Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

"الاستثناء التونسي" ... "كلاكيت 2"

02 أغسطس 2021

ما أن وقعت "الواقعة" في تونس، حتى بدأت "سيناريوهات" مستقبل ثورة الياسمين تتطاير عبر أثير محطات التلفزة والإذاعات، وتتقافز على صدر صفحات الجرائد وزوايا الرأي والتعليقات، في مختلف أرجاء العالم، وبالأخص في هذه الرقعة منه. 

ولقد غلب على ردود الأفعال المتصلة بالحدث التونسي وقرارات الرئيس قيس سعيد، الطابع الأيديولوجي للجهات والتيارات الصادرة عنها، إذ عاود إسلاميو المنطقة، إنتاج سرديات "المؤامرة" وأحاديث "المظلومية"، في الوقت الذي أخفق فيه علمانيون متطرفون، في إخفاء مشاعر "الشماتة" ونوازع "الانتقام الثأرية"، حيال قوى الإسلام السياسي، الإخواني منها بخاصة. 

وكان جلياً، أن أغلب ردود الأفعال هذه، إنما جاءت محكومة بحسابات الانقسام السياسي والإيديولوجي في الدول والمجتمعات العربية، فمن كان له حسابٌ ثقيل مع إسلاميي بلاده، خرج شامتاً ومتشفياً، ومن كان له حساب أثقل مع "دولته العميقة"، خرج متضامناً ومندداً بـ"الانقلاب على الثورة والدستور"...قلة قليلة، احتكمت لقواعد الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير ومبادئ حقوق الانسان، التي لا تتجزأ، فكان صعباً عليها أن تنتصر لحركة النهضة بعد كل ما أظهرته من غطرسة واستعلاء ونزوع انتقامي مع "البورقيبية"، والأصعب منه، إسناد ميل استبدادي قد يأخذ ثورة تونس إلى ضفاف لا يشتهيها أحد، حتى وإن تظلل برداء "المستبد العادل"...هذه القلة انتصرت لمبادئ وقيم الثورة التونسية، وشددت على الحاجة لاستئناف مسار الانتقال الديمقراطي ومعالجة ما اعتوره من ضعف وإخفاقات ميزت عشريته الأولى. 

ومما زاد الطين بلّةً أن عواصم الإقليم و"محاوره"، لم تتأخر عن إظهار دعمها وانحيازها لهذا الفريق التونسي أو ذاك، وعاود إعلام هذه العواصم الفاعل والمقتدر، نشاطه المعتاد طيلة عشرية الربيع العربي، مسهماً في توتير المشهد، وغير متورع عن بث الغث والسمين، الزائف والحقيقي، من المعطيات والمعلومات التي تخدم سياساته التحريرية، أو بالأحرى سياسات الحكومات التي يتبع لها ويتلقى توجيهاته منها. 

ثلاثة سيناريوهات 

ثلاثة سيناريوهات جرى تداولها منذ اللحظة الأولى لاشتعال الحدث التونسي: تركيا 2016، مصر 2013، الجزائر زمن العشرية السوداء...مع أن هذه السيناريوهات جميعها، سيفقد أرجحيته، بعد أيام قلائل فقط، انقضت على قرارات سعيّد الاستثنائية. 

أولاً؛ في السيناريو التركي، إذ بدا للوهلة الأولى، أن "شيئاً ما" قد دار في خلد زعيم حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي في الساعات الأولى لانقلاب سعيّد، عندما دعا أنصار حركته والشعب التونسي، للنزول إلى الشوارع لحماية الثورة والدستور، ولاذ معتصماً ببوابة البرلمان التونسي المغلق والمجمّد...بيد أن الصدمة الأولى لزعيم النهضة وأنصاره، جاءت مزدوجة: فلم تلق نداءاته الاستجابة الشعبية المأمولة، فيما غالبية وزانة من الشعب التونسي، آثرت الاحتفال بقرارات سعيّد وإجراءاته...هنا وقعت الخيبة الأولى، وبدا أن إعادة انتاج سيناريو الانتفاضة الشعبية ضد محاولة الانقلاب العسكري على رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية في العام 2016، تبدو متعذرة، إن لم نقل مستحيلة. 

