حسن منيمنة - يرفض الرئيس التونسي قيس سعيّد وصف خطواته بالانقلاب. كيف يجوز الحديث عن انقلاب فيما خطواته تندرج في إطار صلاحياته الدستورية؟
الرئيس سعيّد يقول إن نص الدستور يمنحه هذه الصلاحيات لتجنيب البلاد الخطر الداهم. أليست الأزمة السياسية والاقتصادية والصحية التي تعيشها تونس خطراً متحققاً، أي ما يتجاوز توصيف الخطر الداهم؟ ثم أن الدستور يطلب منه استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب. هو أوفى هذا الشرط حقّه بإبلاغهما، أو على الأقل بمكالمة رئيس مجلس النواب، وإن لم يدرك هذا الأخير أن حديث رئيس الجمهورية عن الطوارئ يتجاوز التجديد الاعتيادي للحالة التي سبق إعلانها. ثم أن المادة 80، التي اعتمد عليها قيس سعيّد، تفترض أن مجلس النواب سوف يبقى معها في حالة انعقاد دائم. وهو كذلك، وفق ما يؤكد عليه قيس سعيّد.
الرئيس لم يحلّ المجلس، بل مارس صلاحيته، المستقاة من مادة أخرى، بتجميده. أي أن مجلس النواب يمكن أن يبقى بحالة نظرية من "الانعقاد الدائم"، كما هو مثلاً حال مجلس الجامعة العربية أو مجلس الأمن الدولي، عند الحوادث الجسام، دون أن يعني ذلك أن أعضاء هذه المجالس هم بالفعل في مباني مجالسهم في نشاط مستمر.
بنبرة رئاسية مرتفعة، أمام حضور صامت من بعض المدعوين الذين جالسوه بما يشبه التلامذة في الصف الدراسي، ومع التذكير بشهاداته العلمية، أكد قيس سعيّد أن من يصف خطوته بالانقلاب لا يفقه القانون، وأن عليه العودة إلى الدراسة.
عفواً يا فخامة الرئيس، لا حاجة للعودة إلى مقاعد التحصيل. ما حدث في تونس انقلاب، كما كانت إطاحة عبد الفتاح السيسي بمحمد مرسي انقلاباً.
من العبث محاولات التملّص من خلال التجميل، والحديث عن إرادة شعبية دفعت الجيش إلى التحرك في مصر، أو الكلام التبريري الشكلي عن صلاحية دستورية يمنحها الدستور لموقع الرئاسة الأولى في تونس. هنا وهنالك، النتيجة هي إنهاء العمل بالسلطة المنتخبة، وحصر السلطات الثلاث بيد من أقدم على الانقلاب، وإن تسلّح، كما يفعل قيس سعيّد، بتأويلات شاطحة لا سبيل لردعه عنها، لغياب مرجعية المحكمة الدستورية.
الانقلاب بحدّ ذاته ليس بالضرورة شرّاً مطلقاً. وفي الحالة المصرية يمكن استشفاف دوافع الانقلاب في التدليس الذي أوصل محمد مرسي والإخوان المسلمين إلى الحكم. وصول مرسي إلى سدة الرئاسة كان نتيجة انتخابات حصلت في مرحلة انتقالية بعد ثورة أطاحت بالسلطوية ولم تكن قد بنت بعد أسس النظام الجديد. وما كان فوزه بالرئاسة ليكون لولا اجتماع قوى الثورة على الدعوة للتصويت لصالحه، ليس تأييداً له ولكن لضمان عدم عودة النظام الساقط بحلّة جديدة، وذلك على أساس توافق يتأرجح بين الضمني والصريح على السعي إلى تأسيس الدولة التي تجسّد الإرادة الشعبية. وإذ بمحمد مرسي، والإخوان من ورائه وأمامه، يتصرّفون وكأن الانتخابات قد منحتهم التفويض العام لإعادة صياغة الدولة والمجتمع وفق توجهاتهم العقائدية، الخارجة عن إجماع المصريين وتوقعاتهم.
