Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

عن غياب السلام الكويتي الإسرائيلي

05 أغسطس 2021

فوّت وزير الخارجية الأميركي انتوني بلينكن فرصة ثمينة عندما زار الكويت وأشاد بقيادتها "في حل الأزمات الإقليمية" من دون أن يحثّ المسؤولين الكويتيين على توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل، على غرار "اتفاقيات إبراهيم"، التي وقعتها كل من الامارات والبحرين مع الدولة العبرية.

بلينكن أصاب بإشادته بدور الكويت، من نجاحها في رأب الصدع داخل مجلس التعاون الخليجي، الى دورها في العمل على إنهاء الحرب في اليمن، وهو ما يجعل من رفض الكويت للسلام مع إسرائيل رفضا لا يتناسب مع السياسة المحايدة والسلمية التي تتبناها الدولة منذ تحريرها من الاحتلال العراقي عام 1991.

قبل الغزو العراقي الاجرامي لها، كانت الكويت تلعب دورا شبيها بالدور الذي تلعبه قطر اليوم. عشقت الكويت رئيس مصر الراحل جمل عبدالناصر، وتبنت القومية العربية، ورعت قيام "حركة التحرير الفلسطينية" (فتح)، بين صفوف الفلسطينيين المقيمين في الكويت، وكان في طليعتهم المهندس ياسر عرفات. وأغدقت الكويت الأموال على العمل الفلسطيني المسلح، كما على اللاجئين الفلسطينيين.

بعد الغزو، وقف عرفات الى جانب صدام حسين يستعرضان الجيش العراقي، وكذلك فعلت بعض الأنظمة العربية "الثورية" في تأييدها الغزو، ومعارضتها التدخل الدولي لتحرير الكويت.

عانت الكويت من كمية الشقاق الذي يصاحب خزعبلات "القومية العربية" و"القضية الفلسطينية"، لكن بقيادة وزير خارجيتها ورئيس حكومتها - الذي صار أميرها فيما بعد - المحنّك الراحل صباح الأحمد الصباح، لم تسع الكويت للانتقام ممن ساندوا صدام، بل تبنت سياسة حياد حديدية، وراحت تتفادى الانخراط في المحاور الإقليمية والدولية، وسعت للالتزام بأي اجماع عربي أو قرارات دولية، في محاولة لإرضاء الجميع.

هذه السياسة أسبغت على الكويت صورة دولة ناضجة ومحايدة، وسمحت لها بلعب دور الوسيط في إنهاء الأزمات، في وقت وظفت قدراتها المالية الضخمة لتعزيز حيادها عبر تمويلها مشاريع تنموية وصناديق إغاثية، فلم يرحل الأمير صباح قبل أن تمنحه الأمم المتحدة لقب "أمير الإنسانية".

سلام واحد لم تسع الكويت إليه، بل واصلت انحيازها فيه للميليشيات العسكرية، هو الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إذ بعد مرور ثلاثة عقود على غزو الكويت، نست الأجيال الكويتية الجديدة قباحة إجرام صدام وكارثة تأييد عدد كبير من الفلسطينيين له، بل أن الأجيال الكويتية اليوم ربما تكون متأثرة بعملية شيطنة اسرائيل، السائدة في صفوف الشباب الغربي وفي الجامعات.

ويعزز العداء الكويتي لإسرائيل محاولات "الإسلام السياسي" في البلاد استخدام "القضية الفلسطينية" كأداة شعبوية لمهاجمة الحكومة، مع أن "الإخوان المسلمين"، أينما حكموا، حافظوا على السلام مع إسرائيل، مثل في تركيا أو في فترة حكم محمد مرسي مصر.

شعبوية الإسلام السياسي هذه تدفع بعض الحكومات العربية، مثل في الكويت، إلى المزايدة على "الإخوان" في موضوع فلسطين بهدف سحب هذه الأداة من أيديهم، خصوصا عندما لا تتنبه هذه الحكومات العربية الى أن السلام مع إسرائيل في مصلحتها الاقتصادية والوطنية، فيما "القضية الفلسطينية" - بشكلها الحالي - قضية هوية عاطفية عابرة للحدود، تؤذي الفلسطينيين كما باقي العرب.