والحقيقة التي غابت عن ذهن زعيم النهضة على ما يبدو، أن حركته اليوم لم تعد بالقدر ذاته من الصدقية والجماهيرية الذي كانت عليه زمن الإطاحة بزين العابدين بن علي، ومع أن الأرقام والمعطيات سبق وأن أعطت ما يكفي من مؤشرات على تآكل شعبية النهضة، لكن يبدو أن "التفكير الرغائبي" يُلقي بأصحابه إلى قارعة "حالة إنكار" شديدة الغرابة والخطورة...والأرقام قالت أن النهضة خسرت ثلثي طاقتها التصويتية (مليون صوت تقريباً) ما بين أول وآخر انتخابات جرت في تونس في العقد الأخير، ثم أن الحركة التي ظلت تتقدم صفوف الأحزاب في كل الانتخابات، برغم تراجع حصتها من أصوات الناخبين ومقاعد البرلمان، لا بد وأن تتحمل القسط الأوفر من المسؤولية عن إخفاقات السنوات العشر الماضية، اقتصادياً واجتماعياً وصحياً (كورونا مؤخراً)، والحركة أصابها ما أصاب أي حزب سياسي من أمراض البقاء في السلطة وعوارضها، دع عنك تداعيات نظرية "التمكين" الإخوانية، التي تؤثر الجماعة على المجتمع، والحزب على الدولة. 

وثمة اعتقاد بأن فرص إعادة إنتاج سيناريو تركيا – 2016 في تونس، تتراجع مع كل يوم يمر على إجراءات الرئيس سعيّد، ومع كل حزب أو نقابة أو منظمة، تعيد تقييم وتقويم موقفها من "الانقلاب"، وليس مستبعداً أبداً أن تجد النهضة نفسها، وحيدة ومعزولة في مواجهة طوفان القرارات والإجراءات الاستثنائية التي يتخذها الرئيس سعيّد، سيما وأن قوى شعبية ونقابية وحقوقية وحزبية تونسية وازنة، ما انفكت تراجع مواقفها وتتراجع عن ردة فعلها الأولى. 

هنا أيضاً نفتح قوسين، لنورد ملاحظة هامة في سياق هذا التحليل، وهي أن الرئيس سعيّد، بخلاف جنرالات الجيش التركي، جاء إلى سدة موقعه عبر صناديق الاقتراع، وهو في الأصل رجل دستور وحقوق، وجاء انتخابه من خارج المنظومة الحزبية والطبقة السياسية التونسية، بمثابة صفعة للمنظومة والطبقة سواء بسواء، وهو بخطواته الاستثنائية، حظي بتأييد الجيش والمنظومة الأمنية وقطاعات واسعة من الشعب التونسي، قبل أن يلقى تفهماً (وتأييداً في كثير من الأحيان) من كبريات المنظمات المدنية التي لعبت دور "شبكة الأمان" لتونس ما بعد ابن علي، واستحقت جائزة نوبل للسلام تقديراً لجهودها. 

والجيش في تونس، بخلاف التجربة التركية، ليس له تاريخ في التدخل بالسياسة وتنظيم الانقلابات، وهو وإن محض الرئيس تأييده المُضمر، إلا أنه يفعل ما يفعل من منظور "تفويضه" في حفظ أمن البلاد وسيادتها واستقلالها وسلامة حدودها، وهو يحظى بتقدير وثقة غالبية التونسيين، على اختلاف مشاربهم ومرجعياتهم. 

