Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

الانتخابات في المغرب: أبشروا.. لا أمل!!

15 يونيو 2021

بقلم: عبد الرحيم التوراني

في شهر سبتمبر المقبل من هذا العام، سيستدعى الناخبون في المغرب لانتخاب أعضاء خامس برلمان في عهد الملك محمد السادس (تولى الحكم في يوليوز 1999)، وفي الوقت نفسه للتصويت على تجديد المجالس البلدية والجهوية. وحسب اللوائح الرسمية المحصورة في 31 مارس 2021 يبلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية: 609 746 15. سيتنافس على أصواتهم أكثر من 33 حزبا. 

ما هو واضح حتى اليوم، هو أن المواطنين المغاربة لا ينتظرون من الانتخابات أملا في التغيير وتبديل واقعهم نحو الأفضل والأحسن، أو ما يستجيب لانتظاراتهم في مجالات الصحة والتعليم والشغل وفي تكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون. وذلك بسبب تعمق فعل فقدان ثقتهم على مدار عقود خلت في المؤسسات الانتخابية. هي لعبة سياسية بعيدة عن انشغالاتهم وأحلامهم. لذلك ينحصر التفاعل مع قرب موعد الانتخابات في وسائل التواصل الاجتماعي. وبينما يزيد اتساع الهوة بين الأحزاب والشارع المغربي، نرى أن أغلب الأحزاب تتسابق للإعلان عن أسماء وكلائها على رأس قوائم الانتخابات في كبريات المدن والجهات بالمملكة، وتنخرط في "حملة انتخابية سابقة لأوانها".

تعد فئات الشباب والمثقفين في مقدمة الرافضين للعبة الديمقراطية بالعزوف عن التصويت. لقد اعتدنا عند كل استحقاق انتخابي أن تنطلق دعوات منظمة لمقاطعة التصويت وعدم المشاركة في الانتخابات. وبعد أن كانت دعوات "المقاطعة" تأتي في السابق من الأحزاب اليسارية الراديكالية، مثل "حزب النهج الديمقراطي" الماركسي، أصبحت الدعوة إلى المقاطعة تطلق من شخصيات مؤثرة في الشبكة العنكبوتية ومن جمعيات حقوقية وفعاليات مدنية مختلفة. ويمكن اختصار شعارات "المقاطعة" الموجهة إلى المواطنين في عبارة مليئة باليأس وبالإحباط: "أبشروا... لا أمل". لا شيء يشجع على الأمل للانخراط في الاستحقاقات الانتخابية، أو ما يسمى هنا منذ حوالي نصف قرن بــ"المسلسل الديمقراطي". فنحن أمام نفس الكائنات الانتخابية، يؤكد شاب من الدار البيضاء في العقد الثالث من عمره من ذوي الشهادات العاطلين عن العمل، ليضيف: "هي الوجوه ذاتها من محترفي العمل الحزبي ومن تجار وسماسرة الانتخابات، كما هي الشعارات نفسها تعود من جديد إلى الساحة بمناسبة كل دورة انتخابية. ولا مجال للوصول إلى تحقيق الديمقراطية والتنمية المفترى عليها. فكم من الأكاذيب والجرائم ترتكب باسمك أيتها الديمقراطية!... ما يحصل هو إفراغ الديمقراطية من محتواها الحقيقي، لتصير الانتخابات هي الترياق المسموم الذي يسكب للناخبين من قبل مرشحين ممتلئين بالتواضع الكاذب وبالابتسامة المزيفة". 

دائما ما تطلع نتائج الانتخابات لتفرض تكريس الأمر الواقع. وجوه لا صلة لها بالإرادة الشعبية وبعيدة عن طموحات الإصلاح والتغيير، ولا علاقة لها باحترام القوانين والدستور. فمن يزايد على قدرة الانتخابات في التغيير؟! بعد أن سيطرت ذهنية التشكيك والتيئيس على عقول المغاربة وأفقدتهم الجدوى في الذهاب إلى صناديق الاقتراع من أجل الديمقراطية الموعودة. صار المرشح الذي يتقدم إليهم من أجل إقناعهم بالتصويت لفائدة برنامجه وحزبه شخصا محتالا مخادعا، ومثل "عُرْقوب" المشهور في التراث بإخلافه لوعوده. ورغم الحملات التحسيسية والدعائية التي توزع على الأحزاب بميزانيات باهظة من المال العام، فإنها لم تنجح في تراجع عدد العازفين عن التصويت أو تغيير العقليات اليائسة والحذرة.

