Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

قضية عمر الرداد: بعد ثلاثين عاما.. هل ستدق ساعة الإنصاف؟

28 يونيو 2021

بقلم: عبد الرحيم التوراني

"الحقيقة لا تموت". عبارة انتصار غالبا ما تطفو على السطح كلما تم فك لغز غامض، أو ظهرت حقيقة جريمة ما بعد انزلاق التحقيق نحو مسارات غير صحيحة. إن طمس الحقيقة لا يصمد مهما بلغت درجة إخفائها، ومهما طال الزمن. ويسجل لنا التاريخ كثيرا من الوقائع والأحداث التي انتصرت فيها الحقيقة في الختام بعد أن كان الاعتقاد أن الملف طويت أوراقه وقضي الأمر.

كم من مجرم برأت العدالة ساحته لعدم وجود دليل إثبات. وبالمقابل كم من بريء أدانه القضاء لفرضية الشك أو لعدم الاهتداء إلى الحقيقة بسبب خطأ في تقييم الشهود أو في أدوات الإثبات المعروضة، فجاء حكم القاضي خاطئا وظالما.

لكن الخطأ القضائي لا يشبه غيره من الأخطاء، إنه خطأ مدمر، تنعكس آثاره وتداعياته على معنويات ضحيته، وعلى أحواله المادية والمعنوية عندما يطول المحيط الاجتماعي.

لكن ماذا يمكن فعله عندما تظهر الحقيقة وتسطع بارقة لتبرئة المتهم الذي ظلم وأدين؟ لمن ستوجه المساءلة وقتها؟ وما هو واجب الدولة والقانون والمجتمع تجاه الضحية؟ كيف يمكن التعويض عن الأضرار التي لحقت الضحية بسبب التحقيق المعيب المفضي إلى الخطأ القضائي؟ 

هي أسئلة من جملة تساؤلات عدة يمكن أن تطرح بمناسبة ظهور الحقيقة أخيرا في الملف الجنائي المثير والمعروف باسم "قضية عمر الرداد"، وذلك بعد مرور ثلاثة عقود كاملة.

بعد ليل طالت حلكته، انبلج ضوء الفجر ولاحت تباشير صبح مشع بالأمل ليسري في قلب المتهم البريء، ولتسعد عائلته وأهله ومواطنيه وكل محبي العدالة والخير للإنسان.

ثلاثون سنة مرت على إدانة المغربي عمر الرداد، منذ عام 1991. قضية لم تطو أوراقها ولم تكن أبدا منذورة للحفظ في رفوف النسيان. قضية حظيت حينها بمتابعة جماهيرية واسعة، سواء في فرنسا أو في المغرب وباقي البلاد العربية. وكتبت عنها مقالات وآراء وتحقيقات صحفية عديدة، وبادر أكثر من مؤلف لتوثيقها في كتب، بل نقلت إلى السينما، للجواب عن جانب من التساؤلات ولرفع الحيرة وبعض الالتباس.

لعل الهدوء الجلي لهذا الشاب البستاني الوسيم وهو أمام المحكمة، أضفى على ملامحه براءة ناصعة، مما أكسبه تعاطفا كبيرا من لدن الجمهور الفرنسي، وتضامنا أقوى من مواطنيه. ورغم عدم وجود دليل قوي لإدانته، فقد كان حكم القضاء قاسيا، لكن بفضل تدخلات أكثر من جهة، منها تدخل الأمير المولى هشام ابن أخ ملك المغرب، ثم تلاه دخول العاهل المغربي الحسن الثاني على الخط، وجد حلٌ قانوني ضمن اتفاق بين المغرب وفرنسا حول تبادل السجناء، جعل البستاني يستفيد من عفو جزئي عام 1996 وقعه الرئيس الفرنسي جاك شيراك، لتخفف عقوبته إلى أربع سنوات وثمانية أشهر، ويغادر السجن سنة 1998 بعد أن أمضى سبع سنوات في السجن. ورغم العفو الرئاسي، ظل عمر الرداد يتحمل المسؤولية الجزائية عن مقتل مدام مارشال.

بمجرد مغادرته السجن وجد عمر الرداد عملا بمساعدة من مغاربة يديرون معملا لتصنيع اللحوم في مدينة مرسيليا. لكن تهمة جريمة لم يرتكبها ظلت لصيقة به. لقد اقترن اسم عمر الرداد بـ"ضحيته" جيزلين مارشال، وبعبارة "عمر قتلني" التي وجدها المحققون مكتوبة بدم القتيلة على باب قبو في بيتها. وهي العبارة - دليل الاتهام الذي استند عليه القضاة لإدانة البستاني، إذ لم يقتنعوا بما قدمه عمر الرداد من أقوال وحجج حول تواجده بعيدا عن مكان الجريمة ساعة وقوعها. كما أن الدفاع، واعتمادا على تقرير لخبراء الخط، قدم بأن كتابة "عبارة الاتهام"، لا تتطابق مع خط الضحية. إضافة إلى الخطأ الإملائي الذي لا يمكن أن ينسب لامرأة مثقفة مثل مدام مارشال.

