Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

اليسار المغربي.. خيبة الأمل وسقوط الرهان

22 يوليو 2021

عبد الرحيم التوراني 

لا يبدو أن القوى السياسية المغربية، بيسارها ويمينها، مرتاحة إلى وضعها كثيرا، وهي على أبواب الانتخابات الموعودة، فالصراع يأخذ وجوها متعددة داخل كل المكونات الحزبية. لكن اللافت أن أحزاب اليسار ستخوض معركتها الانتخابية غير موحدة كما كان مأمولا. ويعبر أحد اليساريين في وصف واقع الحال: "مهما حاولنا التمسك بالتفاؤل فإننا نجدنا آسفين، أمام صدمة كبيرة".

بين يومي 30 يناير 2014 و 30 يونيو 2021. موجز تاريخ لميلاد ووفاة فدرالية اليسار الديمقراطي. والجنازة تنتظر من يجرؤ على تشييعها إكراما. 

افترض التشخيص أن أسباب الوفاة وراثية، نتيجة مخاض عسير. كان من تأثيراته عدم إفراز هرمون النمو بشكل كافٍ، وفرط في الكوليسترول ونسبة السكري، مع نقص في صلابة العظام. ما كان سيؤدي بالهالك إن عاش إلى الإصابة بنقص الطاقة والخمول وصعوبة في التركيز وفقدان الذاكرة.

سنوات عجاف

بعد سنوات، مرت سريعا، لم ينضج فيها الزرع المنبت للاندماج بين أحزاب "فدرالية اليسار الديمقراطي"، بل جاءت الحصيلة مطابقة لرقم مذكور في الكتب المقدسة، وهو "سبع سنوات عجاف". وتبين أن الأمل كان زائفا ومخيبا. فلَمُّ شتات اليسار في إطار سياسي موحد لا يزال أمرا عويص المنال. فها هي الخلافات تسري داخل مكونات الفدرالية وتطفو على السطح من جديد. حتى بدا أن الحزب الاشتراكي الموحد يغرق وسط أمواج متلاطمة لتياراته المتعددة. ولم يتردد أصحاب تيار جديد، أطل مؤخرا من شرفة الانتخابات، في نشر الغسيل الداخلي للحزب على جدار "الفيس بوك" و"الوتساب" وغيرها.

في ظل واقع يزداد تأزما، لا يظهر أن المشهد سيتبدل. فالتقديرات تشير إلى أن اليسار المتشظي لن ينال الشيء الكثير في الانتخابات المقبلة، ولو أن "طعم" قانون الانتخاب الجديد، المؤسس على ما سمي بــ"القاسم الانتخابي"، سيجعل الجميع يتذوق كعكعة الريع الانتخابي، في خطة لوصد الباب في وجه عودة إسلاميي العدالة والتنمية، الذين استفادوا من رياح الربيع العربي، وطال مكوثهم بالحكومة أكثر من اللازم، من دون تحقيق أحلام الطبقات الشعبية التي تتنافس على كسب ودها كل الأقطاب السياسية.

تاريخ مثقل بالصراعات

لطالما كان الأمل كبيرا وقويا في تجميع القوى الديمقراطية واليسارية المغربية في جبهة متكتلة، وهذا يمكن استكشافه من خلال لمحة لبعض المحطات التاريخية:
ففي يوليوز 1970 أعلنت "الكتلة الوطنية"، وجمعت بين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (يساري) وحزب الاستقلال (وطني). لكن عمرها لم يطل بعد انقلابين عسكريين متتاليين (1971-1972).
وظل الشيوعي علي يعتة رافعا شعار "من أجل جبهة وطنية تقدمية"، تائها وسط الحظر المتكرر لحزبه، قبل السماح له بالعمل الشرعي سنة 1974 لحاجة الحسن الثاني إلى صلاته الإيديولوجية لاستقطاب المعسكر الشيوعي للأطروحة المغربية في قضية الصحراء.