تحتفظ الذاكرة السياسية والشعبية في المغرب بتواريخ مثقلة بالوقائع وبمحطات بارزة تم فيها التلاعب بالإرادة الشعبية. ولم يعد اليوم التزوير يشكل أي ذهول أو صدمة للناس، فتنظيم الانتخابات وفق أساليب غير نزيهة صار من تحصيل الحاصل، ولا عجب!. ولا يمكنك أن تنزع من رؤوس العديدين أن الانتخابات بالنسبة للنظام ليست سوى وسيلة لتلميع الواجهة الديمقراطية - يتحدث موظف حكومي -، "فلا شيء سيتغير أو يتأثر بعد التصويت، والنتائج لن تبدل سوى الوضع المادي لأكثرية المنتخَبين، ولا بديل يلوح في الأفق، فبرامج الأحزاب صارت تتشابه، وما الديمقراطية لدينا سوى وهم وسراب. أين نحن من الديمقراطية التي نسمع عنها ونتفرج عليها من خلال ما يصلنا من أخبارها في الغرب؟!

وستعرف استحقاقات هذه السنة العمل بما يسمى بـ"القاسم الانتخابي"، وهي الوسيلة التي توصل إليها أصحاب الشأن في البلاد، لفرملة حزب "العدالة والتنمية" الذي يوجد على رأس الحكومة منذ 2012. وقد اعتبر اللجوء إلى القاسم الانتخابي "تزويرا انتخابيا بشكل قانوني". ومجرد عبث ومهزلة وتحايل على الديمقراطية، "يخفي هاجسا سياسيا ثقيلا لدى السلطة والأحزاب حول حصول عزوف كبير للناخبين عن المشاركة".
ويرى محللون سياسيون أن المغرب يشهد اليوم مرحلة احتضار للأحزاب وموت العمل الحزبي، بعد استمرار الإدارة في توغلها في الشؤون الداخلية للأحزاب منذ الاستقلال، باختراقها وإفساد الحياة السياسية.

يتأمل أستاذ بالتعليم الابتدائي من الرباط، ويقول بأسى واضح: "أين راح الزمن القريب وولى؟ عندما كانت أحزاب المعارضة أحزابا حقيقية، أين مضت قوى المعارضة التي كانت تعمل في اتجاه إنجاز "استراتيجية البناء الديمقراطي، وتقدر جسامة الأمانة التاريخية، بأبعادها السياسية والمجتمعية والحضارية والأخلاقية الملقاة على عاتق مناضليها قيادة وقواعد".

ويسترجع مناضل سابق في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عبارات وجمل اختفت اليوم من قواميس اللغة الحزبية والسياسية في المغرب، مثل: "الاحتجاج ضد "التحالف الإداري المصالحي الاستغلالي"، و"الاحتجاج ضد سياسة العبث"، و"إجهاض آمال الشعب في التغيير الديمقراطي"، و"بناء مؤسسات تمثيلية تحظى بالمصداقية وتعكس الإرادة الحرة للأمة"، و"اصطناع الخريطة النيابية"، و"الحزب السري" المسؤول عن التزوير وإفساد الحياة السياسية، والقصد وزارة الداخلية. هو "الحزب السري" الذي تحول إلى قوة مضادة للشعب، و"عائقا عنيدا ضد إرادة الأمة في التحول الديمقراطي والإصلاح الشمولي المنشود"، والانتخابات "المخدومة" حسب تعبير للراحل امحمد بوستة زعيم حزب الاستقلال.

إن هذه الممارسات التي كافحتها المعارضة في العقود الماضية لتشويهها لحقائق الوضع السياسي بالبلاد وتقويضها للديمقراطية، وبالتالي إضعاف للمؤسسات المنتخبة، هي من أدت بالبلاد اليوم إلى ما وصلت إليه من أزمات خطيرة وعوائق مزمنة.

يستدرك محامٍ ليؤكد أن الكارثة هي تدجين حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية واستقطابه تحت لواء "الحزب السري"، أو أن "الحزب السري" هو من نجح في ضمان تبعية الحزب المعارض الراديكالي الذي كان. وانتهى الكلام".

منذ الاستقلال والانتخابات في المغرب تعرف تدخلا سافرا من السلطات، في السنوات السابقة كان التدخل مروعا تستخدم فيه أساليب العنف والتهديد، وخطف صناديق التصويت، ومشاركة الموتى بأعداد كبيرة في العملية الانتخابية، والتصويت المتكرر، والتقطيع الانتخابي المدروس، واللجوء إلى "المال الحرام"، ثم تطورت الأمور لتصبح آلية التزوير متقدمة في فن التلاعب بالإرادة الشعبية، وصارت نتائج الانتخابات تزور بأشهر قبل موعد الاستحقاق، وبعد أن أصبحت الصناديق من زجاج، تم تأميم الشفافية كلها للصناديق، والعتمة لباقي العملية الانتخابية. 

لم تعد للمعارضة القدرة على جعل الانتخابات لحظة قوية وبُؤرة للتدافع والصراع السياسي، لأنه لم تعد هناك معارضة حقيقية. وصار التعايش والتطبيع مع الفساد الانتخابي أمرا عاديا. لذلك لم يعد سرا أن يصبح المواطنون يربطون بين الانتخابات وفسادها.

