Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

المجرمون

05 أغسطس 2021

حازم الأمين 

ربما كانت جريمة مرفأ بيروت التي وقعت في 4 أغسطس 2020 من أوضح جرائم العصر لجهة هوية منفذيها، وجلاء التفاصيل والوقائع المرتبطة بها.

لا قطبة مخفية في هذه الجريمة، وفي حوزة أي لبناني عادي كمية هائلة من الحقائق المثبتة حول مسار شحنة الأمونيوم، من المصنع في جورجيا وصولاً إلى مرفأ بيروت. وأيضاً عن السنوات السبع التي أمضتها الشحنة في العنبر رقم 12 في المرفأ.

المعطيات متوفرة ليس فقط للمحققين، إنما أيضاً للمواطن العادي، ومعظمها صار بمتناولنا لأن صحفيون استقصائيون وثقوها وتولوا كشفها وطرحوها أمام الرأي العام، والأمر لم يعد يتطلب أكثر من قاضٍ يتولى صياغة قصة الانفجار من ألفها إلى يائها عبر قرار اتهامي يحدد المسؤوليات ويطلب العقوبات!

إذاً المهمة هي منع القاضي من القيام بهذه المهمة. أمين عام حزب الله، السيد حسن نصرالله، أعطى إشارة الانطلاق الأولى. وجه إصبعه نحو وجه القاضي طارق البيطار وقال إن التحقيق مسيس!

وبعد ذلك انطلقت الطبقة السياسية مجتمعة في حملة رهيبة ضد القاضي. مجلس النواب رفض رفع الحصانات، وتحولت قاعات المجلس إلى منبر لدرء التهم عن المسؤولين، ووزير الداخلية لم يعط إذناً بملاحقة المسؤولين الأمنيين، وتوج ذلك كله ببيان لمجلس نقابة الصحافة، وهو حصن صون العدالة وحماية الحريات، يشكك فيه بنوايا قاضي التحقيق!

قصة القرار الاتهامي العتيد ستكون بسيطة وواضحة. النظام هو من ارتكب الجريمة. لا يحتاج الأمر إلى أكثر من التدقيق في الوقائع المتاحة والموثقة. ومثلما تبدو الجريمة معلنة وغير معقدة، تبدو الحملة على القاضي واضحة وجلية. حزب الله على رأس النظام المرتكب، لكن أركان النظام هم مجمل الطبقة السياسية الفاسدة والفاشلة والمرتكبة.

نحن أمام مسرحٍ للجريمة يؤدي فيه الجميع أدواراً واضحة ومكشوفة وغير مواربة. ونحن، إذ لا نشكل أكثر من جمهور لعمل مسرحي مبتذل، لا يصيبنا وضوحه بالذهول، ذاك أننا رافقنا كاتب السيناريو خطوة خطوة خلال عمله غير المضني لتظهير العرض المبتذل.

لكن هل تستقيم سلطة في ظل هذه الجريمة المعلنة؟ لا بل أن السؤال يجب أن يذهب خطوة أبعد: هل تستقيم مافيا في ظل انكشافها إلى هذا الحد؟ فالمافيا تستعين على جريمتها بالكتمان، وتواري وجوه الفاعلين وأسمائهم وعناوينهم! السلطة في لبنان لا تشعر بالحاجة إلى تورية الجريمة. تستعين بالطوائف والمذاهب وبنقابة الصحافة لتحصين الجريمة ودرء القضاة عن مسرحها.

نعم، من يحمي المرتكب هو طائفته ومذهبه. علينا أن نصارح أنفسنا بهذه الحقيقة مرة أخرى. فلندقق بما جرى في أعقاب إرسال القاضي بيطار طلبات رفع الحصانة عن النواب والأمنيين. الطائفة الشيعية رفعت صور مدير عام الأمن العام عباس إبراهيم، ونقابة الصحافة (الطائفة السنية) أصدرت بياناً تشكك فيه بالقاضي بيطار، ولن يطول الأمر بالمسيحيين قبل أن يعلنوا حصانة مدير عام أمن الدولة طوني صليبا!