أي أنه، في الحالة المصرية، وبغضّ النظر عن طريقة الإخراج، جاء انقلاب السيسي ليدحض انقلاب الإخوان على الثورة. والحصيلة الجلية، مع المسافة الزمنية التي تسمح بتبيّنها، أن الثورة كانت قد فشلت ساعة سعى الإخوان إلى تجييرها لجماعتهم وعقيدتهم، رغم أنها تحققت ابتداءً بما يتعداهم.
الانقلاب على إرادة الناخبين مدان بالتأكيد، لكنه في الحالة المصرية جاء بعد أن ظهر للملأ أن الفائز بالانتخابات ذاهب إلى المخادعة، بما يتعدى دوره المحدود المتوقع في المرحلة الانتقالية، ويؤسس لسلطوية جديدة، وأن الانتظار إلى الانتخابات التالية مجازفة، في خضم سعي الإخوان، الذي أمسى شبه معلن بعد الفوز، إلى تفكيك النظم وإعادة تركيبها، بما يأخذ مصر إلى مكان وأحوال لا تعبّر بتاتاً عن رغبات المصريين. الترياق المرّ الذي ارتضى به المصريون للخلاص من السلطوية الإخوانية كان العودة إلى سلطوية عسكرية.
محمد مرسي أخطأ، وكان عليه الإصغاء إلى أصوات الأصدقاء والخصوم على حد سواء، التي دعته وجماعته إلى التراجع عن مسعى تحويل مصر إلى ما لا توافق بشأنه، وربما أن الإخوان المسلمين في مصر كانوا عاجزين، من فرط نشوة العائدة إلى وهم اقتراب المراد، عن الشروع بالمراجعات. دون أن ينفي ذلك الظلم الذي طال مرسي والعديد من الإخوان، وجموع الناشطين، في ظل حكم السيسي.
انقلاب تونس لا يشبه انقلاب مصر بشيء. خلافاً للمبالغات المؤسفة التي لجأ إليها بعض الزملاء في الإعلام العربي، لا حزب "حركة النهضة" هو "الإخوان"، ولا "الإخوان" (ولا النهضة) حكموا تونس على مدى السنين العشر الماضية، ولا هم بالتأكيد يحاولون تجيير انتخابات انتقالية لصالحهم في تجاوز للتفويض والتوقعات، واحتشاد المصريين عام 2013 لرفض سلطوية الإخوان الناشئة لا يمكن أن "يستعار" لتزيين الحراك الشعبي المؤيد للخطوة الانقلابية التونسية، والذي لم يجمع نسبياً إلا الأعداد القليلة.
من حيث الشكل، ما أقدم عليه الرئيس التونسي قيس سعيّد هو خاتمة قد تدرّج إليها في خطابه وسلوكه على مدى السنين الماضية، إذ بدا في أكثر من مناسبة منزعجاً من أن النظام السياسي في مرحلة ما بعد الثورة لا يمنح الرئاسة الأولى حصرية الحل والربط.
وربما، عند متابعة ما تتشكى منه فخامته، هو أن ما لا يستسيغه أبداً هو هذا التجريح لمقامه السامي من جانب النواب وغيرهم من العوام. في خطوته الأخيرة، وإن جرى تأطيرها في السياق العام، جانب خاص غير خفي. يبدو أن الرئيس، سواء في الجامعة التي سبق أن شغل المناصب فيها، أو في مكتب الرئاسة، يفضّل الحضور الذي يصغي إليه دون مقاطعة أو تحدٍ، وإن كان القدر المرتفع من الفصاحة والبيان في كلامه غير كافٍ لتلطيف الضرر الذي أصاب به قيس سعيّد الواقع السياسي التونسي.
