Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

People walk by posters of Iranian Sakineh Mohammadi-Ashtiani which read "save Sakineh" in central Rome on September 9, 2010…
ملصقات في روما تدعو لإنقاذ المواطنة الإيرانية سكينة محمدي أشتياني التي حكمت محكمة إيرانية عام 2006 بإعدامها رجما (أرشيف)

د. توفيق حميد

ذكر ولي العهد السعودي أن المملكة العربية السعودية سوف تعتمد أساساً عل القرآن بمفهوم متطور والأحاديث المتواترة اليقينية عن الرسول عليه السلام، وأنها لن تعتمد كثيراً على أحاديث الآحاد والخبر. 

ولفهم هذا الأمر علينا أن ندرك أن "الأحاديث المتواترة" جاءت من خلال أعداد كثيرة من الرواة نقلاً عن أعداد كثيرة من الرواة أيضاً. أما حديث "الخبر" فهو إن روى الحديث فرد عن فرد كما جاء في معظم كتب الأحاديث التي تم جمعها بعد أكثر من 200 عام من وفاة الرسول. وتأتي أحاديث الآحاد في موقع الوسط فهي قد تنقل (بضم التاء) عن مجاميع ولكن تتم الرواية أحياناً من خلال شخص واحد في سلسلة الرواة عبر العصور المختلفة فيروي "فلان" عن "مجموعة".

ووقع ما قاله محمد بن سلمان كالصاعقة على من يفهمون أسس علم الحديث، واعتبره الكثيرون ثورة فكرية ضرورية بل ورائدة كان يحتاجها الإسلام منذ فترة طويلة.

والحقيقة أن رفض أحاديث الآحاد في السابق كان يراه المتطرفون كفراً أو ردة عن الإسلام. فأحاديث الآحاد هي التي أباحت لهم "الإرهاب" فقالت لهم إن الرسول قال "نصرت بالرعب" و"جعل (بضم الجيم) رزقي تحت ظل رمحي" وهي التي أقرت لهم حكم "الرجم" الهمجي في موضوع الزنا، وهي التي أباحت لهم "زواج الطفلات" قبل الوصول لمرحلة النضج (أسوة بحديث زواج الرسول من عائشة ودخوله عليها وعندها تسع سنين) على عكس ما قاله القرآن "ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله" (سورة البقرة). 

وأحاديث الآحاد هي التي أباحت لهم "الاغتصاب الزوجي" وجعلت الملائكة يلعنون المرأة إن امتنعت عن فراش زوجها ولو لليلة واحدة، وأحاديث الآحاد هي التي قالت إن "المرأة المتعطرة" تكون زانية بسبب تعطرها، وأحاديث الآحاد هي التي لعنت "الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة والواشرة والمستوشرة" أي لعنت من تتكحل (المستوشمة) أو تلبس خصلة شعر لتتجمل (المستوصلة) أو تزيل شعر حواجبها (المتنمصة) أو ترقق جلدها وتجعله ناعماً (الواشرة)، ولعنت أيضاً من تفعل ذلك لها.

وأحاديث الآحاد هي التي أقرت "الحجاب" بناء على حديث ضعيف وهو حديث "الوجه والكفين"، وأحاديث الآحاد هي التي أباحت لهم "قتل المرتد" بناء على حديث " من بدل دينه فاقتلوه" بدلاً من اتباع القرآن في منهج حرية العقيدة (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ). 

وأحاديث الآحاد هي التي سمحت لهم بهدم الكنائس ودور عبادة غير المسلمين، وهي التي أباحت لهم "فرض الصلاة" بالقوة على الناس بناء على حديث "عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال (لم يصلوا) فأحرق عليهم بيوتهم" (لأنهم لم يذهبوا لصلاة الجماعة!).

ولا أدري أين أنتهي هنا، فأنا وكأني أرى ديناً آخر يتعارض وبشدة مع القرآن تم خلقه وتسويقه عبر التاريخ تحت اسم "الإسلام".  

والعجيب في الأمر، أن رفض أحاديث الآحاد كان يراه البعض كفراً كما ذكرنا. وتجلى ذلك في فتوى عن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء بتاريخ 19 مايو 2020 وهي برئاسة عبد العزيز بن باز،  وجاء فيها نصاً ما يلي: "الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه. وبعد: إذا ثبت حديث الآحاد عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان حجة فيما دل عليه اعتقادًا وعملاً لإجماع أهل السنة، ومن أنكر الاحتجاج بأحاديث الآحاد بعد إقامة الحجة عليه فهو كافر، وأرجع في الموضوع إلى كتاب الصواعق لابن القيم أو مختصره للموصلي". و"بالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم".

ولكن من ناحية أخرى فمثل هذه الأحاديث كانت سبباً رئيسياً في إلحاد الكثير من الشباب، ووصفها البعض بـ"ظاهرة الإلحاد" في العالم العربي! 

والصراع الآن سيكون بين من يريدون إسلاماً يقبل أحاديث الآحاد فيبيح كل ماسبق من بشاعات وقهر للمرأة وعنف وغلظة وينسبها إلى الإسلام، وبين من يريدون إسلاما يرفض العنف والقهر باسم الدين ويعلي من مبادئ الرحمة والخير والجمال! فيا ترى من سينتصر؟

وللحديث بقية!
 

 

 

----------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

سناء العاجي الحنفي

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).