في سنة 1992 تأسست "الكتلة الديمقراطية"، وضمت خمسة أحزاب: حزب الاستقلال، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حزب التقدم والاشتراكية، منظمة العمل الديمقراطي الشعبي. ثم ما لبث أن سرى الخلاف في صفوفها، ليعلن عبد الله ابراهيم انسحاب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من التحالف الوليد.

وبعد حل منظمة العمل الديمقراطي الشعبي واندماجها في حزب اليسار الموحد، بقي الوضع مبهما، ما بين انسحاب وبقاء أطرافها المكونة كاملة. لتعود "الكتلة الديمقراطية" إلى منشئها الأول، إلى ما كانت عليه "كتلة وطنية" ثنائية. ثم سارت الأمور بالتدريج صوب موت إكلينيكي، بسبب الانتخابات والمشاركة في الحكومة. وظلت مسألة التحالف أمرا عصيا.

في 12 يونيو 2009، تأسس "تحالف اليسار الديمقراطي" وأعلن عن هدفه: "تقوية صفوف اليسار في الساحة السياسية والتنسيق بينها قبيل الانتخابات المحلية". 

ومع هبوب رياح الربيع العربي (2011)، وخروج "حركة 20 فبراير"، تداعت الأحزاب التي احتضنت شباب الحركة لقيام تحالف فدرالي غايته الاندماج الكلي لتحقيق حلم قيام "الحزب اليساري الكبير". وكأنها اقتباس من فكرة فرنسوا ميتران وميشيل روكار لما صنعا الاندماج في الحزب الاشتراكي الفرنسي (1971- 1974).

تشكل التحالف الجديد من: الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، الاشتراكي الموحد (وريث منظمة العمل الديمقراطي الشعبي وحزب اليسار الموحد)، والمؤتمر الوطني الاتحادي. وتم استبعاد حزب النهج الديمقراطي، (أسسه مناضلون من منظمة "إلى الأمام")، بسبب موقفه الخاص من قضية الصحراء الغربية، واعتبارا لموقفه المبني على مقاطعة الانتخابات.

مثلت "فدرالية اليسار الديمقراطي" صيغةً "تنظيمية لمرحلة متقدمة وانتقالية في أفق إعادة بناء حركة اليسار المغربي، تمهد لاندماج الأحزاب الثلاثة". بتبنى مبدأ "النضال الديمقراطي الجماهيري السلمي للمساهمة في الانتقال من نظام "مخزني" إلى نظام ديمقراطي". والنضال من أجل تحقيق "ملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم". 

وترك الباب مواربا لاستقبال حزبي الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، شريطة "امتلاك قرارها واستقلالها عن نفوذ الدولة وتحكمها".

طبيعي ألا يهتم المغاربة كثيرا بما يجري داخل الأحزاب الموصوفة ب"الإدارية" كونها خلقت في كنف النظام. ولا بالأحزاب التي التحقت بركاب السلطة بعدما كانت في سنوات سابقة ترفع راية المطالب الشعبية الحقيقية، مثل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تحت قيادة إدريس لشكر، قدر انشغالهم ومتابعتهم لما يجري في صفوف الأحزاب الجذرية، الطليعة والاشتراكي الموحد والنهج والمؤتمر الوطني. لذلك ألقت فئات واسعة أملها على أحزاب الفدرالية، ومن المصادفات أنها جميعها أحزاب خرجت من معطف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وذات صلات بيولوجية وإيديولوجية وتنظيمية بحزب المهدي بن بركة وعبد الله ابراهيم وعبد الرحيم بوعبيد. فحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي أسسه منشقون عن اتحاد عبد الرحيم بوعبيد سنة (1983). والمؤتمر الوطني الاتحادي أسسه نوبير الأموي بعد الانشقاق عن اتحاد عبد الرحمان اليوسفي (2001). أما الحزب الاشتراكي الموحد فبعض مكوناته الأساسية آتية أيضا من الجذر الاتحادي، مثل "حركة 23 مارس"، و"جمعية الوفاء للديمقراطية".