تعاني تونس بالتأكيد من تعقيدات بنيوية سياسية، عائدة إلى افتقاد نظام ما بعد الثورة للنجاعة الكافية في تأطير الحياة السياسية وتفعيلها وتنشيطها وإتاحة المجال لبروز أصوات جديدة، وذلك في خضم واقع اقتصادي مقلق، مع استمرار التحكم الطويل الأمد لجهات نافذة بمفاصل القطاعات الاقتصادية، وتعايشها الضمني مع الواقع السياسي، قديمه وجديده، بما يعترض مساعي الإصلاح الصادقة، بالإضافة إلى وطأة الجائحة والأعباء الإضافية المستجدة نتيجة للأوضاع العالمية الحالية. وهشاشة هذه الأحوال تفتح الباب بدورها لنفوذ جهات خارجية، تأتي إلى تونس مشحونة بخصوماتها، ليكون تحبيذها لطرف سياسي تونسي على آخر مشروط بتوريطه بمواجهة لا تعني تونس ابتداءً.
ليس هذه حال تونس دون غيرها، ولا هو مختلف إلا ببعض الكم وبعض النوع، عمّا شهدته تونس نفسها ودول غيرها من الأحوال في أزمنة أخرى. ما يدعو لبعض الأمل هو قدر من الخصوصية لتونس في ثلاثة أوجه، فرّطت بكل منها خطوات قيس سعيّد الأخيرة، وإن بمقادير مختلفة.
لتونس حركة عمّالية غير مطوّعة سياسياً. قد لا ترتقي مقومات هذه الحركة، معها النقابات المهنية والجمعيات الحقوقية إلى مستوى "المجتمع العميق"، بما يقابل "الدولة العميقة" في دول أخرى، الذي يشكل الضامن القطعي للمصلحة الوطنية، كما يصفها ويتمنى لها بعض التونسيين الخبراء، ولكنها بالتأكيد تشكل وزناً هاماً يقف عائقاً أمام المغامرات السياسية، وهي بالفعل قد خفّفت من وطأة التأزم السياسي في أكثر من جولة سابقة، ونالت لذلك التقدير العالمي.
على أن التعويل عليها في أن تمنع الانزلاق إلى الاستبداد، الذي سبق لها أن تعايشت معه، ليس في مكانه، لا لمطالبتها بما ليس من اختصاصها وحسب، بل لما يترتب عن ذلك من تجاذبات سياسية في داخلها. وعليه فإن ردة فعل الحركة العمالية على خطوة قيس سعيّد، التي جاءت حذرة وحمّالة أوجه، قد تكون التجاوب العملي في مواجهة أزمة سياسية حادة لا ترتقي، مصلحياً وعمالياً، إلى ما يستدعي حرق الأوراق.
يبدو قيس سعّيد على درجة من الاطمئنان إلى أنه قد ضمن جانب الحركة العمالية، وفي هذا ضرر لها، ولكنه لا يزال عَرَضياً. رئيس الجمهورية ليس قادراً على فرض قراره على الحركة العمالية المستقلة، ولكنه، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، قد أقدم للتوّ على زجّ الجيش التونسي في المجابهة السياسية مع خصومه، ولوّح بالمزيد، وفي هذه الخطوة تفريط بإنجاز هذا الجيش الوطني، على مدى أكثر من عقد، بالنأي بالنفس عن أي تلويث سياسي، وبتوجيه كل طاقاته لمكافحة المخاطر الأمنية التي عاشتها ولا تزال تعيشها تونس. إقحام المؤسسة العسكرية بخطوات بعيدة عن اختصاصها ومسؤولياتها والمهام المولجة بها هو الخطر الداهم، والشواهد من التاريخ أن باب توريط الجيش بالسياسة، حين يفتح، من الصعب إعادة إغلاقه.
على أن التعدي الأكبر على الخصوصية التونسية، من خلال خطوة قيس سعيّد، قد لا يكون جلياً أو صريحاً في كلامه، ولكنه مكشوف وواضح في التوصيف الذي تحظى به هذه الخطوة في الإعلام الخارجي: "سقوط آخر معاقل الإخوان"، "نظام الإخوان في تونس يترنح".
