Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

A broken record of Lebanese diva Fayrouz's war-time album "Libnan el-Haqiqi Jayi" (Lebanon Forever) which was released in the…
الأيقونة اللبنانية فيروز

 

ابتهال الخطيب - حين تكبر النساء المشهورات، خصوصاً الفنانات منهن واللواتي يشكل الجمال والمظهر جزء من هويتهن، يصبحن مطالبات بالاختفاء، بالتنحي عن الحياة العامة وتجنيب الجماهير مواجهة فعل الزمن على الوجوه والأجساد التي طالما بدت وكأنها عصية على  الحالة البيولوجية التي يمر بها بقية البشر "العاديين". يتبين ذلك من حالة الهوس العام بصور "قبل وبعد" التي يبذل أصحابها جهداً في تشكيلها، باحثين عن أجمل صور مرحلة الشباب للفنانات الجميلات ومجاورينها لأسوء اللقطات من مراحلهن العمرية المتقدمة. لطالما بدا لي هذا الفعل، التمعن في مشاهدة هذه الصور اللتي سافر بينها الزمن حثيثاً وطويلاً، نوع من تعذيب الذات وذلك بقسر النفس على مواجهة حقيقة جمال البدايات وركود النهايات. أم تراه فعل يرمي لمواساة الذات وذلك بتأكيد مرور قطار الزمن السريع الرهيب حتى على أجمل و"أعصى" البشر وتحويلهم من أيقونات جمالية إلى مجرد بشر عاديين مسنين مما يهون علينا القادم الذي لا مفر منه؟ إذا كان الزمن قادر على فاتن حمامة مثلاً، ألن يقدر علينا نحن نساء الشارع العاديات؟ 

وهكذا انقلبت الدنيا بعد أن نشرت ابنة فيروز، ريما، صورة لها مع أمها التي بدت ولأول مرة مجرد امرأة عادية متقدمة في السن. ما زاد هذا الحدث اشتعالاً هو أن فيروز غير معتادة على الظهور العام المتبسط لجمهورها، فهي نادرة الظهور الشخصي، كل الصور التي نعرفها لها مرسومة مخططة، إما مأخوذة في حفل أو في جلسات تصوير معدة مسبقاً. وعلى الرغم من أن هذا البعد و"الجمود" كانا محط انتقاد الناس سابقاً، إلا أن توقيت كسرهما بدا وأنه أتى متأخراً، في وقت لا يود الناس أن يواجهوا فيه التغيير الذي رسمه الزمن على فيروز وبالتالي على الدنيا بأكملها، فهذه مواجهة تستدعي الفهم التام لأن القطار الذي مر على فيروز قادم لهم وباتجاههم، وتلك فكرة قاسية ومرعبة في ذات الوقت. يقول المفكر الراحل كريستوفر هيتشينغ أن أكثر ما يعذب البشر هو ليس فكرة الفناء بحد ذاتها، ولكن فكرة أن الآخرين سيستمرون في الحياة بدونهم. ترى هل صور المسنات من الفنانات معلقة على مدخل النفق المعتم لهذه الفكرة الطويلة المظلمة؟ 

ولقد كتبت نغم شرف على موقع رصيف22 في مقال لها بعنوان "الجمهور والأسطورة...فيروز بين الجمال والقبح" قائلة 

ربّما من المؤلم ومن الغرابة أن نرى فنّانة نحبّها تصير امرأة عجوزًا. ربّما السنوات التي مرّت عليها وعلى شكلها تذكّرنا أنها تمر علينا أيضًا. وأن صورتها التي ظهرت علينا في طفولتنا لم تعد موجودة، وبالتالي طفولتنا نحن ذهبت.  

إلا أن شرف تؤكد في مقالها كذلك أن "هذه الانتقادات لا تطال إلا الفنانات، فصباح فخري حين تعرض للانتقاد، كان النقد موجها نحو أدائه وتاريخه الفني وليس شكله، وبالتالي لم تتم محاسبته بحسب معايير الجمال مثلما يحصل للفتيات والنساء ابتداءًا من الجسد وصولًا إلى ما يجب قوله أو فعله". لماذا يا ترى تبقى مسؤولية محاربة الزمن عبئاً على الأنثى، فيم الذكر لا يزيده الزمن سوى هيبة ووقاراً وأحيانأً وسامة إضافية؟ لماذا هي الأنثى الموعودة بهذه المعركة الخاسرة لا محالة، فيم الذكر محمود لتجنب هذه المعركة بأكملها بل ويزيده احتراماً إن تواءم مع تداعيات الزمن تاركاً خلفه صراع طواحين الهواء هذا؟ وهل فعل الزمن أصلاً هو جريمة تستحق الحرب، وهل هي جريمة موجهة ضد النساء تحديداً؟  

