بقلم: عبد الرحيم التوراني
في سنوات جفاف مرت على مغرب نهاية السبعينيات، والحرب محتدمة بالأقاليم الصحراوية الجنوبية، بين الجيش المغربي والبوليساريو المسنودة من الجزائر. وفي عز طقس حار، تحت سماء رصاصية اللون بغيوم متلبدة داكنة، وكأن الطبيعة أبت إلا أن تعكس دواخل الأنفس الخفية ومأساوية واقع مرير أرخى بكلكله على كبرى مدن البلاد، التي تختصر تفاصيلها سيرة وطن بأكمله. كانت الحكاية تطرز لوحة التاريخ بخيوط من دم. إنها الدار البيضاء 1981.
سنتها، دعت مركزية عمالية حديثة النشأة، أسسها اشتراكيون معارضون باسم "الكونفدرالية الديمقراطية للشغل"، إلى إضراب عام، احتجاجا ضد رفع الحكومة لأسعار المواد الأساسية. وصادف اليوم تاريخ السبت 20 يونيو 1981. فسارعت الحكومة وتوعدت كل من يجرؤ على الانضمام للدعوة "المارقة"، لكنه كان تهديدا فاشلا. إذ منذ الساعات الأولى لليوم الموعود اتضح نجاح الإضراب. توقفت حركة السير بالمدينة العمالية وصمتت آليات المصانع والمؤسسات الكبرى في العاصمة الاقتصادية للبلاد. فكان رد السلطة بالقمع الشديد، ما خلف أعدادا بالمئات من الضحايا وآلافا من المعتقلين.
شهداء كوميرا:
بعد يومين من الانتفاضة الدامية، ووسط إجراءات حظر للتجول وانتشار للدبابات والعساكر بالرشاشات وسط الشوارع، بدت معها المدينة ساحة حرب حقيقية، جلس المغاربة متوجسين يترقبون ما ستقوله الأخبار الرسمية على القناة التلفزيونية الوحيدة المملوكة للدولة. وانطلق البث المباشر لجلسة بالبرلمان، هي لحظة تاريخية ولا ريب. ترى بماذا سيرد المسؤولون في الدولة وكيف سيبررون التصعيد بالتقتيل واعتقال المحتجين ضد ارتفاع الأسعار؟!
بعد تقديم سريع لرئيس البرلمان الداي ولد سيدي بابا (الموريتاني الأصل)، اعتلى المنبر أقوى وزير في الحكومة وفي مملكة الحسن الثاني، من سيهيمن شخصه على كل قطاعات الدولة، حتى دعيت وزارة الداخلية في عهده ب"أم الوزارات"، وسيرتبط اسمه بالشطط وبشراسة القمع وتزوير الانتخابات، كان إدريس البصري "يد المخزن" الباطشة على مدى ربع قرن، ملأ البلاد بالفساد وظلم العباد. فلا شيء يمضي من دون أوامره الصارمة، أو من دون أن يضع عليه بصمته. وكانت الصدمة التي تلقاها المواطنون ذلك المساء الحزين، وفي مقدمتهم عائلات الموقوفين وأسر الضحايا الذين سقطوا برصاص القوات القمعية، لأنهم طالبوا ب"الخبز الحافي" فألقموا دسم الرصاص الحي.
وقف وزير الداخلية إدريس البصري ببذلته الفاتحة اللون وربطة عنقه المؤاتية. إنها بدايات الصيف القائظ يا صاحبي! وبكل الاستخفاف المستهجن، والاستهزاء البالغ حد الشماتة، خرجت من فمه "رصاصات الرحمة" التي أكملت أمر الإعدام. كلمات مليئة بالتشفي نطقها الوزير بلكنة أهل بادية "الشاوية" المعروفة. يومها تحدث إدريس البصري عن القتلى بالرصاص من الشباب الذين أعدمتهم قوات القمع، قائلا إنه لا يمكن اعتبار "شهداء كوميرا"، و"الكوميرا" هي الخبز الفرنسي "باغيت" أو "باريزيان" الطويل الشكل.
كان البصري يرد على صحيفة المعارضة "المحرر"، (التي تم منعها مباشرة بعد الأحداث)، وكانت قد نشرت في صفحتها الأولى صورة لشهيد الاستقلال محمد الزرقطوني بمناسبة تزامن الأحداث مع إحياء ذكرى "يوم المقاومة" ضد الاستعمار الفرنسي المصادف ليوم استشهاده (18 يونيو 1954). وقد فهم الوزير أن الجريدة تغمز من قناة التحريض ضد النظام، وأنها تعمدت ربط نضال الشعب زمن الكفاح ضد الاستعمار بحراك المغاربة ضد رفع أسعار مواد السكر والزيت والدقيق والحليب والزبدة. صرخ البصري: كيف تمكن المقارنة بين شهداء الاستقلال و"شهداء كوميرا"؟!.. من يومها ارتبط اسم الانتفاضة بعبارة إدريس البصري، بل أصبحت العبارة تدل على "انتفاضة 20 يونيو 1981"، والأكثر من ذلك، على الاستهتار الذي واجهت به السلطات مطالب شعبية اجتماعية بسيطة.
