Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

أربعون عاما على ثورة الخبز في الدار البيضاء.. تاريخ أسود خلف الباب!

20 يونيو 2021

بقلم: عبد الرحيم التوراني

في سنوات جفاف مرت على مغرب نهاية السبعينيات، والحرب محتدمة بالأقاليم الصحراوية الجنوبية، بين الجيش المغربي والبوليساريو المسنودة من الجزائر. وفي عز طقس حار، تحت سماء رصاصية اللون بغيوم متلبدة داكنة، وكأن الطبيعة أبت إلا أن تعكس دواخل الأنفس الخفية ومأساوية واقع مرير أرخى بكلكله على كبرى مدن البلاد، التي تختصر تفاصيلها سيرة وطن بأكمله. كانت الحكاية تطرز لوحة التاريخ بخيوط من دم. إنها الدار البيضاء 1981.

سنتها، دعت مركزية عمالية حديثة النشأة، أسسها اشتراكيون معارضون باسم "الكونفدرالية الديمقراطية للشغل"، إلى إضراب عام، احتجاجا ضد رفع الحكومة لأسعار المواد الأساسية. وصادف اليوم تاريخ السبت 20 يونيو 1981. فسارعت الحكومة وتوعدت كل من يجرؤ على الانضمام للدعوة "المارقة"، لكنه كان تهديدا فاشلا. إذ منذ الساعات الأولى لليوم الموعود اتضح نجاح الإضراب. توقفت حركة السير بالمدينة العمالية وصمتت آليات المصانع والمؤسسات الكبرى في العاصمة الاقتصادية للبلاد. فكان رد السلطة بالقمع الشديد، ما خلف أعدادا بالمئات من الضحايا وآلافا من المعتقلين.

شهداء كوميرا:

بعد يومين من الانتفاضة الدامية، ووسط إجراءات حظر للتجول وانتشار للدبابات والعساكر بالرشاشات وسط الشوارع، بدت معها المدينة ساحة حرب حقيقية، جلس المغاربة متوجسين يترقبون ما ستقوله الأخبار الرسمية على القناة التلفزيونية الوحيدة المملوكة للدولة. وانطلق البث المباشر لجلسة بالبرلمان، هي لحظة تاريخية ولا ريب. ترى بماذا سيرد المسؤولون في الدولة وكيف سيبررون التصعيد بالتقتيل واعتقال المحتجين ضد ارتفاع الأسعار؟!

 بعد تقديم سريع لرئيس البرلمان الداي ولد سيدي بابا (الموريتاني الأصل)، اعتلى المنبر أقوى وزير في الحكومة وفي مملكة الحسن الثاني، من سيهيمن شخصه على كل قطاعات الدولة، حتى دعيت وزارة الداخلية في عهده ب"أم الوزارات"، وسيرتبط اسمه بالشطط وبشراسة القمع وتزوير الانتخابات، كان إدريس البصري "يد المخزن" الباطشة على مدى ربع قرن، ملأ البلاد بالفساد وظلم العباد. فلا شيء يمضي من دون أوامره الصارمة، أو من دون أن يضع عليه بصمته. وكانت الصدمة التي تلقاها المواطنون ذلك المساء الحزين، وفي مقدمتهم عائلات الموقوفين وأسر الضحايا الذين سقطوا برصاص القوات القمعية، لأنهم طالبوا ب"الخبز الحافي" فألقموا دسم الرصاص الحي.

وقف وزير الداخلية إدريس البصري ببذلته الفاتحة اللون وربطة عنقه المؤاتية. إنها بدايات الصيف القائظ يا صاحبي! وبكل الاستخفاف المستهجن، والاستهزاء البالغ حد الشماتة، خرجت من فمه "رصاصات الرحمة" التي أكملت أمر الإعدام. كلمات مليئة بالتشفي نطقها الوزير بلكنة أهل بادية "الشاوية" المعروفة. يومها تحدث إدريس البصري عن القتلى بالرصاص من الشباب الذين أعدمتهم قوات القمع، قائلا إنه لا يمكن اعتبار "شهداء كوميرا"، و"الكوميرا" هي الخبز الفرنسي "باغيت" أو "باريزيان" الطويل الشكل.

كان البصري يرد على صحيفة المعارضة "المحرر"، (التي تم منعها مباشرة بعد الأحداث)، وكانت قد نشرت في صفحتها الأولى صورة لشهيد الاستقلال محمد الزرقطوني بمناسبة تزامن الأحداث مع إحياء ذكرى "يوم المقاومة" ضد الاستعمار الفرنسي المصادف ليوم استشهاده (18 يونيو 1954). وقد فهم الوزير أن الجريدة تغمز من قناة التحريض ضد النظام، وأنها تعمدت ربط نضال الشعب زمن الكفاح ضد الاستعمار بحراك المغاربة ضد رفع أسعار مواد السكر والزيت والدقيق والحليب والزبدة. صرخ البصري: كيف تمكن المقارنة بين شهداء الاستقلال و"شهداء كوميرا"؟!.. من يومها ارتبط اسم الانتفاضة بعبارة إدريس البصري، بل أصبحت العبارة تدل على "انتفاضة 20 يونيو 1981"، والأكثر من ذلك، على الاستهتار الذي واجهت به السلطات مطالب شعبية اجتماعية بسيطة.