ثانياً؛ في السيناريو المصري (2013)، منذ الإطاحة بالملكية في مصر قبل سبعة عقود، ظلت المؤسسة العسكرية المصرية في قلب دائرة الفعل السياسي، قبل أن تصبح في صميم المعادلة الاقتصادية المصرية كما حصل مؤخراً...هذه الحالة لم تعرفها تونس بعد الاستقلال (ولا قبله بالطبع)، والجيش التونسي أقرب إلى مفهوم "الجيش المهني" الملتزم ثكناته...وإذا كانت العلاقة بين "الدولة العميقة" في مصر، وإخوانها، هي في التحليل الأخير، تجسيد للعلاقة بين الجيش والإخوان، فإن المعادلة في تونس تبدو مختلفة نوعاً. 

بخلاف مصر، تجذرت العلمانية – البورقيبية في الدولة والمجتمع والمدرسة الوطنية، ولعب المجتمع المدني التونسي دور "المعادل الموضوعي" لنفوذ الإخوان (النهضة) وشعبيتهم، لم تكن هناك حاجة للدولة العميقة وجيشها لخلق هذا "المعادل الموضوعي" كما في التجربة المصرية...مصر دولة قوية ومجتمع ضعيف، بخلاف تونس حيث تتفوق قوة المجتمع على قوة الدولة...الأمر الذي تنتفي معه الحاجة لتكرار سيناريو الانقلاب العسكري المتدثر بلبوس "ثورة شعبية"...إن تأثير "رباعي الوساطة" بقيادة الاتحاد التونسي للشغل، كان أبلغ وأفعل من التأثير الذي لعبه المجلس العسكري المصري في مرحلة الانتقال، ولعل هذا – من بين عوامل أخرى – هو ما جعل تونس تمثل "الاستثناء" في عشرية الربيع العربي، وأكسبها كل هذا العطف والتضامن على المستويين الإقليمي والدولي...ولا حاجة لتونس بسيناريو مصر – 2013، ولا فرص جدية لرجحان كفّة هذا السيناريو. 

ثالثاً؛ عشرية الجزائر السوداء، حين استجر "الانقلاب" على فوز الإسلاميين في الانتخابات العامة، بحراً من الدماء والضحايا (150-200 ألف قتيل)، وعشر سنوات من الرصاص والدم، وهو السيناريو الذي خشيه البعض، إذ ظنّ بأن النهضة قد تقتفي أثر الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، مدشنة مرحلة من العنف والاقتتال الأهليين في البلاد. 

مثل هذه "النبوءة السوداء"، لم تلحظ الفوارق الجوهرية بين زمنين وتجربتين، فلا النهضة تنتمي إلى مدرسة "الإنقاذ" ذاتها، برغم قواسمهما "الاسلاموية" المشتركة...ولا تونس ما بعد الاستقلال، هي جزائر ما بعد حرب التحرير، إن لجهة طبيعة الدولة ومستوى علمنتها، أو لجهة أدوار المجتمع المدني وأوزانه، ثم أن السياق الإقليمي والدولي بين تونس اليوم وجزائر ما قبل ثلاثة عقود، يظهر قدراً أقل من التسامح مع حركات إسلاموية مدججة بالسلاح والكراهية، سيما بعد أن اكتوى الإقليم والعالم، بنيران داعش والقاعدة، طيلة عشريتين من السنين. 

لقد أدركت النهضة الحدود الضيقة لما يمكن أن تفعله، وآثرت "النجاة" و"السلامة"، مع أن خطاب "المظلومية" الذي تستحضره بقوة هذه الأيام، قد يفسح في المجال أمام فئات منها أو أمام إسلاميين متشددين من خارجها، للتفكير (وربما العمل) باللجوء إلى خيارات القوة والعنف...لكن وبفرض أن أمراً كهذا، قد يحدث، إلا أنه في جميع الأحوال، لن يبلغ ضفاف "السيناريو الجزائري". 