في محيطنا الخليجي حين يود رجلاً إهانة امرأة أو تحجيمها على الملأ، فإنه عادة ما يدعوها "يا العجوز" وكأنها متهمة بمخالفة قواعد الأنوثة التي تستوجب عليها أن تبقى شابة طوال العمر. في تجربتي الخاصة حين أكتب على تويتر رأي مخالف للرأي العام، خصوصاً إذا كان رأي متعلق بقضايا المرأة، سريعاً ما تأتي التعليقات "اسكتي يا العجوز" وكأن الزمن اتخذ اجراءاً ضدي تحديداً كامرأة بسبب من رأيي. في إحدى المرات رددت أتساءل "أنتم تعتقدون كلمة عجوز إهانة؟ هو خطأ أنا ارتكبته؟ أنا أتقدم في العمر مثل كل البشر، عمري 47 وسنة ميلادي في البايو، فما المشكلة؟ وما علاقة كوني عجوز أو شابة بالقضايا التي نتكلم عنها؟ منطقياً لماذا تعتقدون أن وصف المرأة بالتقدم بالعمر إهانة؟" (كتبت هذه التغريدة في 11 أغسطس 2019 أي قبل سنتين، اليوم عمري 49). بعد هذه التغريدة راجعت كل ما آتيه أنا لأقاوم الزمن في معركة أعرف تماماً أنني خاسرتها لا محالة، في حين يغوص زوجي وثيراً في راحة تقدمه بالعمر بوقار تناثر الشعر الأبيض في شعره الأسود ودقة الخطوط الرقيقة التي ترسم جمالاً إضافياً  حول حول عينيه، لماذا أعذب نفسي دخولاً في معركة أعلم أنني لن أربحها؟ 

أنا في النهاية امرأة مغمورة، أسمع تعليقاً هنا أو آخر هناك، اقرأ هجوماً عمرياً عرضياً بين حين وآخر دون أن يشكل ذلك جزء كبير من هويتي، ومع ذلك، تستوقفني هذه التعليقات وتذكرني بمرور الزمن حين أنساه وتحذرني من العدو باتجاه الفناء وكأنه قدري أنا دون غيري من البشر. ترى إذا كنت أنا وغيري من النساء العاديات نذهب لهذه الفكرة العميقة بسبب من التعليقات الساذجة على أشكالنا، فكيف تتعامل الفنانات مع هذا العبئ المتراكم: عبئ التقدم بالعمر، عبئ وجوب مكافحة التقدم في العمر، عبئ وجوب خداع الناس بأن الزمن لا يمر عندهن والعمر لا يتقدم بهن، عبئ ضرورة الظهور العام بأقصى صور الكمال الممكنة تخفياً عن أفعال الزمن، عبئ التعامل النفسي مع واجب التخفي المستمر هذا، ثم عبئ مواجهة أقسى فكرة بشرية وجودية بمفردهن وبحساب قاس ومحاكمة مروعة من العامة؟  

كلنا نحاكم بعضنا البعض، نتسارر حين نلتقي بعد غياب أن ها هو الزمن قد بدا على وجه هذه أو رسم خطوطه على جسد تلك، وننسى أن ذات الزمن لابد أنه مر علينا وترك لنا من أثره الشيئ الكثير. ورغم هذه التجارب المتكررة لنا كنساء التي تجعل "المعايرة معتادة"، إلا أنني لا أكاد أتخيل أن أقف في معركة كهذه وحيدة أمام جيش جرار، لا يحاكمني فقط على "جريمة" لم أرتكبها ولا يد لي في أحداثها التي تمر عليهم كما تمر علي، ولكنهم كذلك يطالبونني بأن أفوز في معركة هي ببساطة مستحيلة، وهي بمنطقية غير ضرورية، وهي بعدالة غير مستحقة. الفنانات يكبرن كما نكبر نحن، وهن يستحققن أن يتقدمن مريحاً بالعمر دون محاكمات أو مطالبات تعجيزية أو معايرة مخزية. وكما قالت شرف في مقالها "فيروز تبتسم وهذا أمر كاف" وهل أجمل من أن أيقونة في الخامسة والثمانين من عمرها قد قررت إبان المعاناة الحارقة في بلدها وفي عز أزمة وبائية عالمية أن تظهر في صورة تبديها بصحة جيدة وابتسامة رقيقة؟ أليس في ذلك أمل "أوقات بيرجع من شي حنين، لحظات ت يخفف زعل؟" 

-----------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).