Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

المفكر المغربي الراحل محمد سبيلا - أرشيف
المفكر المغربي الراحل محمد سبيلا - أرشيف

عبد الرحيم التوراني - في بداية هذا الأسبوع الذي نودعه، رحل بالعاصمة المغربية إثر إصابته بفيروس كورونا، أحد كبار رموز خطاب الحداثة في العالم العربي، من ظل طيلة حياته العملية رافعا لواء الدفاع عن العقل والحداثة، من خلال مساهمته الفعالة في تطوير وإشاعة الفكر الفلسفي في المغرب. ولأن أسئلة الحداثة وما بعد الحداثة في اتصالها بالواقع، هي أكثر ما استأثر باهتمامه وانشغاله، فقد استحق عن جدارة لقب "فيلسوف الحداثة العربية".

ولد محمد سبيلا سنة 1942 بمدينة الدار البيضاء، من عائلة متواضعة تتحدر من قبائل الشاوية (منطقة المداكرة). نشأ في الحي الشعبي "اسْباتة"، وتابع دراسته الابتدائية والثانوية بمسقط رأسه قبل أن ينتقل إلى الرباط كطالب بشعبة الفلسفة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ثم طالبا بجامعة السوربون في باريس، حيث نال شهادة الإجازة في الفلسفة. وفي سنة 1992 حصل على شهادة الدكتوراة من جامعة محمد الخامس بالرباط. وعرف كأحد أهم أساتذة الجامعة المغربية المشتغلين في حقل الفلسفة المعاصرة تدريسا وترجمة. 

زعيم طلابي مفوه 

انتمى محمد سبيلا مبكرا إلى حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حزب المهدي بنبركة وعبد الله ابراهيم، اللذان تركا أثرهما الجلي على الطالب اليساري سبيلا، فاعتبرهما بالنسبة إليه يمثلان رائدا حركة التنوير في المغرب.

إلا أن دينامية محمد سبيلا وطموحاته الأولى في الزعامة الطلابية والنضال الحزبي ستتعرض للفرملة وللحد، عندما كان مرشحا قويا لرئاسة المنظمة الطلابية "الاتحاد الوطني لطلبة المغرب"، خلفا للزعيم الطلابي محمد الحلوي، الذي تم اعتقاله واقتيد للتجنيد الإجباري في 1965، السنة التي بدأت بانتفاضة شعبية كبرى في المغرب (23 مارس)، وانتهت باختطاف واغتيال الزعيم المهدي بنبركة في باريس (29 أكتوبر).

من عرفوه في شبابه في الفترة التلاميذية والجامعية، يحكون أن محمد سبيلا كان طاقة جبارة هائلة وشعلة حيوية. ممتلئا بالحماسة الثورية. وعضوا نشيطا في جمعية "نادي الوعي" التي ضمت العديد من الأطر الشابة التي ستؤسس المنظمة السرية "حركة 23 مارس" الماركسية. 

في أوج انتفاضة مارس 1965 بكلية الآداب بالرباط، وفي ظل سنوات الرصاص واشتداد آلية القمع، برز سبيلا خطيبا مفوها "تهتز لخطبه النارية الجدران". هكذا ولد "زعيم طلابي من دون منازع". يشهد اليساري أحمد الحدجامي أن "جماهيرية محمد سبيلا تجاوزت كل الزعامات الطلابية المتواجدة في الساحة حينذاك، باستثناء رئيس المنظمة الطلابية محمد الحلوي الذي كان في السجن. وكانت كل المؤشرات تذهب إلى أن سبيلا يتجه ليكون المرشح رقم واحد لخلافة الحلوي في المؤتمر الحادي عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب".

ويتابع: "هنا تحركت الآلة الحزبية بكل ثقلها وعلى أعلى مستوى لإيقاف هذا المسار. فاستخدمت كل الذرائع لإسكات صوته وإبعاده من الساحة النضالية الجماهيرية والسياسية". ويختم الحدجامي شهادته بالقول: "كان يجب انتظار سنوات وسنوات قبل أن تنجب لنا الأقدار محمد سبيلا الفيلسوف الحداثي المتميز الذي يعرفه الجميع ويقدره حق قدره".

برز سبيلا أيضا في صفوف حزب المعارضة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية كإطار محرِّك ومُجادل قوي، إلا أن "مؤامرات حزبية صغيرة" حالت دون ذلك.