إلى جانب الجرحى والقتلى في يوم الأحداث، سيق الآلاف إلى مراكز التوقيف. منها ثكنة للدرك الملكي في "عين حرودة" بضواحي الدار البيضاء.

أقلية مارقة:

وأتى الموعد مع ملك البلاد الحسن الثاني، الذي توجه إلى الشعب في خطاب 24 يونيو 1981 منبها إلى أن "صورة المغرب تم الإضرار بها"، خصوصا وأنه صودف توجهه لحضور القمة الإفريقية في نيروبي العاصمة الكينية، وعلى جدول أعمالها الرئيسي قضية الصحراء. أشار الملك إلى أنه حينما سيصل إلى نيروبي "سنجد فيها وبلا شك، مع الأسف، أصداء أحداث الدار البيضاء، تلك الأصداء التي تكون قد شوهتها بعض الصحف، وزادت فيها بعض الأطراف التي لا تريد لنا خيرا، ولا تريد أن يظهر ملك المغرب في نيروبي، وسط إخوانه وأمام خصومه، بالمظهر الذي يليق بالمغرب ويليق بمحامي المغرب".

وتساءل الملك بمرارة: "هل يا ترى سيخيب الظن لأن البعض غلبوا قوة الشارع والعنف والنهب على حجة الحوار والسلم والتسالم والقانون؟". وفي الخطاب وصف الحسن الثاني المتظاهرين بـ"أقلية مارقة فاتنة مفتنة لا تحترم مقدساتها ولا قوانينها". وتحاشيا لتداعيات ارتجال الخطاب أضاف الحسن الثاني: "لا أريد أن أزيد في هذا الموضوع لأنني أخاف أن يخرج من فمي كلام لا يليق بأب حازم ورؤوف في آن واحد، فالشعب المغربي لا يستحق أن تنسب إليه أمثال هذا النوع من البشر الذي لا يحترم الممتلكات والأشخاص، زيادة على أن جل ما ضاع وأتلف هو ملك لتلك الطبقة الكادحة الضعيفة، فالسيارات التي أحرقت في تلك الأحياء الشعبية ليست إلا سيارات أولئك الكادحين العاملين الذين عملوا عشرين أو خمس عشرة سنة لتكون لهم سيارة أو ليكون لهم بيت أو ليكون لهم متجر، كل ذلك أصبح متلفا لأن بعض الأشخاص لم يراعوا حسن الجوار في الدرب، ولا حسن المواطنة في المدينة، ولا الوعي أو الوفاء لقضاياهم الوطنية".

محاكمة الصعاليك:

في ندوة صحفية، جوابا على سؤال صحفي أجنبي، رد الحسن الثاني باختصار: "الأمر يتعلق بألفين من المتظاهرين، وهذا أمر ليس بخطير". وإن "محاكمة 500 ألف من الصعاليك لا تخيفني".

وحسب الملك دائما، فإن ما جرى: "هو أن الأسعار كانت ذريعة للقيام بهيجان اختير له مكان هو الدار البيضاء. وفي الدار البيضاء نفسها اختير حيز معين منها، وفي اليوم الموالي كان هناك استنكار عام. إن الناس تقبل الاحتجاج ولكن من يرضى بالنهب، كنت أقبل السماح بمظاهرة مؤلفة من مليون شخص، تنطلق من ساحة لتصل إلى ساحة، ويؤطرها زعماء نقابيون أو سياسيون وأمامها لافتات بمطالب".

ليلة ذكرى ميلاده التي يطلق عليها "عيد الشباب"، في ثامن يوليوز 1981، أي بعد ما يزيد قليلا عن أسبوعين من الأحداث الدامية، خاطب الحسن الثاني المغاربة وعاتبهم أنهم وضعوا ملكهم في حيرة من أمره: "حقيقة جعلتموني في حيص بيص..."، ولأول مرة جاء على لسانه أن عدد من قتلوا في 20 يونيو هم 66 ضحية فقط...!!. ثم استنكر مبالغة الشعب في التذمر والتشاؤم. وعاد للتأكيد على وصف المحتجين المتظاهرين بـ"شرذمة من الصعاليك لا تتعدى الألفين سيقدمون إلى المحاكمة تسببوا في القتل والنهب، وهذا أمر لا يخيف المغرب ولا يدعوه إلى القلق، حتى ولو كان الأمر يتعلق بخمسمائة ألف من الصعاليك، ولقد عشنا أحداثا مهولة ولم تؤثر في مضاء عزيمتنا".