للتمسك بتفادي السلام مع اسرائيل، وجدت الحكومة الكويتية ضالتها في "مبادرة بيروت للسلام"، التي أقرتها الجامعة العربية في العام 2002، والتي تدعو إلى سلام عربي شامل مع إسرائيل مقابل انسحابها من كل الأراضي الفلسطينية، وسماحها بقيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل.

"مبادرة السلام" العربية كانت ولدت ميته بعدما أقحمت الأنظمة "الثورية" في نصّها بندا يشترط عودة كل الفلسطينيين الى أراضي 1948، التي تشكل اليوم دولة إسرائيل باعتراف دولي. بدون تعديل هذا البند، يستحيل على إسرائيل قبولها، وهو ما يعني أن المبادرة ليست للسلام، بل لـ"رفع العتب" ولمواصلة حالة العداء العربي مع إسرائيل.

واستمرار العداء يؤثر على الدول العربية بطرق متفاوتة. الدول التي تحكمها أنظمة أو ميليشيات ثورية، مثل سوريا ولبنان والعراق، يعتاش حكامها على الحروب ويستخدمونها وسيلة لتشديد قبضة استبدادهم تحت شعار أن "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" وهو ما يعني أن شعوب هذه الدول تموت من الفقر والجوع فيما الحكام يصرّون على مواصلة الحرب التي تمنع أي نهوض اقتصادي أو فكري أو ثقافي أو غيره.

أما الحكومات التي تنعم بعائدات النفط، فيمكنها تفادي السلام مع إسرائيل لأن اقتصادها ينمو بغض النظر عن تعثر تجارتها، التي تتطلب "تصفير المشاكل الخارجية"، بما في ذلك سلام مع إسرائيل، صاحبة رابع أكبر اقتصاد في المنطقة بعد السعودية وتركيا والإمارات.

لكن النفط في سنواته الأخيرة، وهو ما أدركته دول، مثل الإمارات والبحرين، وراحت تسعى لتبني نموذج اقتصادي بديل مبني على التجارة والخدمات، وهو ما دفع الدولتين إلى توقيع سلام مع إسرائيل. السعودية وعمان، بدورهما، تحذوان حذو الإمارات في تحويل اقتصاديها من نفطي الى خدماتي، وهو ما يعني أن سلاميها مع إسرائيل صار يقترب أكثر فأكثر.

أما الكويت وقطر، فتنعمان بعائدات ضخمة وتعداد سكاني صغير. لكن في الحالة الكويتية، لم يعد عدد السكان ضئيلا ولا مصاريف الدولة والشعب محدودة، وهو ما صار يثقل كاهل الاقتصاد الكويتي، ويدفع إلى انكماش النمو والسيولة، ويجبر الكويت على الاستعانة بمدخراتها في "صندوق الأجيال".

لكن على المدى المتوسط والبعيد، لا بديل للكويت عن اللحاق بركب الإمارات والسعودية في تحديث الاقتصاد وتوسيع رقعة التجارة عبر السلام، بما في ذلك مع إسرائيل، وهو سلام سيسمح للكويتيين، وبينهم أعرق العائلات التجارية في الخليج، في تحقيق نمو اقتصادي وتفادي تبديد أموال "صندوق الأجيال".

يوم وقّعت الإمارات والبحرين "اتفاقيات إبراهيم" للسلام مع اسرائيل، أصدر المرشح للرئاسة آنذاك جو بايدن بيانا أشاد فيه بالخطوة ووعد بالبناء عليها في حال وصوله للبيت الأبيض. اليوم، لا يبدو أن الرئيس بايدن يسعى للحفاظ على وعده في حثّ الدول العربية لسلام مع اسرائيل يسبق السلام الفلسطيني ويساعد على إبرامه.