لكن في مقابل هذا المشهد القاتم كان مشهد الرابع من أغسطس 2021، أي ذكرى مرور سنة على الجريمة، معيقاً للمهمة التي حددها نصرالله للطبقة السياسية.

ثمة شعور لدى أهل بيروت باستحالة التعايش مع جريمة بهذا الحجم. جريمة مقيمة في حناجر من بقي على قيد الحياة من أهل المدينة، لا سيما وأن الجريمة معلنة ولا يمكن مواراة وجوه مرتكبيها بالأسماء والوقائع وحجم المسؤوليات، فنحن حيال مدينة جرى تدمير ثلثها وقتل 217 شخصاً من أهلها وجرح نحو 7 آلاف وتهجير مئات الآلاف من منازلهم.

كارثة كونية يشعر مرتكبها أن بإمكانه النجاة بفعلته، رغم أن الجميع يعرفه، ولم يبق إلا الفصل الأخير من الحكاية، والمتمثل بقاضٍ نزيه يكتب القصة من العناصر المتاحة له ولكل اللبنانيين!

وعلى وقع إحياء اللبنانيين بالأمس الذكرى الأولى للكارثة، كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينظم مؤتمراً لدعم لبنان. الرجل الذي خذلته المافيا حين قدم إليها في أعقاب الجريمة بأيام، وواجهنا في حينها بأنه علينا أن نتعايش مع هؤلاء المجرمين بوصفهم ممثلينا، اكتشف كم أن طلبه هراءً، وأنه هو نفسه لن يقدم المساعدات للبنان عبرهم، ذاك أنهم من المحتمل جداً أن يوظفوا المساعدات لاستيراد المزيد من نترات الأمونيوم، طالما أن النظام في سوريا يحتاجها في حربه على السوريين.

ماكرون سيرسل المساعدات لجمعيات الإغاثة، ولن تمر عبر أجهزة دولة المافيا التي فجرت المدينة. وبعد ذلك ستصدر لائحة عقوبات بحق مسؤولين لبنانيين لا تملك طوائفهم القدرة على حمايتهم من فرنسا. إلا أن ذلك لم يعد مهماً لهم، ذاك أن حساسيتهم حيال صورة المافياوي التي "طوبهم" العالم بها، لم تعد مهمة بالنسبة إليهم.  

 

-----------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

المنافقون
المنافقون

سناء العاجي الحنفي

حين نكون في حضرة شخص محافظ، بينما ندافع نحن عن قيم الحداثة والحريات العامة والفردية والحقوق والمساواة بين الجنسين وحرية المعتقد وغير ذلك من القيم التي تنتصر للفرد واختياراته، يكون من الطبيعي أن تختلف وجهات النظر والتصورات! 

المشكلة الكبرى هي حين نكون أمام أشخاص محافظين.. لكنهم مصرون على ادعاء الحداثة. أشخاص يجمعون في نصف جملة بين حقوق النساء وبين تحميلهن كامل المسؤولية في حالة التحرش أو العنف أو الحمل غير المرغوب فيه. يضعون في نفس الفقرة العلاقات الجنسية الرضائية من جانب، والاغتصاب أو الاعتداءات الجنسية على الأطفال من جانب آخر. 

أولئك الذين يصرون على أن نقاش حقوق المثليين والمتحولين جنسيا هو نقاش يؤسس له مخطط دولي سري، وليس فقط البحث عن حقوق فئة من المواطنين تسعى للعيش في سلام دون أن يكون توجهها الجنسي والحميمي مؤثرا في سلامتها وفي مواطنتها. 

أولئك الذين ينهون دائما عباراتهم بـ: "لكن": "أنا مع حقوق النساء، لكن...". "أنا مع حرية المعتقد، لكن...". "أنا مع الحريات الفردية، لكن...". 