ولم تكن من وسيلة للحد من صعود سبيلا سوى إشاعة كونه "بوليسي". كانت هذه الكلمة الصغيرة كفيلة كي تعصف بكل مساره النضالي في الحزب وفي النقابة الطلابية. وكم هم الذين تم إيذاؤهم وظلموا بمثل هذه التهمة الرخيصة، فتم إقصاؤهم أو قرروا هم الابتعاد. ويصعب إحصاء أعداد الاتحاديين واليساريين الذين جمدوا نشاطهم وتواروا إلى الظل بعد انتقاداتهم لتوجهات الحزب ومواقفه، واتهموا بـ"البوليسية".

تأسيس أكبر حزب فلسفي 

عاد سبيلا إلى الحزب مرة أخرى، وقد يكون لأصدقائه الفلاسفة دور في العودة، وعلى رأسهم محمد عابد الجابري وسالم يفوت وعبد الرزاق الدواي ومحمد الوقيدي وعلي أومليل، وسواهم من أساتذة الجامعة المنتمين لحزب الاتحاد الوطني (الاشتراكي). لكن الفترة لم تطل به حتى ابتعد عن الحزب ليلوذ بالفلسفة وبالبحث الفكري، دون أن يهمل الاهتمام بالشأن السياسي ومتابعته.

 ويحضر بهذا الصدد اسم المسؤول عن التنظيم الحزبي ونائب الكاتب الأول للاتحاد محمد اليازغي، الذي أصبح في بداية الألفية كاتبا أول للحزب (2002- 2007)، ثم جرى تعيينه وزيرا في حكومة التناوب برئاسة عبد الرحمان اليوسفي وفي حكومتي التكنوقراطي إدريس جطو والاستقلالي عباس الفاسي (من 1998 إلى 2012). إذ يتهم اليازغي بكونه من كان وراء إبعاد وطرد محمد سبيلا من التنظيم الحزبي.

 ومن مكر الصدف أن اليازغي ذاته، هو من كان وراء استقالة محمد عابد الجابري من المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وابتعاده عن العمل الحزبي المباشر، حيث أن الجابري منذ استقطابه من طرف المهدي بنبركة في نهاية الخمسينيات، برز كقائد حزبي وظل يشتغل مسؤولا عن إعلام الحزب، من صحيفة "التحرير" إلى يومية "المحرر". وضمن هذا الإطار استطاع الجابري أن ينهض بعمل كبير في تحرير بيانات الحزب وتقاريره وافتتاحياته الجدالية، وأدبياته السياسية والفكرية. فالجابري من قام بصياغة التقرير الإيديولوجي سنة 1975، وهو من حرَّر البيان السياسي للمؤتمر الوطني الثالث (1978)، الذي حالت الرقابة دون نشره، كونه تضمن مطلب "الملكية البرلمانية". وهذا جانب هام في مسار المفكر محمد عابد الجابري لم يحظ حتى الآن بالبحث والتوثيق والعناية الواجبة.

وكما يقول المثل السائر: "كم من نقمة في طيها نعمة". فقد عاد "طرد وإبعاد" محمد سبيلا من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بالخير على الثقافة والفكر في المغرب والبلاد العربية. نفس الأمر بالنسبة لاستقالة الجابري، حيث تفرغا للكتابة وللفكر بعد اعتزالهما العمل السياسي وتفرغهما للبحث الفكري والأكاديمي.

عوَّض سبيلا الخيبة والمرارة التي عانى منها بالتحول إلى واحد من أكبر الفاعلين في المسار التحديثي في المغرب، بل تمكن من "خلق أكبر حزب فلسفي"، كما يصفه الباحث نور الدين أفاية. وأصبح فاعلا مدنيا كبيرا، أسس جمعية فلسفية، وأدار مجلة "مدارات فلسفية" على مدى أعدادها الصادرة طيلة 18 سنة، إلى جانب انشغاله بالتدريس الجامعي والبحث والتأليف والترجمة في مجالات الفلسفة والعلوم الإنسانية، وأصبح من أبرز الذين انكبّوا على دراسة مفاهيم وقضايا كالحداثة والتحديث والنَّزعات الأصولية وحقوق الإنسان والديمقراطية والتقنية وما بعد الحداثة. 