الجوع والعطش:

عقدت محاكمات خاصة لمتابعة القيادات النقابية والسياسية، وأخرى لآلاف المتظاهرين، ووزعت قرون من السجن على المتهمين، كما منعت صحيفتي المعارضة ("المحرر" وليبيراسيون"). أما القتلى فقد تم دفنهم بمقابر جماعية ظلت أمكنتها مجهولة، إذ تم العمل بجدية على طمس حقائق ما حدث، ومورس التضييق على وسائل الإعلام الأجنبية والمراقبة الدولية التي هرعت لتغطية الأحداث ومنعت من تقصي حقيقة ما جرى. ولحد اليوم لم يتم حصر لوائح ضحايا انتفاضة 20 يونيو 1981، أو الكشف عن جميع المدافن السرية. وتسرب أيامها عن عاملين بمشرحة الدار البيضاء أن العدد يناهز الألفين قتيلا. منهم من قتل بالرصاص، وأكثرهم ماتوا اختناقا في مراكز الاعتقال.

لكن الاحتجاجات ضد الأوضاع المعيشية وضد السياسات اللاشعبية لم تتوقف. وانتقلت الانتفاضات عبر توالي العقود لتعم جهات أخرى بالمملكة. وإلى جانب "انتفاضات الجوع"، عاشت مناطق بالجنوب "انتفاضات العطش"، إذ تستغل مياههم شركات مناجم، ولا يصلهم ما يطفئ الغليل ويكفي بهائهم والسقي.

كاميرا خفية:

مع العهد الجديد، لاحت تباشير أمل، خاصة مع إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة، التي أشرفت على جبر الضرر لعدد من ضحايا "سنوات الرصاص" منذ الاستقلال إلى نهاية التسعينيات. وهبَّتْ نسائم من حرية التعبير والرأي. وتم تحديد قبور عدد من الضحايا في مدافن سرية، بناء على تحريات اعتمدت محاضر الشرطة وسجلات وزارة الصحة وتقارير المنظمات الحقوقية، ليصدر أمر ملكي باستخراج رفات ضحايا انتفاضة 20 يونيو 1981 من مقبرة جماعية بساحة مبنى المطافئ المقابل لمقبرة الشهداء بالدار البيضاء. وصرح الملك محمد السادس بمناسبة تقديم التقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة: "إن الشعب المغربي يجب أن يعرف الحقيقة".

هكذا افتتحت في 2016 سبتمبر مقبرة رسمية لضحايا انتفاضة الدار البيضاء 1981. وصدر الإعلان رسميا عن واجب "إعادة الاعتبار لضحايا هذه الانتفاضة خلال فترة صعبة من تاريخ البلاد".

 إلا أن الأمور سرعان ما التوت لتحيد عن واديها، وليعود المجرى إلى نبعه متبعا أثره الأول. مثل من كان يستظل بسحابة صيف عابر، أو كما قال نقابي مخضرم: "لقد كنا أمام كاميرا خفية، ليس غير".

الذاكرة الموشومة:

اليوم، وبعد أربعين عاما على أحداث "انتفاضة 20 يونيو 1981"، وقد قضى من قضى من ضحاياها، ومحمد نوبير الأموي قائد المركزية العمالية التي دعت إلى الإضراب، تحت وطأة الزهايمر، فإن الذاكرة الأليمة لم تنس ما حدث، وتحتفظ بتفاصيلها الموشومة. ورغم مرور الذكرى وسط ما يشبه الصمت والتضليل، فإن الانتفاضات التي سبقت 1981، والتي تلت هذا التاريخ صارت تقارن ب"انتفاضة 20 يونيو 1981"، بوصفها أحد أكثر أيام سنوات الرصاص سواداً، ودليلاً قوياً على تدهور وضعية حقوق الإنسان في عقود خطيرة من تاريخ المغرب الحديث. ولا يزال سؤال الملك محمد السادس "أين الثروة؟" (2014) من دون جواب حقيقي، وفي طيات السؤال الرد الشافي على أسباب ومكامن الخلل. وقد عجزت مؤخرا "لجنة النموذج التنموي" على الإتيان بالجواب. لذلك، وحسب مراقبين سياسيين، فإن تكرار سيناريو الاحتجاجات الشعبية، والرد القمعي عليها سيتكرر، ما دام انسداد الأفق ماثلا، وانفلات زمام المسار من يد أصحابه التقليديين يتسع ويكبر. وبعد فشل مؤسسات الوساطة، أي الأحزاب، عن إعادة كسب ثقة المواطن، خصوصا عقب استقطاب وتدجين قوى المعارضة. وقد تبخرت لازمة "الاستثناء المغربي" في أكثر من محطة. يعلق أستاذ جامعي متقاعد بأن "غياب حلول ناجعة وحقيقية لمعالجة الوضع الاقتصادي والاجتماعي واستمرار استشراء الفساد، لا يعني إلا انتظار الانفجار الاجتماعي. "الانفجار خلف الباب يتأهب لتسطير أحداث قد تكون أشد ألما وإيلاما".

 

-----------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).