إلى جانب الجرحى والقتلى في يوم الأحداث، سيق الآلاف إلى مراكز التوقيف. منها ثكنة للدرك الملكي في "عين حرودة" بضواحي الدار البيضاء.
أقلية مارقة:
وأتى الموعد مع ملك البلاد الحسن الثاني، الذي توجه إلى الشعب في خطاب 24 يونيو 1981 منبها إلى أن "صورة المغرب تم الإضرار بها"، خصوصا وأنه صودف توجهه لحضور القمة الإفريقية في نيروبي العاصمة الكينية، وعلى جدول أعمالها الرئيسي قضية الصحراء. أشار الملك إلى أنه حينما سيصل إلى نيروبي "سنجد فيها وبلا شك، مع الأسف، أصداء أحداث الدار البيضاء، تلك الأصداء التي تكون قد شوهتها بعض الصحف، وزادت فيها بعض الأطراف التي لا تريد لنا خيرا، ولا تريد أن يظهر ملك المغرب في نيروبي، وسط إخوانه وأمام خصومه، بالمظهر الذي يليق بالمغرب ويليق بمحامي المغرب".
وتساءل الملك بمرارة: "هل يا ترى سيخيب الظن لأن البعض غلبوا قوة الشارع والعنف والنهب على حجة الحوار والسلم والتسالم والقانون؟". وفي الخطاب وصف الحسن الثاني المتظاهرين بـ"أقلية مارقة فاتنة مفتنة لا تحترم مقدساتها ولا قوانينها". وتحاشيا لتداعيات ارتجال الخطاب أضاف الحسن الثاني: "لا أريد أن أزيد في هذا الموضوع لأنني أخاف أن يخرج من فمي كلام لا يليق بأب حازم ورؤوف في آن واحد، فالشعب المغربي لا يستحق أن تنسب إليه أمثال هذا النوع من البشر الذي لا يحترم الممتلكات والأشخاص، زيادة على أن جل ما ضاع وأتلف هو ملك لتلك الطبقة الكادحة الضعيفة، فالسيارات التي أحرقت في تلك الأحياء الشعبية ليست إلا سيارات أولئك الكادحين العاملين الذين عملوا عشرين أو خمس عشرة سنة لتكون لهم سيارة أو ليكون لهم بيت أو ليكون لهم متجر، كل ذلك أصبح متلفا لأن بعض الأشخاص لم يراعوا حسن الجوار في الدرب، ولا حسن المواطنة في المدينة، ولا الوعي أو الوفاء لقضاياهم الوطنية".
محاكمة الصعاليك:
في ندوة صحفية، جوابا على سؤال صحفي أجنبي، رد الحسن الثاني باختصار: "الأمر يتعلق بألفين من المتظاهرين، وهذا أمر ليس بخطير". وإن "محاكمة 500 ألف من الصعاليك لا تخيفني".
وحسب الملك دائما، فإن ما جرى: "هو أن الأسعار كانت ذريعة للقيام بهيجان اختير له مكان هو الدار البيضاء. وفي الدار البيضاء نفسها اختير حيز معين منها، وفي اليوم الموالي كان هناك استنكار عام. إن الناس تقبل الاحتجاج ولكن من يرضى بالنهب، كنت أقبل السماح بمظاهرة مؤلفة من مليون شخص، تنطلق من ساحة لتصل إلى ساحة، ويؤطرها زعماء نقابيون أو سياسيون وأمامها لافتات بمطالب".
ليلة ذكرى ميلاده التي يطلق عليها "عيد الشباب"، في ثامن يوليوز 1981، أي بعد ما يزيد قليلا عن أسبوعين من الأحداث الدامية، خاطب الحسن الثاني المغاربة وعاتبهم أنهم وضعوا ملكهم في حيرة من أمره: "حقيقة جعلتموني في حيص بيص..."، ولأول مرة جاء على لسانه أن عدد من قتلوا في 20 يونيو هم 66 ضحية فقط...!!. ثم استنكر مبالغة الشعب في التذمر والتشاؤم. وعاد للتأكيد على وصف المحتجين المتظاهرين بـ"شرذمة من الصعاليك لا تتعدى الألفين سيقدمون إلى المحاكمة تسببوا في القتل والنهب، وهذا أمر لا يخيف المغرب ولا يدعوه إلى القلق، حتى ولو كان الأمر يتعلق بخمسمائة ألف من الصعاليك، ولقد عشنا أحداثا مهولة ولم تؤثر في مضاء عزيمتنا".