"الاستثناء التونسي"..."كلاكيت 2" 

أغلب الظن، أن "الاستثناء التونسي" سيعاود اجتراح طريق خاص بتونس للخروج من مأزقها، وأغلب الظن، أن ثمة قدر كبير من المبالغة في الخشية والقلق على المسار الانتقالي التونسي...فالعطف الدولي على تونس، نجح بعد أيام قلائل من قرارات الرئيس سعيد وإجراءات الاستثنائية، في "تدوير الزوايا" في مواقف الرئيس والنهضة سواء بسواء...الأول، لا يتوقف عن إطلاق الالتزامات بالعودة إلى المسار الديمقراطي – المؤسسي في أقرب الآجال، متراجعاً خطوة للوراء عن "وضع يده" على القضاء التونسي، ومُرغَماً على تنسيق خطوات مع أبرز مؤسسات المجتمع المدني...والنهضة، تبدي الاستعداد لتقديم "تنازلات مؤلمة" إن تطلب الأمر، لاستئناف هذا المسار، بعد أن وجدت الجَمعَ آخذ في الانفضاض من حولها، وبعد أن أدركت أن تونس 2021 ليست تونس 2011. 

وأياً كانت مضامين خريطة الطريق التي سيتقدم بها سعيّد أو غيره من منظمات المجتمع المدني وأحزاب تونس، وأياً كانت آجالها الزمنية، فإن ثمة "كتلة تاريخية"، قادرة على حماية الثورة وحفز مسار الانتقال الديمقراطي في البلاد، وتصحيح ما اعتور التجربة من شقوق وثقوب، وتحديداً في ميادين الإنجاز الاقتصادي والاجتماعي والصحي. 

فلا المجتمع المدني، بمنظماته العمالية والنسائية والشبابية والحقوقية وقطاع الأعمال في وارد المقامرة بإعادة تونس إلى زمن زين العابدين بن علي، ولا الإسلام السياسي التونسي، الذي سجل تباعداً عن نظيره "المشرقي" بوارد امتشاق السلاح، أو المقامرة بما حققه من مكتسبات وسمعة إقليمية ودولية، بوصفه الأقرب إلى الخطاب المدني – الديمقراطي...ولا الجيش في تونس، يقف متربصاً بانتظار لحظة الانقضاض على السلطة، كما هو حال الجيوش في دول أخرى، فليس ذلك من إرثه وتقاليده. 

ثم أن التونسيين على اختلاف مرجعياتهم ومشاربهم الفكرية والسياسية، يدركون أتم الإدراك، أن طريقهم للتعافي الاقتصادي والاجتماعي والصحي، إنما تمر عبر تعزيز خياراتهم الديمقراطية، فمظلة الأمان الدولية، ستُثقب في مقتل، إن ذهبت تونس في اتجاه مغاير، وهذا ما أجمعت عليه – تقريباً – مختلف ردود الأفعال الدولية على الحدث التونسي. 

ومن حسن حظ تونس، أن أزمتها الراهنة تفاقمت، في ظل انحسار أدوار عواصم ومراكز عربية وإقليمية نافذة، بعد مسلسل الفشل والخيبات الذي ألم بها، في كل من ليبيا واليمن والخليج والعراق وسوريا، فالعواصم التي اعتادت العبث بوحدة الشعوب وتماسك المجتمعات وقيادة ثورات مضادة لثورات الربيع العربي، تشكو حالة انحسار لأدوارها الإقليمية، وتحديداً بعد مجيء إدارة بايدن للبيت الأبيض، وهي وإن كانت لا تخفي انحيازاتها لهذا الفريق التونسي أو ذاك، إلا أن قدرتها على "التخريب"، باتت محدودة للغاية، وتحت أضواء كاشفة من المجتمع الدولي، بخلاف سنوات ترامب الأربع، التي تمتعت فيه هذه القوى، بحرية حركة غير مسبوقة، مكنتها من تعظيم تدخلاتها الضارة في مواجهة الثورات والانتفاضات العربية. 

تونس على الطريق القويم، وإن كان طريقاً متعرجاً، و"الاستثناء" التونسي، سيتغلب مرة ثانية على صعوبات الولادة القسرية، مهما تعاظم الألم. 

 

-----------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).