Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

ظل الانتداب الأوروبي على المجتمعات والمرأة في الشرق

22 يوليو 2021

د. عماد بوظو

قام ممثلو حركة طالبان خلال الشهر الحالي بعدة زيارات خارجية ترافقت مع سيطرة الحركة على أغلب أفغانستان، وكان اللافت أن ملامح وملابس ممثلي الحركة توحي وكأنهم قادمون في رحلة عبر الزمن من عالم آخر غريب عن العصر، ويتأكد هذا الانطباع عند مشاهدة طبيعة الحياة في المناطق الخاضعة لحكم حركة طالبان في أفغانستان، حيث يقتصر التعليم على الذكور، وتشكل العلوم الدينية أساس المناهج الدراسية، كما تحظر الموسيقى والرقص والسينما تحت شعار تطبيق أحكام الشريعة.

كما ترغم حركة طالبان النساء على ارتداء البرقع بذريعة أن وجه المرأة مصدر للفساد، كما تمنع النساء من ارتداء الأحذية ذات الكعب التي تحدث صوتا أثناء السير، أو التحدث بصوت يمكن أن يسمعه رجال غرباء، ويمنع تصوير النساء أو ظهورهن في وسائل الإعلام، ولا يسمح للبنات بالتعلم بعد سن الثامنة، ويتم تزويج 80 في المئة منهن قسرا وبعضهن قبل بلوغهن سن 16 عاما، كما تمنع النساء من العمل، وتفرض الحركة عقوبات جسدية قاسية على كل من يخرق قوانينها تلك.

ويشترك اليمن مع أفغانستان في الطبيعة الجبلية والتركيبة القبلية والطائفية المستعصية على التغيير، لأن لليمنيين، خاصة في الشمال، إخلاصا لكل ما تركه أجدادهم من عادات ولباس وطني "الوزرة أو المعوز"، أضيف إليه خلال العقود الأخيرة اضطهاد المرأة، وقد قالت منظمة العفو الدولية أن اليمن يعتبر من أسوأ البلدان في العالم للمرأة، وعبرت إحدى النساء اليمنيات عن ذلك بالقول: لا أشعر أنني كائنة بشرية، فنحن نعاني من فرض ارتداء النقاب ومن زواج البنات الصغار، ومن وصمة عار الطلاق، بالإضافة إلى العنف المنزلي وجرائم الشرف، لأن الذكور من نفس عائلتنا يضهدوننا كما لو كنّا غرباء عنهم ويطالبوننا بالقبول بأن نبقى مضطهدات.

وهناك ناحية أخرى تشترك فيها أفغانستان واليمن هي عدم خضوع البلدين لانتداب أوروبي مثل بقية دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وربما لعب هذا العامل دورا رئيسيا في عزلة هذين البلدين عن بقية العالم، وبالتالي محافظتهما على التركيبة الاجتماعية والعادات دون تغيير، فالانتداب الأوروبي ترك آثارا إيجابية لا يمكن إنكارها على دول الشرق نتيجة تفوق أوروبا الحضاري والعلمي والاقتصادي بعد الثورة الصناعية وعصر الأنوار.

ولذلك قام الانتداب في البلاد التي دخلها بإنشاء البنية التحتية الأساسية من الطرق المعبّدة والسكك الحديد إلى شبكة الكهرباء والهاتف، كما نظّم المدن على الطريقة الحديثة، وأحدث نهضة اقتصادية وزراعية، وأسس المدارس العصرية والجامعات واعتمد الطب الغربي، ونشر المفاهيم الديمقراطية التي تعتمد على فصل السلطات، وأقام البرلمانات كمقر للسلطة التشريعية وشجّع على إنشاء الأحزاب، وأسس القضاء الحديث والصحافة الحرة، وعمل على ازدهار الفنون، وفوق كل ذلك كان الانتداب الأوروبي عصرا ذهبيا للمرأة.

وكتأكيد على ذلك قال كثير من المؤرخين أن حملة نابليون، التي لم تستمر سوى ثلاثة أعوام فقط، أحدثت صدمة حضارية عند المصريين الذين احتكّوا لأول مرة مع أوروبا المتطورة، حيث أنشأ نابليون المجمع العلمي كأول مؤسسة علمية في مصر، وجعل المصريين يضعون سجلات رسمية للمواليد والوفيات، وأدخل القانون المدني الفرنسي، والمحاكمات الحديثة، وبنى جيشا عصريا تم تزويده بأسلحة حديثة، وبدأ منذ ذلك الوقت التفكير بشق قناة السويس، كما زرعت هذه الحملة قيم الحرية مما دفع المصريين للتمرّد على العثمانيين، ووضع محمد علي باشا مكان الولاة العثمانيين.

