Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

اعتدال بنكهة القتل

15 يونيو 2021

تخيل أن نختلف في وجهات النظر، وأن تتصاعد حدة النقاش، وأن أقتلك.. وأن يعتبر الكثيرون حولي أنك السبب لأنك كنت مستفزا في كلامك! أنت طبعا لم تضربني ولم تعتد عليّ جسديا.  لكن كلامك كان مستفزا لي ولأبنائي ولجيراني ولأبناء عمومتي وقبيلتي... وبالتالي، فأنت تستحق أن أقتلك!

يبدو السيناريو إجراميا وغير مقبول، من باب الإنسانية والعدل؟ لكن هذا ما يحدث، للأسف، كل سنة بمناسبة الحديث عن الباحث المصري الراحل فرج فودة، في ذكرى اغتياله (8 يونيو\حزيران). 

كيف يعقل أن نعتبر أن شخصا يختلف معنا في الرأي، يعبر عن هذا الرأي... فيستحق القتل؟ ثم، كيف يجد البعض عاديا أن القتيل هو السبب في قتله... "لأن كلامه مستفز"، و"لأنه ملحد"؟

في النهاية، فيم يختلف المبررون الجدد عن قاتليه وعن أولئك الذين نظّروا لقتله في حينه؟ لعل الفرق الوحيد في النهاية أن هؤلاء قتلوا فعليا والآخرون يبررون الجريمة من نفس المنطلق وبناء على نفس الحجج. 

حتى إذا افترضنا صحة المنطق الذي يعتبر أن الراحل فرج فودة كان "ملحدا" وكان "يتهجم على الإسلام وعلى الصحابة" (وهذا طبعا كلام لا يقوله إلا من يعرف فرج فودة بالسماع وليس بالقراءة والمعرفة الحقيقية)! لكن، لنفترض أنه كلام صحيح! أين العدل في أن تعتبر أن من يستفزك بآرائه... يستحق القتل؟

هذا طبعا وهم يعتبرون أنفسهم "مسلمين معتدلين" لا يشبهون الدواعش والمتطرفين. أين الاعتدال حين تبرر جريمة قتل شخص، لأن "آراءه تستفزك"؟ كيف تعتبر نفسك "مسلما معتدلا" وأنت لا تدين جرائم من تعتبرهم متطرفين، اللهم إن كنت، في النهاية، تنهل من نفس منطقهم!

ضمن فئة "المسلمين المعتدلين"، سنجد أيضا من يتساءل بهدوء: "فيم نفعته أفكاره التي أدى حياته ثمنا لها؟"... عجيب جدا أن تسائل القتيل بكل اللغات الممكنة، وأمامك قاتل تعتبره ضمنيا ضحية! 

في النهاية، اعتمادا على هذا المنطق، فإن "فرج فودة كان باحثا متطرفا وقتله إسلاميون متطرفون". يتعلق الأمر إذن بأطواف متساوية في تطرفها! بل لعل الطرف الثاني ضحية إلى حد ما، بما أنه تعرض للاستفزاز من طرف فرج فودة!

لعل هذه مناسبة نستحضر فيها الربط الذي يقوم به بعض "المسلمين المعتدلين" حين يقولون: "كما أن هناك متدينين متطرفين، فهناك علمانيون متطرفون"! هذا كلام صحيح... لكنه يحمل مغالطة ضمنية كبيرة تهدف للمساواة بين طرفين لا يتساويان حتى في تطرفهما. ببساطة، لأن العلماني المتطرف، أقصى ما قد يفعله هو أن يكون مستفزا في طريقة تعبيره عن مواقفه... 

لكن المتدين المتطرف، يقتل ويفجر ويجاهد ويفرض دينه ومنطقه وتصوره على الآخرين. هذا علما أنه بدوره يستفز العلمانيين بكلامه! لماذا ينسى "المسلمون المعتدلون" أن خطاب الإسلاميين بدوره مستفز للعلمانيين وللملحدين؟ فهل سمعنا يوما عن "علماني متطرف" أو عن "ملحد متطرف" قتل إسلاميا لأن الأخير استفزه بكلامه؟ هل يقتل العلماني المتطرف دفاعا عن أفكاره؟ هل يضرب مفطر رمضان (حتى لو كان ملحدا متطرفا) الصائمين لأنهم يستفزون مشاعره؟ هل يفرض العلماني أو الملحد على جاره أن يمارس الجنس قبل الزواج تحت طائلة العنف والتشهير؟... 

هذا (جزء من) الفرق بين "التطرف" العلماني والتطرف الديني... هو بالتأكيد ليس دفاعا عن أي نوع من التطرف لأن التطرف أمر سلبي في جميع الأحوال. لكن المساواة بين هذين التطرفين هي مغالطة كبيرة وأسلوب جديد لتبرير العنف باسم التطرف الديني... مناورة تمكن من تبرير القتل والعنف والإرهاب، بحجة أن "هناك أيضا تطرف علماني". 

لذلك، عزيزي المسلم المعتدل، وأنت تبرر جرائم القتل باسم الدين... تذكر أنك بتبريك وبعدم إدانتك الصريحة، لا تحمل من "الاعتدال" إلا الاسم... والوهم!

 

-----------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

عمران سلمان

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).