شهدت أطوار المحاكمة "فترة من الفوضى العميقة بعد رفض استئناف بالنقض". ويكفي أن نذكر حجم الإثارة التي اكتست بها قضية عمر الرداد، لما نعرف أن محاميه لم يكن غير الأسطورة جاك فيرجيس المثير للجدل، الزوج السابق للمناضلة الجزائرية جميلة بوحريد، ومحامي المجاهدين الجزائريين، والفدائيين الفلسطينيين واللبناني جورج إبراهيم عبد الله والفنزويلي كارلوس.

خلال سنوات سجنه، لم تبتعد الصحافة عن عمر الرداد، وتتبعت كل خطواته، بل إنها عملت على نقل سلوكه وهو في زنزانته بسجن "موريه"، حيث روى عنه الحراس أنه كان نزيلا مختلفا. ووصفوه بـ"السجين الهادئ". وكان سينمائي من أصول مغربية هو الممثل والمخرج رشدي زم قام بإخراج فيلم حول القضية بعنوان: "عمر قتلني"، بعد أن دخلت العبارة قواميس اللغة الفرنسية وصارت تستعمل في سياقات لغوية وتعبيرية مختلفة.

هذا الأسبوع طلعت يومية "لوموند" الفرنسية بسبق صحفي أعاد القضية إلى واجهة الأحداث. إن القضاء يمكن له اليوم إنصاف عمر الرداد بعد ظهور عناصر جديدة، وهو ما جعل دفاع الرداد يبادر لتقديم طلب جديد قصد مراجعة محاكمته، وإعادة التحقيق للحصول على حكم تام ببراءته.

حسب ما تناقلته وسائل الإعلام عن بيان لهيئة دفاع عمر الرداد، تمكنت صحيفة "لوموند" من الاطلاع على فحوى تقرير يحمل توقيع خبير خاص، خلاصته "وجود نحو ثلاثين أثر لأحماض نووية كاملة تعود لرجال ليس بينهم البستاني الرداد، عثر عليها في إحدى العبارات الشهيرة المكتوبة بدماء الضحية". وبناء على هذا التقرير، تقدم دفاع البستاني المغربي، يوم الخميس (24 يونيو 2021)، بطلب مراجعة المحاكمة، بحضور الأكاديمي جان ماري روارت، مؤلف كتاب عن هذه القضية الجنائية الشهيرة، والبرلماني السابق جورج فينيش، أحد مهندسي الإصلاح الذي أفضى في العام 2014 إلى تخفيف شروط مراجعة الحكم النهائي.

وأضاف بلاغ هيئة الدفاع أنه "بفضل العناصر الجديدة التي تم اكتشافها منذ قرار الرفض الأخير الصادر عن محكمة المراجعة" (في 2002)، "سيتم التعرف على حقيقة براءة عمر الرداد". وختم المحامون بلاغهم بالتأكيد: "إنها قناعتنا الراسخة".

منذ ثلاثين عاما لم يتوقف البستاني عمر الرداد عن الإصرار والجهر ببراءته والتمسك بها، من يوم توقيفه واتهامه بقتل السيدة جيزلين مارشال، التي كان يعتني بحديقة بيتها. وكانت الضحية امرأة في الخامسة والستين، أرملة ثرية تعيش وحيدة. 

في الأسبوع الأخير من يونيو 1991 تلقى مركز للشرطة ببلدة موجين القريبة من مدينة نيس في الجنوب الفرنسي، اتصالا هاتفيا يخص اختفاء جوزلين مارشال، حيث لاحظ الجيران أنها لم تعد تظهر ولا ترد على المكالمات منذ فترة. توجه رجال الشرطة إلى فيلا "شاماد" التي تقطنها السيدة، ليجدوها جثة هامدة داخل قبو وسط بركة من دمائها. ثم انتبهوا إلى عبارة كتبت بالدم على باب القبو: "OMAR M’A TUER" (عمر قتلني). 

لم يطل الوقت لمعرفة هوية القاتل المعني. تم إلقاء القبض عليه وسيق إلى التحقيق ثم إلى المحاكمة. وأدين 18 سنة بالسجن النافذ.