أن تكون حركة النهضة قد نشأت وفق صيغة إخوانية، ونالت الدعم والتأييد والتعاطف من حركات إخوانية مختلفة في مراحل عدة، بعيدة وقريبة، أمر مفروغ منه. ولكن أن يفترض مطلق التماهي بينها وبين التنظيم العالمي للإخوان، في تصوراته المتفاوتة بين الواقع والخيال، ففي الأمر تجاهل للتجربة الذاتية لهذه الحركة، وللمقتضيات والخيارات التي اعتمدتها في المراحل المختلفة من نشاطها، ولمراجعاتها النظرية والتبديل في سياساتها في مرحلة بعد الثورة. بل في الأمر تفريط بجوانب عدة ذات أهمية تتجاوز الإطار التونسي، ضمن مواقف النهضة وسلوكها، ولا سيما منها ما أقدم عليه راشد الغنوشي فيما يكاد أن يكون المسعى التأصيلي الوحيد، في الفكر الإسلامي المعاصر، للتوفيق بين القيم العالمية والأسس والمنطلقات الدينية.
خصوم الغنوشي التونسيون يعمدون إلى إبراز الأقوال، العلنية والمسرّبة، لتدعيم تصوير يعتبر أن كلام الإصلاح والقيم وما أشبه ما هو إلا نفاق لتمييع الاعتراض على المسعى الإخواني السلفي الجهادي التكفيري، حيث أن نتيجة كل هذه التوجهات التي تزعم الاختلاف في نهاية المطاف واحد، أي إقصاء من لا يندرج مع الرؤية الشمولية الإسلامية من الحياة العامة عند أدنى حد. المعضلة في هذا الموقف، في الحالة التونسية بالتأكيد، أن الزعم، أي افتراض النفاق والعمل السري للاستيلاء على الوطن ومن ثم العالم، لا ينسجم مع شحّة الأدلة المقدّمة لدعمه.
الغنوشي وصحبه يحظون كذلك بقراءة مشابهة من جانب الأوساط الإسلامية المتشددة، من حيث اتهامهم بالتمييع والتدليس والمخادعة. ولكن في حين يرى المتزمتون العلمانيون أن الهدف المخفي هو الاستيلاء على تونس والعالم لصالح الإسلام المسيّس، فإن المتشددين الدينيين يعتبرون أن المقصود تشتيت الأمة وتبديد الهمّة، تمهيداً للعلمنة وهدم بنيان الدين.
بعيداً عن هذه القناعات، ورغم غياب التجانس المطلق، فإن الظاهر، سواء من حيث الإصغاء إلى المنضوين في النهضة أو من حيث استقراء سلوكهم، هو إقرار هذا الحزب، بغضّ النظر عن خلفيته، بأن المجتمع التونسي تعددي، فيه من يعتمد على المرجعية الدينية كأساس مبدئي، أخلاقي وسلوكي ثم سياسي، وفيه من يجنّب الدين الأبعاد السياسية نظرياً وعملياً، وفيه من يتوجه إلى مرجعيات مبدئية أخرى، حقوقية، عالمية، أممية. في هذا الإقرار خصوصية مهمة على مستوى الفكر الإسلامي المعاصر ككل، وليس فقط على المستوى الوطني التونسي.
وبطبيعة الحال، لا يشكل هذا التوجه حالاً أحادية في الأوساط التونسية الملزمة دينياً، بل تظهر كذلك التصورات التأحيدية والنافية للآخر. على أن الواقع الذي يمكن استشفافه أنه، نتيجة للوزن المعنوي لراشد الغنوشي ورفاقه في النهضة، فإن مركز الثقل في الأوساط المتدينة هو القبول بالواقع التعددي.
وفي مقابل رفض هذه الحالة عند بعض الهامش المتدين، ثمة رفض، أكثر حدة وأكثر جهورية، عند هامش علماني يساري في أغلبه معارض لحضور التوجهات الدينية في السياسة.