هي فرصة أضاعها بلينكن لحثّ الكويت على السلام مع إسرائيل وإقناعها بفوائده، فهل يعيد الوزير الأميركي النظر في سياسته الحالية وتفويته الفرص؟

 

 

--------------------------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

رحل صدام لكن الثقافة الصدامية في الكبت والمنع والرقابة والحظر كلها بقيت
رحل صدام لكن الثقافة الصدامية في الكبت والمنع والرقابة والحظر كلها بقيت

حسين عبد الحسين

على مدى الأشهر الماضية، اشتكى رجل الدين العراقي مقتدى الصدر من سلسلة من المواضيع وطلب حظرها جميعها، كان أولها اعتراضه المتكرر على المثلية الجنسية وإصراره على معاقبتها في العراق والعالم، وثانيها معارضته لأي حوار عراقي مع أي إسرائيلي أو عضو في الماسونية، وثالثها امتعاضه لقيام سويدي بإحراق نسخة من المصحف في ستوكهولم، وآخرها مطالبته السعودية بالإيعاز لشبكة "أم بي سي" بعدم بث مسلسل رمضاني من المقرر أن يتناول حياة الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان.

مقتدى مولود في بغداد وتفتحت عيناه على عراق لجدرانه آذان، يخشى الأخ وشاية أخيه. عراق يسوده العنف والغضب وتكرار العراقيين لكلمتي "أبسطه"، أي أضربه، و"أضربه طلقة" أي أطلق عليه النار.

عراق عشائري قروسطوي، لا حقوق فيه للمرأة ولا للطفل ولا مساواة، بل هرمية قاسية يردد فيه من هم في القاع عبارة "نعم سيدي" عشرات المرات في اليوم، ويهللون للحاكم، صدام كان أو خامنئي أو مقتدى.

في الأسابيع التي تلت انهيار النظام، مررت على مدرسة لانتظر أولاد أقربائي. لفتتني عدد الرسومات التي كانت تتناول صدام، واحدة فيها صدام رياضي، وأخرى صدام المحارب، وثالثة صدام يقرأ. استللت كامرتي ورحت أصور، إذ، في لحظات، خرجت علي سيدة في منتصف العمر وعرّفت عن نفسها أنها المديرة.

قالت لي بثقة: ممنوع التصوير. كان النظام انهار قبل أيام والناس تنهب الوزارات والمحال التجارية. أجبتها: بأمر ممن؟ فكّرت المديرة وشعرت أني محقّ. التصوير كان ممنوعا في زمن صدام، ولكن في غيابه، لأي شخص الحرية بالتصوير أينما كان. تراجعت المديرة وأومأت لي بالمضي بالتصوير براحتي.

يوم اقتلع الأميركيون صدام، منحوا العراقيين الحرية، فكانوا كمن أطلق سماك من شباك الصياد وأعادوهم للبحر. لكن أجيال العراقيين نسيت السباحة، فغرقت في الحرية، ولم تعرف كي تستمع بها، أو كيف تحترم حق الآخرين بالاستمتاع بها.

رحل صدام لكن الثقافة الصدامية في الكبت والمنع والرقابة والحظر كلها بقيت، هذه المرة ارتدت زي أناس يتحدثون باسم رب العالمين بدال من الحديث باسم الأمة العربية المجيدة، على غرار ما كان يفعل صدام.

بعد 20 عاما على اقتلاع أميركا لصدام، ما تزال ثقافة العراقيين عنفية قاسية لا مكان للحرية فيها. الأقوى يحكمون حسب القانون العشائري وبعض تقاليد الإسلام، وعلى كل الناس أن تعبد الإله نفسه، وتصلي بالطريقة نفسها، وتلتزم العادات والتقاليد نفسها. من يخرج عن هذه التقاليد لأن دينه يخالفها، مثل االمسيحيين أو الصابئة، يتم التعامل معهم على أنهم أقلية غير مرئية، لا حقوق لهم إلا بعض الحقوق الرمزية على شكل مقعد أو أكثر في مجلس النواب، وربما وزير وزارة لا قيمة لها، مثل حقوق الإنسان، أو وكالة وزارة بالأكثر.

مقتدى الصدر من أكثر ضحايا صدام في العراق. فقد أبيه وإخوته على أيدي النظام السابق. رحل صدام، لكن مقتدى بقي يعيش في العقلية نفسها: منع وحظر وبطش وتحذير وصراخ.