لكن عمر الرداد سيحظى بتعاطف واسع من الفرنسيين، وتضامن أوسع من أبناء وطنه. هكذا شغلت قضيته الرأي العام وأصبحت لغزا محيرا بلا حل.

المتهم شاب مغربي يبلغ من العمر 27 سنة. يتحدر من منطقة "ميضار" التابعة لإقليم "الدرويش"، بإقليم الريف شمال المغرب. في مستهل ثمانينيات القرن الماضي التحق عمر بوالده المهاجر بفرنسا، باحثا عن عمل كريم يكفيه شرور الحاجة والفقر. ثم ما لبث أن وجد عملا كبستاني عند مدام جيزلين مارشال للاعتناء بحديقة بيتها. هنا سيتعرف عمر على مواطنته التي كانت تعمل في بيت الأرملة، لتصبح لطيفة زوجته وأم ابنيه كريم ويوسف. وبعد اقترانهما انتقلت زوجته إلى مدينة فرنسية أخرى، وبقي البستاني في نيس بانتظار تأمين عمل يجمعه بأسرته.

أنكر عمر تهمة القتل، وعدم وجوده ببيت الضحية وقت الجريمة. لكن القضاء أدانه. وفي زنزانته جرب البستاني الانتحار مرات وتم إنقاذه. ولكن إصراره على براءته جعل القضية تتحول لقضية رأي عام. وكان السؤال إن كان عمر لم يقتل السيدة الثرية فمن يكون يا ترى القاتل؟ ومن ثم طرحت العديد من الاحتمالات حول مقتل جيزلين مارشال. وتم تشكيل لجنة دعم من المثقفين والكتاب للمطالبة بإعادة المحاكمة.

وضمن لُجَّة تساؤلات الرأي العام حول القاتل الحقيقي الذي ألبس عمر الرداد جريمته واختفى، عاد التشكيك في الخط الذي كتبت به العبارة. لكن ملتمس جاك فيرجيس بمراجعة المحاكمة لم تتم الاستجابة له، فقام بتأليف كتاب حول القضية رغم قرار الرداد بالتخلي عنه.

ومع مطلع الألفية الجديدة (2000)، اتضح وجود حمض نووي رجالي على أداة الجريمة، لا يتطابق مع الحمض النووي لعمر الرداد، ولكن لم يتم الكشف عن صاحبه. وفي عام 2019 أجرى الخبير لوران برنييو تحليلات لاحقة، كشفت عنها صحيفة "لوموند"، وهي التي يستند عليها اليوم دفاع عمر الرداد لمراجعة الحكم بغية الحصول على براءته، تأسيسا على تحليلات لآثار الحمض النووي المكتشفة عام 2015 لأربعة مجهولين، وبصمتين يمكن استغلالهما تمامًا واثنان آخران جزئيًا، عثر عليها في مسرح الجريمة. وكلها لا تتطابق مع عمر الرداد.

الفقر وممارسة القمار والتردد على دور الدعارة، وشهادة الزور من خادمة، وعدم معرفته باللغة الفرنسية، كلها عوامل ساعدت على إدانة البستاني، لكن المحامي جاك فيرجيس أضاف إليها كون عمر الرداد مهاجر ومغاربي. لذلك هاجم المحامي الشهير القضاء الفرنسي قائلا: "منذ مائة عام تمت إدانة عسكري بسبب يهوديته، أما اليوم فيدان البستاني عمر الرداد لأنه مغاربي". في إشارة إلى حادثة الضابط في الجيش الفرنسي ألفريد دريفوس الذي اتهم زورا في عام 1894، واشتهرت قضيته بتدخل الكاتب الفرنسي الكبير إيميل زولا ورسالته المشهورة: "إني أتهم..".

قبل ثلاثين سنة عجز شاب مهاجر عن الدفاع عن نفسه أمام المحكمة لجهله اللغة الفرنسية، وبسبب إهمال المحكمة توفير مترجم محلف خاص له. أما اليوم فقد تعلم عمر الرداد وأصبح بإمكانه الرد على أسئلة المحققين والقضاة بلغتهم. وبعد ثلاثين سنة رحل عن دنيانا جاك فيرجيس وجاك شيراك والعديد من وجوه المحكمة وشهودها، لكن الحقيقة لا تموت.

هل سيتم إنصاف عمر الرداد علميا بعد أن جرت إدانته ظلما؟  

هل ستصدر عن لطيفة، زوجته زغرودة النصر، بدل صرخة الاكتواء بالظلم التي أطلقتها في المحكمة قبل عقود قبل أن يغمى عليها؟ 

الجميع يؤمن بأن ساعة الحقيقة حانت. فلتقرع أجراسها الآن...

 

-----------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).