صورة اليساري

المستعرض لصفحات اليسار المغربي، سوف يغمر عينيه غبار حروب الصراعات الطاحنة، منذ انشقاق الجناح اليساري في حزب الاستقلال بزعامة المهدي بنبركة وتأسيسه لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (1959). ثم عاش الاتحاد الوطني صراعات انشقاقية مع الجناح النقابي بزعامة المحجوب بن الصديق وعبد الله ابراهيم (جناح الدار البيضاء)، في مواجهة (جناح الرباط) بزعامة عبد الرحيم بوعبيد وعمر بنجلون ومحمد اليازغي.

كما يمكن الحديث بصيغة ما، عن التنظيم الثوري المسلح بزعامة الفقيه محمد البصري وعبد الرحمان اليوسفي وعمر دهكون في نهاية الستينيات ومستهل السبعينيات، باعتباره انشقاقا وخروجا عن "استراتيجية الخيار الديمقراطي" التي قام عمر بنجلون وعبد الرحيم بوعبيد واليازغي ومحمد عابد الجابري باستدراكها لما أسسوا الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (1975)، بغاية الوضوح الايديولوجي بتبني الاشتراكية العلمية، والقطيعة مع مغامرات التيار "البلانكي". وكان رد الفعل إقدام الرافضين، ومعظمهم لاجئون سياسيون بفرنسا، على تأسيس "حركة الاختيار الثوري".

وكان انشقاق الشبيبة الاتحادية في الستينيات، مع انشقاق شبيبة حزب التحرر والاشتراكية للانخراط في تأسيس التنظيم السري المنظمة المغربية الماركسية اللينينية، والتي انشطرت بدورها إلى تنظيم "ألف" وتنظيم "باء". واشتهر التنظيم الأول باسم النشرة السرية التي كان يصدرها (إلى الأمام)، أما التنظيم الثاني فعرف باسم نشرة (23 مارس).

وداخل السجون التي اعتقل بها أعضاء اليسار الجديد، أفرزت النقاشات تشكيل مجموعات صغيرة منشقة عن التنظيم الأساسي، أهمها تيار "لنخدم الشعب".

في 1996، وإثر الموقف من التصويت على الدستور الجديد، ستعيش منظمة العمل الديمقراطي الشعبي بزعامة محمد أيت يدر بنسعيد انشقاق رفاق عيسى الورديغي ولطيفة الجبابدي والحبيب الطالبي وعبد الصمد بلكبير بتأسيسهم الحزب الاشتراكي الديمقراطي. 

في 1997، انشق القيادي بحزب التقدم والاشتراكية التهامي الخياري ليؤسس جبهة القوى الديمقراطية.

وفي 2009 تأسس حزب الأصالة والمعاصرة على يد فؤاد عالي الهمة (كبير مستشاري الملك)، وكان من بين المؤسسين مجموعة من يساريي السبعينيات. ومنهم من تولى مناصب سامية في الدولة. فزادت مبادرتهم في تقديم صورة اليساري كمرتد وكانتهازي أخطر من اليمينيين.
في 2006 انشق الدكتور عبد المجيد بوزبع عن المؤتمر الوطني الاتحادي وأسس الحزب الاشتراكي.

ولا يمكن حصر عدد قرارات الطرد والتخوين والاستقالات والتجميد في صفوف أحزاب اليسار المغربية. لكننا ندرج هنا بالمناسبة إعلان عمر بلافريج النائب عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، استقالته من العمل البرلماني بعد نهاية الولاية الحالية، لخلافه مع الأمينة العامة للاشتراكي الموحد نبيلة منيب. هذه الأخيرة التي خلقت الحدث الصادم قبيل أيام، لما ذاع انسحابها "المفاجئ" من التحالف الفيدرالي، وتم الإخبار عن تراجع حزبها للمشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة ضمن لوائح موحدة تحت رمز الفدرالية اليسار الديمقراطي "الرسالة".