الظريف هنا هو أن معارضة مقتدى لمسلسل معاوية تشبه معارضة مسلمي العالم لرسوم الكاريكاتير عن النبي محمد واعتراضهم، مثل مقتدى، ضد السويدي الذي أحرق القرآن. منطق معارضة غالبية المسلمين لأي ما يعتقدونه مسيئا لرسولهم أو كتابهم هو نفس منطق معارضة مقتدى لمسلسل معاوية، وهو منطق لا يفهم معنى الحرية، ويعتقد أن ما هو مقدس لديه يجب أن يحوز على احترام الآخرين وأن إهانة مقدسه هو إهانة له، ما يعني أن هذه الإهانة محظورة لأن الحرية تشترط الاحترام، وهذا طبعا هذيان.

لا احترام في الحرية. الحرية مطلقة لا قيود لها، باستثناء التحريض على القتل. الناس تختلف في المعتقدات والمقدسات، ومعتقدات البعض هي إهانة تلقائية لمعتقدات الآخرين. مثلا، رأي المسلمين أن المسيح لم يكن ابن الله ولم يتعرض للصلب، ولم يقم من الموت، هو رأي يطعن في قلب العقيدة المسيحية، وهو اعتقاد يساوي قول المسيحيين أن محمدا لم يكن رسولا ولا نزل عليه وحي.

هذا التضارب في المعتقدات والمقدسات هو الذي دفع من صمموا الدول ومبدأ الحرية الى اعتبار أن كل واحد مسؤول عن اعتقاده هو وحده، وأن لا وصاية له أو للجماعة أو للمجتمع أو للدولة على معتقدات أو آراء أو أفعال الآخرين، حتى لو كانت أفعالهم مسيئة له. 

مقتدى الصدر والشيعة عموما يلعنون معاوية بن أبي سفيان لاعتقادهم أنه لم يقبل بخلافة علي، بل نازعه عليها وحاربه ما أدى لمقتله. بعد ذلك، انتزع معاوية زعامة المسلمين من الحسن ابن علي، مع أن الحسن هو الذي بايع معاوية. ثم عند موت معاوية، لم يعترف الحسين ابن علي بخلافة يزيد ابن معاوية، ما أدى إلى معركة كربلاء التي قتل فيها جيش يزيد الحسين وصحبه. 

الشيعة يكرهون معاوية وكل الأمويين ويلعنونهم، وهو ما يثير التساؤل حول أسباب تمسك شيعة إيران اليوم بمسجد قبة الصخرة الذي بناه الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان. أما السنة، فيعتبرون معاوية من الصحابة، ويعتبرون الخلفاء الأمويين أمراء المؤمنين الذين بايعهم المسلمون، ويعزّون خصوصا عبدالملك وعمر بن عبدالعزيز.

هذا اختلاف رأي واضح، من يحبهم السنة يلعنهم الشيعة، وهو ما يعني أنه يحق لكل من الطرفين التعبير عن رأيه الذي لن يعجب الآخر، بدون الحاجة للصراخ والقمع والعنف. والموضوع نفسه ينطبق على علاقة المسلمين بالغربيين الذين يهينون رموز الإسلام ومقدساته. للناس آراء مختلفة وحسب ما ورد في القرآن "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". فإذا كان كتاب المسلمين يسمح بالكفر، فلماذا يعتقد المسلمون أن عليهم فرض رقابة ومنع التجاوز على معتقداتهم ومقدساتهم؟

فلتبث شبكة "أم بي سي" مسلسل معاوية، ولتبث الشبكات التابعة لإيران مسلسل السيد المسيح (الذي منعته الكنيسة في لبنان)، وليبث القبطي الأميركي فيلمه المسيء عن الرسول، وليرسم من يرسم الرسول ويحرق من يحرق القرآن، بل التوراة أو أي كتاب يحلو لهم. الحرية مطلقة، وإلغاء القيود يخفف من الكبت والغضب والحاجة لإهانة الآخر والتضارب معه.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).