Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

Turkey's President Tayyip Erdogan holds a news conference during the NATO summit at the Alliance's headquarters in Brussels,…
إردوغان في اجتماع الناتو

د. عماد بوظو - عندما بدأ أردوغان سياسة التقارب مع مصر والسعودية وفرنسا قبل بضعة أشهر، كان الانطباع السائد عند أغلب المحللين أن سبب سياسته الجديدة قدوم إدارة أمريكية جديدة لها تحفظات على ملف حقوق الإنسان داخل تركيا وعلى سياساته الإقليمية، ولذلك تقبّل الأخوان المسلمون التعليمات التي صدرت لهم من تركيا بوقف الهجوم على الحكومة المصرية وعملوا على إيجاد المبررات للموقف التركي الجديد باعتبار أن الحفاظ على استقرار حكم حزب العدالة والتنمية في تركيا يجب أن يكون أولوية عند الإسلاميين، وباعتبار أن هذه السياسة مجرد تكتيك مؤقت فرضته ظروف محددة.  

ولكن خلال الشهر الحالي التقى الرئيسان بايدن وأردوغان في قمة مغلقة استمرت 45 دقيقة تبعها لقاء للخبراء لمدة مماثلة، وقد وصف الرئيس بايدن هذا اللقاء بأنه ناجح للغاية، ربما لأن أولويات السياسة الأمريكية في المرحلة الحالية هي مواجهة التحدي الاستراتيجي الذي تمثله الصين والسياسات الاستفزازية التي يقوم بها بوتين عبر العالم، ولذلك بدأ الاجتماع بشكل ودي من الطرفين فلم يتطرّق أردوغان إلى موضوع اعتراف الولايات المتحدة بمجازر الأرمن وفي المقابل كانت اللهجة الأمريكية حول ملف حقوق الإنسان في تركيا أقل حدّة مع الأمل بأن لا تقوم الحكومة التركية بإعتقالات جديدة أو تقييد على حرية التعبير بما قد يعيد هذا الملف إلى الواجهة مرة أخرى، وكذلك التأكيد على أن مكامن غاز شرق المتوسط الحالية هي خارج المياه الإقليمية التركية ومن الأفضل ترطيب العلاقة مع اليونان. 

أما حول صواريخ إس 400 فقد أكدت تركيا أن عملية الشراء قد تمت ولا يمكن العودة عنها، والخيارات الممكنة حاليا لتجاوز هذه القضية تتراوح بين تشغيلها كجزر معزولة عن شبكة الدفاع الجوي التركية إلى عدم تشغيلها نهائيا وإبقائها في المستودعات مع التأكيد على عدم السماح بدخول خبراء روس إلى أي قاعدة عسكرية تركية، وستتابع لجان مختصة التطمينات التي ستقدمها تركيا في هذا المجال وفي حال كانت مقنعة سيتم إعادة النظر في عودة تركيا إلى برنامج طائرات إف 35. 

أمّا في السياسة الإقليمية فقد وجد كل طرف ضالّته عند الطرف الآخر، فهناك إدارة أمريكية تريد الانسحاب من الشرق الأوسط وستكمل خلال شهرين خروجها النهائي من أفغانستان كما خفضت قواتها إلى الحد الأدنى في العراق وسحبت جزءا مهما من المعدات وصواريخ الباتريوت من الخليج، وهناك في المقابل رئيس تركي يريد أن يلعب دورا إقليميا كبيرا، خصوصا  أن المواقف التركية والأمريكية متقاربة في أغلب الملفات الإقليمية، فالوجود التركي في سوريا الذي يشكل إزعاجا مؤكدا لروسيا وإيران لأنه يختلف عن رؤيتهما لطبيعة المشكلة السورية أو طريقة حلها التي تختصر عندهما ببقاء النظام بشكله الحالي، يراه الأمريكيون ورقة ضغط إضافية قد تدفع بإتجاه حل سياسي للمشكلة السورية يستند على القرار 2254، رغم وجود خلاف بين البلدين حول الدور الكردي شرق الفرات. 

وفي ليبيا تعتبر الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا أن التهديد الرئيسي للمصالح الغربية هناك يأتي من مرتزقة فاغنر الروسية التي دخلت إلى شرق ليبيا قبل عدة سنوات بدعوة من الجنرال حفتر بدون إتفاقيات معلنة ومحددة حول مهمة ومدة وجود هذه الميليشيات التي تركّز وجودها حول حقول النفط، وحذرت الأمم المتحدة حفتر بأنه عقد صفقة مع الشيطان باستقدامه هذه الميليشيا، وقالت صحيفة التايمز البريطانية في شهر فبراير الماضي "من المحتمل أن ينتهي حفتر إلى خادم لمرتزقة فاغنر الروسية فهم لم يعودوا يتظاهرون بأنهم يعملون لديه"، كما قالت القيادة المركزية الأمريكية في إفريقيا "أفريكوم"، أن 14 طائرة ميغ 29 وسو 24 طارت من روسيا إلى سوريا وتم تغيير طلائها لحجب حقيقتها ثم تم نقلها إلى ليبيا بما يخرق قرارات الأمم المتحدة، وعقّب على ذلك وزير الدفاع البريطاني بأن هذا يشير بشكل قاطع إلى أنها جزء من الجيش الروسي ولا بد من مواجهتها لأنها كمجموعة مرتزقة لا تلتزم بالقوانين الدولية. 