اندماج محتشم

بعض تجارب الاندماج التي حصلت في اليسار المغربي، كانت قليلة ومحتشمة. منها اندماج فعاليات من منظمة "الاختيار الثوري" في التسعينيات، بزعامة عبد الغني بوستة إلى حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي.

واندماج الحزب الاشتراكي الديمقراطي في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (2005)، وبقي الملتحقون من حزب عيسى الورديغي يوصفون ب"المندمجين"، ليتواروا إلى الخلف بعدما أحسوا بالمعاملة "غير اللائقة من قيادة الاتحاد"، كما راج.

واندماج منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، والحركة من أجل الديمقراطية، والديمقراطيون المستقلون، والفعاليات اليسارية المستقلة، ضمن حزب اليسار الموحد. واندماج جمعية الوفاء للديمقراطية في الحزب الاشتراكي الموحد (2005).

ثم اندماج الحزب الاشتراكي (عبد المجيد بوزبع)، والحزب العمالي (عبد الكريم بنعتيق)،  في الاتحاد الاشتراكي، (2013).

يسار "خدام الدولة"

لقد صار هناك شبه إجماع على إقصاء الاتحاد الاشتراكي الذي يقوده اليوم إدريس لشكر من تصنيف اليسار المغربي. ويضيف آخرون حزب التقدم والاشتراكية. لذلك انتفض لشكر ضد هذا "الظلم". ولما أكدت الأمينة العامة للاشتراكي الموحد هذا المضمون، لم ير لشكر غضاضة في مهاجمة نبيلة منيب، حيث نشر في الصفحة الأولى من يومية "الاتحاد الاشتراكي" كلام ضد المرأة "لا يمكن أن يصدر عن ديمقراطي حداثي، بالأحرى عن يساري تقدمي مزعوم". ووصلت المعاناة بإدريس لشكر في أحد اجتماعاته الحزبية أن يدق بقبضة يده على الطاولة صارخا بملء الأوداج: "نحن اليسار"! 

"لكن عن أي يسار يتكلم من وصفه مؤخرا المحلل السياسي مصطفى السحيمي ب"زعيم عصابة" وليس زعيم حزب؟ وأينه هذا اليسار من "خدام الدولة" الذي ينتمي إليهم لشكر باستفادته من أراضٍ عمومية ومن امتيازات الريع المخزني؟" - يتساءل يساري طليعي.
لكن الوهم الذي يحاول لشكر تسويقه، لا يبتعد كثيرا عن الأوهام التي يتبجح بها أهل اليسار عموما، عندما يظنون أنهم يملكون الشارع ويقودونه، وهو زعم نزعت عنه ورقة التوت جماعة "العدل والإحسان" الإسلامية (شبه محظورة)، لما قررت الانسحاب من "حركة 20 فبراير". كما أن المثقفين اليساريين غابوا عن الواجهة، ولم تعد منابر اليسار الأكثر انتشارا، ولا مواقعها الإلكترونية أضحت اليوم في الصدارة.

مع ذلك تجد حزب النهج الديمقراطي (ماركسي) يدعو لتحالف مع إسلاميي العدل والإحسان لالتقائه معهم في مواجهة الاستبداد. ما يعيد إلى الأذهان فكرة الكتلة التاريخية التي نظَّر لها المفكر محمد عابد الجابري وحاول محمد الفقيه البصري ترويجها.

لا جدل أن تراجع اليسار حالة عالمية. لكن قيم العدالة والحرية والديمقراطية، تبقى مشروعا ماثلا يتطلب مراجعات فكرية وأشخاصا قادرين على ابتكار الأساليب لتحقيق تلك القيم الإنسانية، يصرح محام يساري: "لا اجترار السؤال اللينيني: "ما العمل؟"، ولا أجوبة فكرية حقيقيية.. ولا عمل".

 

 

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).