الفرادة التونسية، أو ما يقترب من الفرادة، هو أن الإقرار بالتعددية، كحالة إيجابية صريحة أو كحالة ملتبسة إنما واقعة ومستحقة للاستمرار درءاً للأسوأ، هو الغالب على المجتمع التونسي ككل، وإن كان ثمة اعتراض من الأطراف. هنا مكمن الرصيد البناء في النموذج التونسي للمحيطين العربي والإسلامي، وليس النجاح أو الفشل في السياسة.
يُشهد لقيس سعيّد أنه لم يوظف التجاذب المشتعل عند الهوامش في خطوته الأخيرة. غير أن ما أقدم عليه يندرج تلقائياً لمصلحة إصرار الهامش السياسي المعارض للتوجهات الدينية في السياسة على تصوير "النهضة"، أي "الإخوان" أي "الإسلام السياسي العالمي"، حيث الفوارق بين النهضة وتنظيم "الدولة الإسلامية" مجرد تفاصيل، على أنها "شر مطلق" وعلى الإمعان برفض أي تسوية أو تعايش أو قبول بوجودها. بالتأكيد، المتشددون الإسلاميون يريدون لمن لا يرضخ لهم الزوال. واقع الحال، أن هذا الموقف ليس بعيداً عن موقف بعض المتشددين العلمانيين الذين ينفون الحقوق السياسية فعلياً عن أصحاب كل طرح لامس الاعتبارات الدينية كمرجعية.
خطوة قيس سعيّد تسرّ المتشددين العلمانيين، حين تطرح على أنها سقوط لحكم "الإخوان"، ولكنها ترضي كذلك المتشددين الدينيين، الذين يرون في مواقف النهضة توفيقا،ً بل تلفيقا، بين شرعية الإسلام ومشروعية النظام العالمي.
انقلاب قيس سعيّد تجاوز للعرف السياسي التونسي الذي تشكل في مرحلة بعد الثورة، ولكنه أيضاً إشعار بأن هذا العرف لم ينتج النظام الناجح الناجع.
هل ينجح قيس سعّد بأن ينتقل بتأطير خطوته هذه إلى صيغة الصدمة التي تدعو جميع شركاء الوطن إلى إعادة النظر بمسار مأزوم؟ هل يتفاعل سعيّد بإيجابية مع دعوات الحوار للخروج من هذا المأزق الجديد؟ ربما أن مقومات الفرادة التونسية من شأنها أن تسمح ببعض الأمل في هذا الصدد.
Share on Facebook
Share on Twitter
التعليقات
كل سنة في نفس الفترة، يعيش معظم المغاربة ضغطا كبيرا مرتبطا بعيد الأضحى.
لعل المغرب هو الدولة الوحيدة، ضمن دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي تعيش هذا الضغط الرهيب المرتبط بعيد الأضحى. من سنة دينية يستطيع كثير من المسلمين في دول أخرى عدم تطبيقها بقدر من الليونة، تحول عيد الأضحى إلى فرض مجتمعي إلزامي لدى معظم المغاربة.
في بلدي، تعاني معظم الأسر ماديا لشراء خروف العيد، حتى والأغلبية تعرف وتعترف أن العيد سُنة! لكن، ماذا نفعل أمام الجيران والأهل؟ كيف نواجههم بعدم قدرتنا على شراء خروف؟ وحبذا لو كان الخروف كبيرا وغاليا، حتى أننا صرنا، منذ بضع سنوات، نسمع عن أضاحي عيد يبلغ سعرها ألف دولار (في بلد يصل فيه الحد الأدنى للأجور لحوالي 220 دولار كما أن متوسط الأجور يتراوح بين 300 و500 دولار شهريا).
البعض قد يبيع شيئا من ممتلكاته الصغيرة لشراء أضحية العيد.
بعض الشركات في القطاع الخاص تقترح على العاملين فيها قروضا بدون فوائد لشراء خروف العيد.
البنوك وشركات القروض تقدم بدورها عروضا بفوائد (!!!) لشراء أضحية العيد.