ومع بداية الاحتلال البريطاني لمصر، الذي استمر من عام 1882 حتى 1956، طالب القنصل البريطاني العام، اللورد كرومر، بأن تنال المرأة حقوقها، وفي عام 1899 صدر كتاب قاسم أمين "تحرير المرأة" بدعم من محمد عبده وسعد زغلول وأحمد لطفي السيد، وقال قاسم أمين في كتابه إن حجاب المرأة ليس من الإسلام، والدعوة إلى نزعه ليست خروجا على الدين.

وفي عام 1919 دعا سعد زغلول النساء اللواتي يحضرن خطاباته إلى نزع الحجاب، وقام هو في إحدى المناسبات العامة بنزع حجاب هدى شعراوي بموافقتها، فتبعتها بقية النساء الحاضرات، وأسست هدى شعراوي عام 1924 الاتحاد النسائي الذي حدّد مطالبه بالمساواة بين الجنسين في التعليم، ومنح المرأة حق الانتخاب، وسن قوانين تمنع تعدد الزوجات إلّا للضرورة القصوى وأن لا يتم الطلاق إلا أمام القاضي.

وفي العراق قال كثير من الباحثين العراقيين أن دخول الإنكليز عام 1914 أدى إلى تحسّن مستوى معيشة الإنسان العراقي لأن البريطانيين كانوا يشترون المنتجات المحلية الزراعية والحيوانية نقدا من الفلاحين والتجار، ويصدّرون بعضها للخارج، كما أدى قيام البريطانيين بشق الطرق وبناء المعسكرات إلى إيجاد فرص عمل للعراقيين، فبرزت طبقة وسطى تقوم بدور الوسيط بين البريطانيين والعراقيين وطبقة الأفندية، الذين تلقّوا تعليما حديثا مكنهم من القيام بالوظائف الإدارية، كما ساد الأمان في البلدات والمدن العراقية نتيجة ظهور الشرطة مما أدى لتوسعها، وتم إدخال الحداثة بشكل سريع ومؤسساتي للعراق وحدث رخاء واضح.

كما أظهر البريطانيون توجها نحو تعليم المرأة العراقية، فتمّت التوصية بافتتاح أول مدرسة للإناث عام 1919 وشارك عدد من نساء البلد في حفل افتتاح تلك المدرسة، وانتشرت بعد ذلك المدارس في بقية المدن وزاد عدد الطالبات، وأدى ذلك إلى نزول المرأة إلى مختلف ميادين الحياة، وفي عام 1923 صدر العدد الأول من مجلة "ليلى" التي سعت إلى إنجاح النهضة النسوية، وفي نفس العام تم تأسيس أول نادي نسوي كما تداول العراقيون كتاب قاسم أمين "تحرير المرأة"، وفي عام 1924 نشرت مجلة "الصحيفة" قصيدة عن الحجاب مطلعها:

ارفعيه

مزقيه

واطرحيه

بين أحجار القبور

وانهضي سافرة الوجه وغنّي

هكذا كان السفور

ليس عارا

أو شنارا

أن يجارى

سير تيار الدهور

فارفعي البرقع عنك واطرحيه

تحت نيران القدور

ومن المعروف والمتوقع استحالة نشر مثل هذه القصيدة، أو قيام سياسي بنزع حجاب إحدى السيدات بالاتفاق معها أثناء الحكم العثماني، ولكن الغريب أن هذه القصيدة، وهذا التصرف، الذي حدث قبل قرن من الآن، ليس من الممكن القيام به اليوم في دول الشرق نفسها، رغم كل ما حدث من تطور اجتماعي وثقافي في العالم، ولذلك ينظر الكثير من أبناء الشرق إلى فترة الانتداب بشيء من الحنين لأن الناس كانوا يعيشون أثناءها نهضة اقتصادية وسياسية وثقافية ويتمتعون بحياة منفتحة سعيدة، وكثيرون منهم يدركون بقرارة أنفسهم أنه لولا هذا الانتداب لكانت أغلب دول الشرق تعيش اليوم على طريقة مماثلة للحياة تحت حكم طالبان في أفغانستان.

وتقوم اليوم أغلب الأنظمة العربية، للتغطية على فشلها في بناء دول عصرية حديثة وتأمين الحاجات الأساسية لشعوبها، بتشويه فترة الانتداب وتجاهل جميع إنجازاتها، والتركيز فقط على بعض حالات الرفض الشعبي لوجود قوات أجنبية وتصويره كثورات كبرى بهدف زرع الكراهية تجاه الغرب وإنجازاته ونجاحاته وخاصة ثقافته ونظامه الديمقراطي واحترامه لحقوق الإنسان، ولا يبدو أن تلك الأنظمة قد نجحت في ذلك فقد وقع آلاف اللبنانيين، عقب انفجار مرفأ بيروت، عريضة تطالب بعودة الانتداب الفرنسي، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من لبنان الذي يسير نحو مصير مجهول، مثل الكثير من دول هذا الشرق.

 

--------------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).