لا يتم فقط استعمال المال الحرام بكثافة في الانتخابات، بل الأخطر هو استغلال الخطاب الديني وتضليل الناس البسطاء. ولا يتردد الإسلاميون في الزعم أن حزبهم هو هبة إلهية لإنقاذ المجتمع من الأضاليل واتقاء غضب الله.

ورغم أن تقارير أممية عدة وضعت الأصبع على الجرح وأشارت بوضوح إلى مخاطر التدهور والفساد بالبلاد، الأمر الذي أكدته تقارير ودراسات ميدانية وطنية، منها "تقرير الخمسينية" المنجز بمناسبة 50 سنة على الاستقلال، إلى أن المداد ظل سائلا قابلا للمحو والبهات.

مع وصول الاشتراكيين إلى حكومة التناوب أو التوافق (1998)، أخذت الحماسة بالقيادي الاشتراكي السابق محمد اليازغي ليعلن في مقال نشر بجريدة حزبه عن نهاية مرحلة ثقيلة وبداية أخرى جديدة. واختار عنوان مثيرا: "مات المخزن"، أي النظام السلطوي العتيق، وتبين أن من أصابته سكرات الموت ولفظته هي قوى المعارضة التي كان حزبه يتزعمها باسم قوى التغيير والتقدم. أما "المخزن" فقد تجدد ومسح الغبار عن خيوط التحريك التي يحرك بها اللعبة الكراكوزية في مشهد جد قاس. فجميع التنظيمات السياسية تسعى لخدمة النظام العتيق، بلغة منمقة وشعارات حديثة. وها هو إدريس لشكر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، في برنامج تلفزيوني يرد على وزير خاطبه بأنه ينتمي لحكومة صاحب الجلالة، ليتفاخر أنه أيضا من حزب "المعارضة دْيَالْ صاحب الجلالة"، أي معارضة يملكها صاحب الجلالة. "وما فيش حد أحسن من حد". صار مألوفا أن نسمع من زعماء أحزاب آخرين إنهم يناضلون وفق برنامج صاحب الجلالة!!!

هكذا عندما ظهر " تقرير الخمسينية" اعتبره حزب الأصالة والمعاصرة برنامجه السياسي الذي أنشئ من أجله. واليوم بعد صدور "البرنامج التنموي الجديد" الذي أنجز تحت إشراف وزير الداخلية السابق شكيب بنموسى، صارت جميع الأحزاب تتبارى لتقول إنها الأفضل من أجل تنزيل البرنامج، ما دام هو برنامج الملك. واعتبر الملياردير عزيز أخنوش المسيطر على سوق المحروقات في المغرب، أن حزبه قادر على تنزيل النموذج التنموي "الذي جاء به الملك"، معتبرا أن حزب التجمع وجد نفسه في هذا المشروع الكبير. وللإشارة فإن الحزب الذي يرأسه أخنوش تورط في ما يعرف بفضيحة العمل الخيري لغايات انتخابية في رمضان الأخير، حيث توصل المستفيدون مع قفة رمضان ببطاقة الانخراط في حزب التجمع الوطني للأحرار من غير أن يطلبونها. وهو ما انتقده الرأي العام.

سبق للأستاذ حسن طارق، برلماني سابق وسفير المغرب حاليا بتونس، أن أكد أن "النُّخبُ السياسية المغربية أكثر فسادا من المجتمع"، مشيرا إلى تعقّد إشكالية الفساد السياسي في الظاهرة الانتخابية وصعوبة مُحاصرته بآليات قانونية، لكونها ذاتَ طبيعة سوسيولوجية ". 

وما تمت ملاحظته حول انتخابات هذا العام هو خفوت النقاش السياسي حد الغياب. بخلاف الاستحقاقات السابقة، عندما أصدر مجموعة من المثقفين، يتقدمهم الشاعر عبد اللطيف اللعبي، "نداء من أجل ميثاق ديمقراطي" للتحذير من الظلامية والتطرف، من أجل "الحُلُمَ بمجتمعٍ جديد تسوده العدالة والحرية، والعقلنة والعقلانية، وتسودُه درجة من درجات التَّحديث"، لكن هذا النداء ظل بلا صدى وبلا أثر يذكر. فالخريطة السياسية تميعت أكثر، وبورصة الترحال السياسي للمرشحين مفتوحة، مثل تنقلات "الميركاتو" الشتوي والصيفي في كرة القدم. والرشوة والمال والتجاوزات الإدارية في نشاط. أما الدعوة إلى المشاركة لهزم الإسلاميين فتجد الرد عليها من شاب بكلية الطب بالدار البيضاء: "... هذا الخطاب السياسي مضلل، لا يتجاوز سطحية الخطاب الانتخابي، وكأن باقي الأحزاب الأخرى أقل فسادا وانتهازية من الإسلاميين... كلهم أصابع مجتمعة في كف واحدة".

 

-----------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).