الحكومة بدورها تعلن، قبيل عيد الأضحى، وكل سنة تقريبا، عن صرف أجور الموظفين قبل موعدها لمساعدة الأسر على شراء الخروف. لا بأس إذن، ماداموا قد اشتروا خروف العيد ولوازمه، أن يستدينوا طوال الشهر المقبل! علما أن العيد هذه السنة يحل في المغرب بتاريخ 21 من شهر يوليو، بمعنى أن عشرة أيام كاملة تفصلنا عن نهاية الشهر وأنه من المحتمل جدا أن لا يتبقى لأصحاب الدخل المحدود، أمام حجم مصاريف عيد الأضحى، ما يكفي لقضاء الشهر المقبل. وكل هذا باسم "تطبيق الدين" و"احترام الشعائر الدينية".
الأمثلة أعلاه نماذج للضغط المادي الرهيب الذي تعيشه معظم الأسر المغربية، وخصوصا ذوات الدخل المتوسط والمحدود، بمناسبة عيد الأضحى.
الأسر الغنية تواجه نفس الضغط المجتمعي بالتأكيد، إلا أنها، على الأقل، تملك القدرة المادية لمواجهته!
حتى أولئك الذين يشتكون من ضغط العيد المادي عليهم، لا يستطيعون الإفلات منه أو عدم شراء الأضحية، لأن الزملاء يتدخلون والأصدقاء والعائلة والأصهار... إضافة إلى ضغط الأطفال وتنمرهم على من لم تشترِ أسرته خروف العيد.
منذ بضعة سنوات، بدأت ظاهرة جديدة تنتشر لدى بعض الشباب، خصوصا المتعلمين منهم. هؤلاء يختارون الاستفادة من العروض التي تقدمها الفنادق في فترة العيد، بعيدا عن الضغط المجتمعي والأسري المرتبط بالأضحية. لكن الظاهرة مازالت محتشمة، كما أنها ليست في متناول العديد من أصحاب الدخل المحدود، حتى لو رغبوا في الهروب بدورهم!
نحن، للأسف، أمام ظاهرة مجتمعية قاهرة لا يستطيع الإفلات منها إلا القادرون على مواجهة التنمر والضغط المجتمعي... كما أنها، للأسف، تشكل ضغطا على محدودي الدخل بالأساس!
وكل هذا باسم الدين! فأين الدين وأين "السنة" من كل هذا؟ أليس من واجبنا مساءلة هذه الممارسة التي تتلبس بلبوس الدين، في حين أنها تحولت لعادة محتمعية قاهرة؟
ومع ذلك، فكل محاولة لمناقشتها تواجَه بكم من العنف اللفظي والإقصاء والتكفير (أجل، حتى مناقشة سنة عيد الأضحى، يجعلك في نظر البعض كافرا عدوا للإسلام محاربا للمسلمين)! حتى من قد يعترف لك صراحة بالقهر النفسي والمادي الذي يعيشه في هذه الفترة، قد ينتقدك إن أخبرته أنك لا تريد شراء كبش الأضحية أو حاولت أن تناقش معه الأمر من زواية مختلفة عن السائد.
لكن، ألم يحن الوقت لنمتلك شجاعة مناقشة كل هذه العادات والتقاليد التي انطلقت من الدين أو ارتبطت به في ذهنية الأغلبية؛ لكنها أصبحت تشكل ضغطا مجتمعيا وماديا رهيبا على الأفراد أو سببا في نشوء صراعات عائلية وتوتر وضغط مجتمعي؟
ألم يحن الوقت لكي نناقشها بنضج وهدوء، دون عنف وتكفير وسب؟ ألم يحن الوقت لكي نؤسس لمجتمعات تحترم الجانب الجميل لتدين الأفراد، في بعده الروحي الإنساني؛ وتحترم الممارسات الفردية، لكنها لا تجعل من الدين ومن أركانه وسننه إكراها ماديا ومجتمعيا؟
-----------------------------------
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).