أولئك الذين يدافعون عن الحق في الحياة حين يتعلق الأمر بحق النساء في اختيار الأمومة أو عدمها، فيقفون ضد التوقيف الإرادي للحمل... لكن عقيدتهم تتوجه، بضع أيام أو ساعات بعد ذلك، نحو "القصاص" ويرفضون بشكل قطعي مطلب إلغاء عقوبة الإعدام، لأن الحق في الحياة لا يرتبط عندهم إلا بأجساد النساء وحقهن في الحرية والاختيار. حتى "الحق في الحياة" لذلك الجنين، فهو لا يعنيهم إلا خلال التسعة أشهر التي يكون فيها في بطن أمه. بمجرد أن يخرج للوجود، يكونون أول من يصمه بالعار! 

أولئك الذين يصنفون أنفسهم مع حقوق النساء، "لكن تدريجيا"؛ ومع "المساواة" على أن تظل لهم الكلمة الأخيرة والقوامة والولاية القانونية على الأبناء.

أولئك الذين يبررون حرمان الأم من الحضانة بعد زواجها مجددا، بأن هناك حالات اغتصاب كان المجرم فيها زوج الأم. هل نحرم كل النساء من الحضانة بسبب بضع حالات جريمة اقترفت من طرف زوج أم، علما أن هناك حالات أخرى كثيرة، للأسف، اغتصب فيها أب أبناءَه وبناته؟ فهل نحرم بموجبها جميع الآباء من حضانة أبنائهم؟ وهل، حين تقسو زوجة أب على أبناء وبنات زوجها، سنعتبر جميع الآباء غير مؤمَّنين على أبنائهم وبناتهم؟ أم أنها في الحقيقة مجرد أعذار تبريرية لعقليات ذكورية تستكثر على النساء حقهن في إعادة بناء حياة جديدة بعد الطلاق وتفرض عليهن الاختيار بين أن يكن أمهات... وأن يكن نساء!

أولئك الذين يعتبرون أن الأولوية هي الدفاع عن الحريات الفردية للأشخاص الغيريين، وبعدها، نناقش حقوق المثليين. على أي أساس نبني هذه التراتبية في الحقوق بناء على تفاصيل حميمية؟ أم أنها تراتبية لا تخفي في الحقيقة إلا رفضا مبطنا للمثلية وللمثليين؟ 

أولئك الذين يقولون: العلاقات الجنسية الرضائية؟ نعم، لكن لا يجب استفزاز مشاعر الناس! فهل يطالب المدافعون عن حقوق المثليات والمثليين بحق ممارسة الجنس في الشارع مثلا؟ 

أولئك الذين يقولون: "لا تريد أن تصوم رمضان؟ من حقك... لكن في بيتك". فمن الذي قرر أن الفضاء العام مخصص حصريا للمؤمنين؟ 

أولئك الذين يعجبهم أن يكونوا مصنفين ضمن خانة الحداثيين والحقوقيين، لكنهم في الحقيقة لا يحملون من الحداثة إلا الشعارات. 

أولئك الذين يبررون إقبار نقاش المساواة في الإرث بكون الأمر مؤطرا بنص قرآني. يبخسون النقاش باعتبار "معظم الناس فقراء أصلا وليس لديهم ما يرثونه". وكأننا نناقش تركة يجب تقسيمها وليس مبدءا حقوقيا للمساواة بين الجنسين.

أحترم وأقدر المحافظين والإسلاميين الذين، على الأقل، لا يتظاهرون بتبني مواقف لا تشبههم. 

هم خصومك الفكريون الذين قد تختلف معهم وقد تستفزك خرجاتهم. لكنهم، على الأقل، يجعلونك تفكر في تطوير براهينك وحججك. الكارثة والخبث في من يتدثرون بشعارات الحداثة والمساواة، فتخونهم جملة أو موقف أو فكرة... وما أكثرهم!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).