Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

التقديس والتحريف!

04 يوليو 2021

بقلم: سناء العاجي

طالبة مغربية شابة تبلغ من العمر 23 سنة نشرت على فيسبوك منشورا ساخرا اسمه "سورة الويسكي"، في محاكاة لسورة الكوثر. حدث هذا سنة 2019... 

بعد ذلك، سافرت الشابة للدراسة في أوروبا.. وعند عودتها لقضاء العطلة مع أسرتها في 20 يونيو 2021، تم إلقاء القبض عليها بتهمة المس بالمعتقدات الدينية للشعب المغربي. وأصدرت المحكمة في حقها حكما بالسجن لمدة ثلاث سنوات نافذة وغرامة مالية قدرها 50 ألف درهم (حوالي 5600 دولار أميركي).

لماذا يا ترى لا نسمع بأحكام مشابهة في حق مئات الأشخاص ممكن يكتبون باستمرار بأن الإنجيل محرف وبأن التوراة محرف؟ لماذا لا تصدر المحاكم أحكاما بالسجن ضد من يسخرون من الهندوس على اعتبار أنهم "يعبدون الأبقار"؟ بغض النظر عن كون هذه التصريحات تنم عن جهل حقيقي بالديانة الهندوسة وبالديانة المسيحية وبالديانة اليهودية، فهذا في النهاية مس بالمعتقدات الدينية لليهود المغاربة مثلا، ولليهود عموما والمسيحيين والهندوس. هل يمكن مثلا أن نتخيل متابعة مسلمي أوروبا وأميركا والهند قضائيا بتهمة المس بالمعتقدات الدينية للبرتغاليين والكنديين والهندوس والأستراليين؟ أم أن مشاعر المسلمين وحدها تستحق الاحترام؟ 

ببساطة، من غير المقبول أن يدخل شخص السجن بسبب معتقداته أو بسبب سخريته من معتقد الآخر. الدعوة للعنف وللتطرف وللإقصاء ومختلف تعابير العنصرية تشكل خطرا ضد الآخر وتستحق العقاب. لو دعت هذه الشابة لقتل المسلمين لاستحقت السجن. لو شجعت على العنصرية والتمييز ضدهم أو ضد أي فئة أخرى (السود، قصار القامة، غير المختونين، النساء، المتزوجون، العزاب...) لاستحقت السجن. لكن المعتقد في النهاية هو فكرة ومن حق أي كان التعبير عنها والدفاع عنها أو انتقادها أو السخرية منها. 

المشكلة في تفكير بعض المسلمين (وبعض القوانين تؤطره وتحميه) أنه يضع نفسه في مركز الكون ويعتبر أن من حقه السخرية من كل المعتقدات بناء على مركزيته الدينية وإطلاقية تدينه. لكنه لا يسأل نفسه مثلا: لو أن البوذي والشيعي والهندوسي والبهائي وغيرهم يؤمنون، كما يؤمن، بأن دينهم ضلال أو محرّف أو غير صحيح، أما كانوا ليتركوه ليعتنقوا الدين الوحيد الذي يراه المسلم صحيحا والذي لا يرونه بالضرورة كذلك (لأنهم ببساطة يؤمنون أنهم على الدين الصحيح!)؟ هل يعقل أن يوجد يهودي مؤمن أو مسيحي مؤمن، وهما مقتنعان بأن "دينهما محرف" وأن "كتابهما محرف"؟ ألا يحاول المسلم "المعتدل" أن ينظر للأمر من وجهة نظرهم، والتي تعتبر بدورها بأن ديانتهم هي الصحيحة وأن إيمانهم بها، بناء على ذلك، مترسخ تماما كما هو مترسخ إيمان المسلم بمعتقده؟ 

ألا يسأل المسلم "المعتدل" نفسه عن شعور المسيحي واليهودي حين يعتبرهم "مغضوبا عليهم وضالين" أم أن تلك قناعته وذلك ما يقوله كتابه المقدس، بغض النظر عما يشعر بها الآخر؟

ماذا مثلا لو دخل مسلم ألماني السجن لأنه يجرح مشاعر المسيحيين واليهود في ألمانيا حين ينشر سورة الفاتحة أو تفسيرها على الفيسبوك؟ 

ماذا لو شجع مسلم مكسيكي مكسيكيا آخر على دخول الإسلام، فدخل الأول السجن بتهمة "زعزعة عقيدة مسيحي مكسيكي" كما قد يدخل السجن أي مبشر مسيحي في المغرب؟ 

أم أن مشاعر المسلمين فقط هي المقدسة؟ 

حين نؤمن بأن معظم من ولدوا على ديانة معينة مؤمنون بها في أعماقهم ولا يسائلون مسلماتها، بقدر ما قد يسائلون خرافات ومغالطات المعتقدات الأخرى؛ وحين نؤمن أن كل شخص يرى نقائص معتقدات الآخرين لكنه لا يسائل معتقده لأنه مترسخ في تكوينه؛ وحين نؤمن بأن الدعوة للعنف وحدها تستحق العقاب وأن ما دون ذلك كله مباح للجميع (وإلا، فاحترام المعتقدات لا يتعلق بمعتقدنا فقط بل أيضا بمعتقدات الآخرين)... حينها فقط، سننتمي لقيم الإنسانية التي تساوي بين الأفراد بغض النظر عن معتقداتهم... والتي تؤمن بالحق في الإيمان وفي الممارسة الدينية... تماما كما تؤمن بالحق في عدم الإيمان وفي انتقاد والسخرية من كل المعتقدات!

 

-----------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

عمران سلمان

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).