Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

Members of Tunisian security forces face off with anti-government demonstrators during a rally in front of the Parliament in…

حازم الأمين - تسعى تونس لتجاوز صدمة قرارات الرئيس قيس سعيد بإقالة الحكومة وتجميد عمل البرلمان، وهي خطوات أثارت مخاوف أن تكون بلاد الياسمين أمام السيناريو المصري.

مؤيدو القرارات تحفظوا على احتمالات ما تنطوي عليه من احتمالات السقوط في الحكم الفردي أو العسكري، والمعترضون عليها عادوا عن دعوات المواجهة وما تنطوي عليه هذه المواجهة من مخاطر في الشارع.

ونحن بدورنا أصابنا الخوف على تونس، وعلى تجربتها، ونملك من الأسباب التونسية وغير التونسية ما يبرر خوفنا، وهنا عرض لبعض مبررات هذا الخوف.

لطالما أجابنا أصدقاؤنا في تونس حين نغبطهم على نجاتهم من مآلات الربيع العربي، بأن الصعوبات التي يواجهها بلدهم هائلة، وأن تجربة ما بعد الثورة ثقيلة ومرهقة وخطيرة أحياناً. والحال أن سؤال الغبطة وجوابهم عليه صادر عن حساسيتين مختلفتين تماماً، فحساسية الغبطة صادرة من تجارب الفشل غير التونسي، وصادرة أيضاً عن محرومين من نعم الحرية والمساءلة والانتخاب، فيما حساسية الإحباط التونسي تعود لبيئة تتسع لتقييم التجربة ولنقدها بقسوة.

زرت تونس نحو 10 مرات بعد ثورتها. وأنا متمسك بغبط التونسيين على الموقع الذي نقلتهم إليه ثورتهم. التجربة صعبة ومعقدة طبعاً ويتخللها الكثير من الخيبات، لكن الفارق الذي صنعته الثورة بيننا نحن بؤساء العالم العربي، وبينهم، هم أحراره، كبير فعلاً.

أَصِل إلى تونس كصحفي، وفي سياق حدث أو قصة أو فيلم. لا قيود إطلاقاً على عملي الذي يلامس أحياناً حدود إدانة النظام فيها بالتورط بالإرهاب. أعمل على قصتي الصحفية التي تبدأ من سجون قسد في سورية، وتمر ببيوت الضيافة "المجاهدين" في تركيا، وتنتهي بمنازل عائلات الجهاديين في مدينة بنزرت في تونس.

الحلقة التونسية في قصتي هي الحلقة الأكثر تخففاً من القيود. في سجون قصد في شمال سوريا تتيح لنا الـ"أساييش" إجراء مقابلة مع أسرى من "داعش" لكن تحت رقابتها، وضمن برنامج زيارة بإشرافها، وفي تركيا نزور مضافات "الجهاديين" سراً محاولين مراوغة الشرطة والأمن. في تونس تنعقد قصتنا على وقائع خارج أعين السلطة. وقائع تدين أطرافاً في النظام التونسي بتسهيل ذهاب الجهاديين إلى سوريا والعراق. يجري ذلك من دون أن نشعر بثقل الأمن وبخطر استهدافنا.

صحيح أن "تونس النهضة" هي أكثر من أرسل إلى "داعش" مقاتلين، لكن "تونس الثورة" هي أكثر من أتاح لنا تقصي حكاياتهم. ومن المرات النادرة التي يشعر فيها الصحفي العربي أنه يملك زمام قصته، وأن لا شريك له فيها سوى حريته، هي عندما يكون في تونس.

هذا ليس تفصيلاً أيها التونسيون، وبالنسبة لنا نحن العرب، غير التونسيين، هذا ليس "حقاً بديهياً". هذا أمر يستحق أن تخافوا عليه. لكنه لا يتوقف عند حقيقة شعور صحفي بحريته في بلدكم. فالصعوبات الهائلة والفساد الكبير الذي تشهروه في وجهنا لكي لا نبالغ بغبطكم على التجربة، هو جزء من نزاع بينكم وبين نظام ما بعد الثورة، ولهذا النزاع تصريف في الانتخابات وفي الصحافة وفي توجهات الرأي العام.

وهذا التصريف أفضى في مرات كثيرة إلى هزيمة انتخابية لحركة النهضة الإسلامية، وأفضى إلى انفكاكها، وإن على نحو مراوغ، عن الإخوان المسلمين، وأفضى إلى وصول الراحل الباجي قايد السبسي إلى الرئاسة رغماً عنها. ويصح ذلك في وصول قيس سعيد إلى قصر قرطاج، وها هو اليوم يخوض مواجهاته مع النهضة أيضاً، التي انزلق خلالها إلى موقع شعبوي نتمنى أن تكون قد ضبطته آليات الثورة، والحساسية التي أنتجتها في مواجهة حكم الأفراد.

الفساد وفشل الحكومة في مواجهة جائحة كورونا جزء من نقاش عام يمكن منازعة السلطة عليه، بينما الفساد في بلادنا وهو يوازي ويفوق الفساد في بلدكم، غير مطروح للنقاش العام. هو جزء من آليات علينا قبولها بصمت. الانقسام المذهبي في لبنان يحول الفساد إلى حصص "شرعية" لأمراء الطوائف. والفساد في سوريا هو أهون موبقات النظام هناك. وفي مصر هو حق طبيعي للجيش. وفي الأردن تتقدم مصلحة العرش مصالح الناس في مكافحة الفساد. الفساد في بلدكم جزء من نقاش أتاحته الثورة، ولطالما أتاحت الانتخابات فرص المحاسبة، وأكبر دليل على ذلك مؤشر تراجع حصة حركة النهضة في البرلمان.

لكن ثمة مؤشر آخر يستدعي الحرص على التجربة التونسية، وهو مؤشر غير تونسي. فليس تفصيلاً لنا نحن العرب غير التونسيين أن يكون في حوزتنا شيء اسمه "الاستثناء التونسي". شيء نجيب به على من يرى استحالة انسجامنا مع تجارب أنظمة الحرية والمحاسبة والانتخاب. ومن جهة أخرى تستحق التجربة التونسية احتضاناً من الحريصين في العالم على وجود نموذج عربي يتولى تزخيم القناعة بنجاعة القيم التي قامت عليها الثورة في تونس. 

-----------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

د. توفيق حميد

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).