الجوع والعطش:
عقدت محاكمات خاصة لمتابعة القيادات النقابية والسياسية، وأخرى لآلاف المتظاهرين، ووزعت قرون من السجن على المتهمين، كما منعت صحيفتي المعارضة ("المحرر" وليبيراسيون"). أما القتلى فقد تم دفنهم بمقابر جماعية ظلت أمكنتها مجهولة، إذ تم العمل بجدية على طمس حقائق ما حدث، ومورس التضييق على وسائل الإعلام الأجنبية والمراقبة الدولية التي هرعت لتغطية الأحداث ومنعت من تقصي حقيقة ما جرى. ولحد اليوم لم يتم حصر لوائح ضحايا انتفاضة 20 يونيو 1981، أو الكشف عن جميع المدافن السرية. وتسرب أيامها عن عاملين بمشرحة الدار البيضاء أن العدد يناهز الألفين قتيلا. منهم من قتل بالرصاص، وأكثرهم ماتوا اختناقا في مراكز الاعتقال.
لكن الاحتجاجات ضد الأوضاع المعيشية وضد السياسات اللاشعبية لم تتوقف. وانتقلت الانتفاضات عبر توالي العقود لتعم جهات أخرى بالمملكة. وإلى جانب "انتفاضات الجوع"، عاشت مناطق بالجنوب "انتفاضات العطش"، إذ تستغل مياههم شركات مناجم، ولا يصلهم ما يطفئ الغليل ويكفي بهائهم والسقي.
كاميرا خفية:
مع العهد الجديد، لاحت تباشير أمل، خاصة مع إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة، التي أشرفت على جبر الضرر لعدد من ضحايا "سنوات الرصاص" منذ الاستقلال إلى نهاية التسعينيات. وهبَّتْ نسائم من حرية التعبير والرأي. وتم تحديد قبور عدد من الضحايا في مدافن سرية، بناء على تحريات اعتمدت محاضر الشرطة وسجلات وزارة الصحة وتقارير المنظمات الحقوقية، ليصدر أمر ملكي باستخراج رفات ضحايا انتفاضة 20 يونيو 1981 من مقبرة جماعية بساحة مبنى المطافئ المقابل لمقبرة الشهداء بالدار البيضاء. وصرح الملك محمد السادس بمناسبة تقديم التقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة: "إن الشعب المغربي يجب أن يعرف الحقيقة".
هكذا افتتحت في 2016 سبتمبر مقبرة رسمية لضحايا انتفاضة الدار البيضاء 1981. وصدر الإعلان رسميا عن واجب "إعادة الاعتبار لضحايا هذه الانتفاضة خلال فترة صعبة من تاريخ البلاد".
إلا أن الأمور سرعان ما التوت لتحيد عن واديها، وليعود المجرى إلى نبعه متبعا أثره الأول. مثل من كان يستظل بسحابة صيف عابر، أو كما قال نقابي مخضرم: "لقد كنا أمام كاميرا خفية، ليس غير".
الذاكرة الموشومة:
اليوم، وبعد أربعين عاما على أحداث "انتفاضة 20 يونيو 1981"، وقد قضى من قضى من ضحاياها، ومحمد نوبير الأموي قائد المركزية العمالية التي دعت إلى الإضراب، تحت وطأة الزهايمر، فإن الذاكرة الأليمة لم تنس ما حدث، وتحتفظ بتفاصيلها الموشومة. ورغم مرور الذكرى وسط ما يشبه الصمت والتضليل، فإن الانتفاضات التي سبقت 1981، والتي تلت هذا التاريخ صارت تقارن ب"انتفاضة 20 يونيو 1981"، بوصفها أحد أكثر أيام سنوات الرصاص سواداً، ودليلاً قوياً على تدهور وضعية حقوق الإنسان في عقود خطيرة من تاريخ المغرب الحديث. ولا يزال سؤال الملك محمد السادس "أين الثروة؟" (2014) من دون جواب حقيقي، وفي طيات السؤال الرد الشافي على أسباب ومكامن الخلل. وقد عجزت مؤخرا "لجنة النموذج التنموي" على الإتيان بالجواب. لذلك، وحسب مراقبين سياسيين، فإن تكرار سيناريو الاحتجاجات الشعبية، والرد القمعي عليها سيتكرر، ما دام انسداد الأفق ماثلا، وانفلات زمام المسار من يد أصحابه التقليديين يتسع ويكبر. وبعد فشل مؤسسات الوساطة، أي الأحزاب، عن إعادة كسب ثقة المواطن، خصوصا عقب استقطاب وتدجين قوى المعارضة. وقد تبخرت لازمة "الاستثناء المغربي" في أكثر من محطة. يعلق أستاذ جامعي متقاعد بأن "غياب حلول ناجعة وحقيقية لمعالجة الوضع الاقتصادي والاجتماعي واستمرار استشراء الفساد، لا يعني إلا انتظار الانفجار الاجتماعي. "الانفجار خلف الباب يتأهب لتسطير أحداث قد تكون أشد ألما وإيلاما".
-----------------------------------
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).