كيف لرجولتك أن تكون امرأة؟
بقلم: سناء العاجي
كانوا يتحدثون عن إحدى زميلاتهم في الدفعة. الشابة كانت قد خلعت الحجاب وخصصت للموضوع أكثر من تدوينة على حساباتها على مواقع التواصل.
اعتبر الشباب الأربعة أنها بالغت وأعطت للأمر أكثر من حجمه: "لقد خلعت الحجاب.. ذلك حقها واختيارها. لكنها ضخمت الموضوع وأعطته أكثر من حجمه".
في الواقع، من السهل على معظم الرجال أن يعلقوا ويعطوا رأيهم في تفاصيل تخص النساء في حياتهن اليومية وفي قضاياهن الصحية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية:
- النساء يبالغن في التظاهر بالمرض خلال فترة الدورة الصحية. الأمر قد يكون مفهوما في السنوات والشهور الأولى. لكن، بعد ذلك، يفترض أن يكنّ قد تعودن على الموضوع.
- النساء يبالغن في الشكوى من أشغال البيت. إنها مسألة تنظيم فقط لأن الأمر ليس معقدا. لو فقط كن يدركن معاناة العمل خارج البيت.
- النساء اللواتي يشتغلن خارج وداخل البيت يجب أن يتوقفن عن الشكوى، فهن من اخترن العمل خارج البيت (حتى حين يكن مساهمات فعليات في مصاريف الأسرة).
- الإجهاض هو قتل للجنين... كما أنه يشجع على الفساد. لا يجوز أبدا التشريع له.
- النساء اللواتي يخلعن الحجاب يبالغن في الحديث عن معاناتهن المفترضة ويعطين الأمر حجما أكبر مما هو عليه في الواقع.
- النساء يبالغن في الحديث عن موضوع التحرش الجنسي لأن الموضوع ليس بالحجم الذي يعطينه له...
- ...
لكن، هل جربت، سيدي، الألم الفظيع الذي تشعر به بعض النساء قبل أو خلال الدورة، لكي تعطي رأيك فيه؟ هل جربت تأثير التغيرات الهرمونية على المزاج وعلى الجسد لكي تعطي رأيك في الموضوع؟
هل جربت أن تعود للبيت بعد يوم شاق من العمل، وأن يبدأ أمامك يوم شاق جديد يعتبر الجميع أنك وحدك مسؤول عنه؟ بل هل جربت حتى أن تكون ربة بيت يعتبر الجميع أنها (تجلس في البيت) بينما هي في الواقع "لا تجلس" ولا تستفيد من العطل الأسبوعية ولا من تحديد أوقات العمل ولا من العطل السنوية؟
هل جربت، سيدي، الحمل غير المرغوب فيه، وهل جربت أن تكون بين اختيارين: أمومة\أبوة لست مستعدا لها ومجتمع يمنع عنك الإجهاض وفي نفس الوقت يحاكمك إن أنجبت خارج الزواج...؟ هل جربت إحساس الظلم حين تجد نفسك وحدك أمام المسؤولية رغم أن العلاقة الجنسية جرت بين طرفين؟
ثم، وهذا موضوعنا، هل جربت أن تأخذ قرارا يخصك، بخلع الحجاب (الذي وضعته مرغما أو تحت تأثير الإيديولوجية الدينية في البيت والمدرسة والجامعة والعمل)؛ ثم يقرر الجميع أن من حقهم التعليق على قرارك: والدك ووالدتك، الجيران، الزملاء، أصدقاؤك على السوشيال ميديا، أصدقاء أصدقائك...
حتى وأنت تقول إن القرار يخصها... فأنت في النهاية تعلق على تفاعلها معه! فأين هي خصوصيتها وحريتها في الاختيار وفي التفاعل مع اختيارها وقرارها؟
نحن نعيش في مجتمع يعتبر ضمنيا أن الفتاة التي ترتدي الحجاب هي بالضرورة أكثر حشمة ووقارا من غير المحجبة، هذا دون الحديث عن الأوساط والمجتمعات التي تفرض الحجاب بالإكراه وعن الأسر والأزواج الذين يمارسون الضغط النفسي على بناتهم وزوجاتهم لكي يرتدين الحجاب.
لكن، إن كانت الفتاة غير المحجبة تتعرض للوصم والمقارنة مع المحجبة ويتم تقييم سلوكها وأخلاقها بناء على هذا المعيار؛ فإن الفتاة التي ارتدت الحجاب وقررت خلعه تتعرض لوصم أبشع لأن المجتمع الذي يربط الأخلاق والحشمة بالحجاب، يعتبر أنها "لم تستطع أن تكون متخلق محتشمة"، وأنها "قررت أن تصبح فاسدة"! لذلك فهي تتعرض للضغط من طرف الأسرة (وإذا كان للأسرة انتماء إيديولوجي لتيار إسلامي، فالوضع بالتأكيد سيكون أقسى وأفظع) ومن طرف الجيران والزملاء والخطيب أو الزوج والأصدقاء وكل معارفها.
معاناة حقيقية من السهل أن يقف شاب خارجها ويقيمها ويعتبر أن من مرت بها "تبالغ" في التفاعل معها وتعطيها أكثر من حجمها.
تخيل أن تأخذ قرارا شخصيا كحلق ذقنك مثلا، وأن تتعرض للعنف النفسي والتنمر بسبب ذلك القرار وأن يعتبر الجميع أن من حقه انتقاد ذلك القرار أو تقييم سلوكك وأخلاقك بناء على هذا الاختيار! تخيل أن تكون كل تفصيلة في ملابسك وصحتك وبرنامجك اليومي، موضوع تعليق من طرف الآخر الذي لا يعيش بتاتا تلك التفاصيل ولا يعرفها! تخيل أن يكون لزملائك وأصدقائك وجيرانك وأصدقاء أصدقائك رأي في ملابسك ووزنك وذقنك وبنطلون الجينز الذي ترتديه وفي عملك وفي تسريحة شعرك وفي الحقيبة الرياضية التي تحملها على كتفيك... أن يعطي الجميع لنفسه حق التعليق، وحين تعتبر أن تلك اختياراتك الخاصة، يخرج عليك من يعتبر أنك تأخذ الأمر بحساسية شديدة وأنك "تبالغ" في التفاعل مع الموضوع!
-----------------------------------
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
