Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

كيف لرجولتك أن تكون امرأة؟

07 يونيو 2021

بقلم: سناء العاجي

كانوا يتحدثون عن إحدى زميلاتهم في الدفعة. الشابة كانت قد خلعت الحجاب وخصصت للموضوع أكثر من تدوينة على حساباتها على مواقع التواصل.

اعتبر الشباب الأربعة أنها بالغت وأعطت للأمر أكثر من حجمه: "لقد خلعت الحجاب.. ذلك حقها واختيارها. لكنها ضخمت الموضوع وأعطته أكثر من حجمه".

في الواقع، من السهل على معظم الرجال أن يعلقوا ويعطوا رأيهم في تفاصيل تخص النساء في حياتهن اليومية وفي قضاياهن الصحية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية:

-    النساء يبالغن في التظاهر بالمرض خلال فترة الدورة الصحية. الأمر قد يكون مفهوما في السنوات والشهور الأولى. لكن، بعد ذلك، يفترض أن يكنّ قد تعودن على الموضوع. 
-    النساء يبالغن في الشكوى من أشغال البيت. إنها مسألة تنظيم فقط لأن الأمر ليس معقدا. لو فقط كن يدركن معاناة العمل خارج البيت.
-    النساء اللواتي يشتغلن خارج وداخل البيت يجب أن يتوقفن عن الشكوى، فهن من اخترن العمل خارج البيت (حتى حين يكن مساهمات فعليات في مصاريف الأسرة). 
-    الإجهاض هو قتل للجنين... كما أنه يشجع على الفساد. لا يجوز أبدا التشريع له.
-    النساء اللواتي يخلعن الحجاب يبالغن في الحديث عن معاناتهن المفترضة ويعطين الأمر حجما أكبر مما هو عليه في الواقع.
-    النساء يبالغن في الحديث عن موضوع التحرش الجنسي لأن الموضوع ليس بالحجم الذي يعطينه له...
-    ...

لكن، هل جربت، سيدي، الألم الفظيع الذي تشعر به بعض النساء قبل أو خلال الدورة، لكي تعطي رأيك فيه؟ هل جربت تأثير التغيرات الهرمونية على المزاج وعلى الجسد لكي تعطي رأيك في الموضوع؟  

هل جربت أن تعود للبيت بعد يوم شاق من العمل، وأن يبدأ أمامك يوم شاق جديد يعتبر الجميع أنك وحدك مسؤول عنه؟ بل هل جربت حتى أن تكون ربة بيت يعتبر الجميع أنها (تجلس في البيت) بينما هي في الواقع "لا تجلس" ولا تستفيد من العطل الأسبوعية ولا من تحديد أوقات العمل ولا من العطل السنوية؟

هل جربت، سيدي، الحمل غير المرغوب فيه، وهل جربت أن تكون بين اختيارين: أمومة\أبوة لست مستعدا لها ومجتمع يمنع عنك الإجهاض وفي نفس الوقت يحاكمك إن أنجبت خارج الزواج...؟ هل جربت إحساس الظلم حين تجد نفسك وحدك أمام المسؤولية رغم أن العلاقة الجنسية جرت بين طرفين؟

ثم، وهذا موضوعنا، هل جربت أن تأخذ قرارا يخصك، بخلع الحجاب (الذي وضعته مرغما أو تحت تأثير الإيديولوجية الدينية في البيت والمدرسة والجامعة والعمل)؛ ثم يقرر الجميع أن من حقهم التعليق على قرارك: والدك ووالدتك، الجيران، الزملاء، أصدقاؤك على السوشيال ميديا، أصدقاء أصدقائك... 

حتى وأنت تقول إن القرار يخصها... فأنت في النهاية تعلق على تفاعلها معه! فأين هي خصوصيتها وحريتها في الاختيار وفي التفاعل مع اختيارها وقرارها؟

نحن نعيش في مجتمع يعتبر ضمنيا أن الفتاة التي ترتدي الحجاب هي بالضرورة أكثر حشمة ووقارا من غير المحجبة، هذا دون الحديث عن الأوساط والمجتمعات التي تفرض الحجاب بالإكراه وعن الأسر والأزواج الذين يمارسون الضغط النفسي على بناتهم وزوجاتهم لكي يرتدين الحجاب. 

لكن، إن كانت الفتاة غير المحجبة تتعرض للوصم والمقارنة مع المحجبة ويتم تقييم سلوكها وأخلاقها بناء على هذا المعيار؛ فإن الفتاة التي ارتدت الحجاب وقررت خلعه تتعرض لوصم أبشع لأن المجتمع الذي يربط الأخلاق والحشمة بالحجاب، يعتبر أنها "لم تستطع أن تكون متخلق محتشمة"، وأنها "قررت أن تصبح فاسدة"! لذلك فهي تتعرض للضغط من طرف الأسرة (وإذا كان للأسرة انتماء إيديولوجي لتيار إسلامي، فالوضع بالتأكيد سيكون أقسى وأفظع) ومن طرف الجيران والزملاء والخطيب أو الزوج والأصدقاء وكل معارفها. 

معاناة حقيقية من السهل أن يقف شاب خارجها ويقيمها ويعتبر أن من مرت بها "تبالغ" في التفاعل معها وتعطيها أكثر من حجمها. 

تخيل أن تأخذ قرارا شخصيا كحلق ذقنك مثلا، وأن تتعرض للعنف النفسي والتنمر بسبب ذلك القرار وأن يعتبر الجميع أن من حقه انتقاد ذلك القرار أو تقييم سلوكك وأخلاقك بناء على هذا الاختيار!  تخيل أن تكون كل تفصيلة في ملابسك وصحتك وبرنامجك اليومي، موضوع تعليق من طرف الآخر الذي لا يعيش بتاتا تلك التفاصيل ولا يعرفها! تخيل أن يكون لزملائك وأصدقائك وجيرانك وأصدقاء أصدقائك رأي في ملابسك ووزنك وذقنك وبنطلون الجينز الذي ترتديه وفي عملك وفي تسريحة شعرك وفي الحقيبة الرياضية التي تحملها على كتفيك... أن يعطي الجميع لنفسه حق التعليق، وحين تعتبر أن تلك اختياراتك الخاصة، يخرج عليك من يعتبر أنك تأخذ الأمر بحساسية شديدة وأنك "تبالغ" في التفاعل مع الموضوع!

 

-----------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

سناء العاجي الحنفي

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).