقيم في المغرب وتصاهر أبناؤه مع عائلات مغربية. لكن هذا لم يكن حائلا بين الجامعي ليحاور الجنرال الإسرائيلي "ميتي بيلد" في باريس، بعد خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت عام 1982.  ويتردد اليوم أن خالد الجامعي غامر بسمعته وتحمل تبعات الهجوم عليه كأحد دعاة التطبيع، لأنه كان وقتها يلبي طلبا سريا للزعيم ياسر عرفات. لكن بعد سنوات سيسافر خالد الجامعي إلى الأراضي المحتلة ويستقر فترة بإحدى المستوطنات الإسرائيلية برفقة صديقته اليهودية الكندية، وبعد عودته صمت ولم يقل كلمة في الموضوع. كما كان خالد الجامعي من المترددين على حفلات غادي غولان أول رئيس لمكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط قبل إغلاقه سنة 2000، وقد فضحت صور نشرة "اللقاء" التي كانت تصدر رسميا عن مكتب الاتصال الإسرائيلي عددا من ضيوف غولان، بينهم خالد الجامعي، والصحفية نرجس الرغاي، والكاتبة لطيفة بنجلون زوجة المفكر عبد الله العروي. لكن بعد إعلان التطبيع المغربي رسميا مع إسرائيل سارع خالد الجامعي إلى التحذير من مخاطره. 

كان خالد الجامعي شخصية مركبة، صحافي مهني من طينة الكبار، وأحد قادة الرأي العام بالمغرب، صاحب مواقف صارمة، ومن جانب آخر رجل متمرد وبوهيمي، وإنسان عاطفي ذو حساسية. اختار أن يكون بسيطاً في حياته، طاوعت اللغة الفرنسية قلمه، وتعابيره تنهل من معين اليسار والمعارضة، اعتبر نفسه دائما "ملكيا"، لكنه ضد الحكم الفردي والمطلق، من هنا رسائله إلى الملك محمد السادس بعد توليه الحكم، وفي إحداها كتب الجامعي مخاطبا خليفة الحسن الثاني: "إذا رأيت الثورة قادمة إليك فقم بها أنت أولا". وتحدث في رسالة أخرى عن الرشوة داخل مؤسسة الجيش. لكن رسائل الجامعي بقيت من دون جواب. وقد بعث الملك محمد السادس برقية عزاء إلى عائلة الفقيد جاء فيها أن الفقيد "كان يتحلى بخصال الغيرة الوطنية الصادقة، والتشبث بمقدسات الأمة وثوابتها الوطنية، وعلى رأسها الإخلاص لشخص جلالتنا وللعرش العلوي المجيد". 

برقيات العزاء التي ودعت خالد الجامعي امتلأت بعبارات الحزن على خسارة إعلامية فادحة وفقدان رجل وطني ومناضل كبير. هشام العلوي: (ابن عم الملك محمد السادس) نعى عميد الصحفيين المغاربة "أستاذا وصديقا وهرما من أهرام الصحافة المغربية. وقال إن الفقيد "كان مثالا في المثابرة والصمود في ظروف استثنائية".  

أما الصحفي محمد العلمي المقيم بواشنطن، فنعى الراحل مقتبسا عبارة صحفي بولندي: "الصحافة أن تزعج السلطة والباقي بروباغندا!". وكان خالد الجامعي حقا صحفيا مزعجا.

 

-----------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).