لا محيد عن الحداثة

إن الحداثة لدى المفكر محمد سبيلا تندرج في إطار منظور استراتيجي بوصفها مدخلاً أساسياً للتفكير في جوهر المعضلات السياسية والاجتماعية والفكرية، ومسار يفرض نفسه كطريق لا محيد عنه. وهي تشكل قضية مركزية بالنسبة للمدرسة الفلسفية المغربية. 

وفي رأيه أن المغرب دخل في سيرورة الحداثة سياسياً وفكرياً. وأن "الحداثة على المستوى التقني قابلة للتعلم، غير أنها أصعب على المستوى الفكري". إذ "ليس هناك وصفة أو أفكاراً جاهزة للحداثة، بل هناك اجتهادات".
 
وفي نظر سبيلا ليست "ردود الفعل العنفية في المجتمعات العربية سوى تعبير على أن هذه المجتمعات "دخلت في التحديث السياسي والاقتصادي بسرعة أكثر من التحديث الثقافي والفكري".

من هنا اهتمام المفكّر سبيلا بنقد الحداثة وأوهامها، انطلاقا "من زاوية الحياة ومشكلات التربية والسعادة ومُقاوَمة العجز". فالحداثة هي الثورة الصناعية، وهي سيادة العلم والمنطق العلمي في طريقة التفكير، وهي الأداء الديمقراطي في مجال السياسة وتدبير الشأن العام.

وكما أوضح سبيلا في إحدى محاضراته، حيث أن "انتشار فكر الحداثة يسير بوتيرة أبطأ من انتشارها تقنياً".

ويؤكد سبيلا أنه "إذا كان للمثقفين في الغرب العذر في انتقاد الحداثة والدعوة والتنظير لما بعد الحداثة لأنهم عاشوها واستفادوا منها لمدة ثلاثة قرون وفي إطارها حققت بلدانهم الكثير من التقدم فلا عذر للمثقف العربي أو المغربي في رفض الحداثة لأننا في بداية الانخراط فيها ولأننا نحن المستفيدون منها بالدرجة الأولى ولسنا ضحاياها، ولأننا عندما نلتفت حوالينا فإننا نجد أن ما يحيط بنا هو ما قبل الحداثة".

سبيلا واليسار والإرهاب

يصح عن محمد سبيلا، ما قال هو مرة عن رفيقه محمد عابد الجابري: "رغم تفرغه للفكر والثقافة فقد كان له نوع من الحنين القوي للعمل السياسي وانتمائه إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية". وكمثقف ملتزم، كان يستجيب لدعوات جمعيات المجتمع المدني، وكان له حضور ورأي في صراعات اليسار، وهو على فراش المرض تابع مؤشرات انفراط عقد فيدرالية اليسار الديمقراطي، إذ سبق له أن قال في مداخلة حول "اليسار والحداثة": "اليسار اليوم في حاجة إلى إعادة اللحمة التاريخية لمكانها ومعانقة الأفق الفكري الذي تشكله إسهامات المدرسة الفلسفة الحداثية المغربية". لذلك فإن الحركة اليسارية، في رأي سبيلا "مدعوة إلى النهوض من رمادها والانفتاح على عطاءات المدرسة الفلسفية الحداثية المغربية التي انبثقت من صلب الصراع السياسي".

لكن بعض اليساريين اتهموا محمد سبيلا بالردة وبالرجعية. مثل المعتقل السياسي السابق عبد الرحمان النوضة، (من القيادات التاريخية لمنظمة "إلى الأمام" الماركسية)، الذي لم يتردد في نعت اجتهاد محمد سبيلا بــ"العمل اليميني، والتِّيه الفكري، والانحراف القِيمي". وأضاف عبد الرحمان النوضة إن "انحطاط أفكار محمد سبيلا ترتبط عضويا بالانحطاط السياسي والأخلاقي الذي سقط فيه حزب الاتحاد الاشتراكي، رغم أن محمد سبيلا ابتعد عن هذا الحزب منذ سنوات". ويأتي هذا الرد العنيف على تصريحات لمحمد سبيلا ورد فيها: "الاشتراكية هي مجرّد وهم". وأن "المناضل الاشتراكي لا يختلف في جوهره عن الإرهابي الإسلامي".

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).