لذلك مهما تجاهل الإعلام العربي وجود مرتزقة فاغنر فإن هذا لن يغير من الموقف الدولي الذي تم التعبير عنه في مؤتمر برلين 2 بالدعوة إلى الخروج المتزامن للقوات الأجنبية من الطرفين، وإذا أراد داعمو حفتر إخراج القوات التركية فما عليهم سوى إقناع الروس بالخروج معهم، وبالأساس لم يحدث التدخل التركي إلا في  بداية العام الماضي عندما كانت قوات حفتر وفاغنر على أبواب العاصمة طرابلس وأدى هذا التدخل إلى دحرهم عنها بفترة قياسية، ولذلك قال بعض الخبراء الأمريكيين أن الأتراك قد قاتلوا في ليبيا بالنيابة عنا. 

وفي إحراج آخر للكرملين تدخّلت تركيا بطريقة مشابهة في أذربيجان وألحقت هزيمة بالقوات التي تدعمها روسيا، كما أقامت تركيا شراكة إستراتيجية مع أوكرانيا حليفة الغرب تضمنت  تعاونا عسكريا وإنتاج مشترك للطائرات المسيرة والرادار والذخائر ومحركات صواريخ كروز المضادة للسفن، كما أكد أردوغان مرارا على دعمه وحدة الأراضي الأوكرانية وعدم اعترافه بإلحاق القرم بروسيا، وفوق كل ذلك أقام أردوغان تعاون استراتيجي مالي وعسكري مع خصم روسيا الآخر جورجيا بالشراكة مع أذربيجان، في تطابق تام مع السياسة الأمريكية. 

وخلال هذه القمة قدم أردوغان عرضا للولايات المتحدة بأن تقوم قوات تركية بتأمين مطار كابول بعد الانسحاب الأميركي وهي خطوة مريحة كثيرا لأميركا وأفغانستان إن تمكنت تركيا من تنفيذها، ويبدو أن تركيا تعتمد في عرضها هذا على مشاركة قوات باكستانية معها حتى تأمن جانب طالبان، أو على ضغوط من قطر على طالبان لإقناعها بأن بقاء المطار مفتوحا يخدم مصلحتها. 

إذا علاقة تركيا مع إدارة بايدن حاليا أكثر من جيدة فلماذا شدد أردوغان شروطه على المعارضين المصريين بحيث تضمنت إيقاف برامجهم حتى على حساباتهم الشخصية على السوشيال ميديا واليوتيوب، خصوصا أنه من الصعب على مصر الضغط اقتصاديا على تركيا بل أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين لم تتأثر أصلا بالتوترات السياسية وكان التبادل التجاري يرتفع سنويا لأن الطرفين لم يرغبا بإدخال الاقتصاد في الخلافات السياسية، أي أن تركيا لم تكن مضطرة للتودد إلى مصر والرضوخ لشروطها بهذا الشكل. 

وصحيح أن العلاقات الاقتصادية بين تركيا والسعودية قد شهدت تراجعا واضحا خلال العام الماضي ولكن حجم التجارة بين البلدين بحدود 5 مليار دولار وهذا لا يشكل مبلغا كبيرا مقارنة مع الناتج الوطني للدولتين حتى يدفع أردوغان لتقديم تنازلات سياسية جوهرية، وفوق كل ذلك فإن الصلح مع فرنسا يعني التقيد بقوانينها الجديدة المناهضة للانعزالية الإسلامية. 

فإذا توقفت تركيا عن دعم الأحزاب الإسلامية في دول الشرق الأوسط وخاصة مصر، وعن محاولة نشر رؤيتها للإسلام في أوروبا فماذا يتبقّى من مشروع الإسلام السياسي الذي اعتمده أردوغان طوال السنوات الماضية، وهل من الوارد أنه أدرك أخيرا أن الحياة في أجواء الخلافة الإسلامية الغريبة عن العصر، والإعتماد على دغدغة المشاعر الدينية لبسطاء المسلمين لم تعد سلعة رائجة عند نسبة متزايدة من الشعب، هذا ما ستجيب عنه الفترة القادمة.

-----------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

سناء العاجي الحنفي

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).