Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

The shadows of people walking across Via Condotti luxury shopping street is cast on the ground in central Rome on March 10,…
حق الاختيار.. متى يحترمه المجتمع؟

سناء العاجي

رجل في منتصف الأربعينيات، يستمتع باحتساء كأس نبيذ مع وجباته، ويشرب البيرة في لقاءاته مع أصدقائه.

شابان تزوجا قبل حوالي 5 سنوات، لكنهما قررا عدم الإنجاب لأسباب تخصهما.

شابة في منتصف العشرينيات، أحبت شابا، ومارست معه الجنس، حين اكتشفت أنها حامل، رفض حبيبها أن يتحمل مسؤولية الطفلـة(ة) القادم(ة)، واختارت الفتاة أن تحتفظ به/بها، رغم الصعوبات المادية والاجتماعية والقانونية التي قد تواجهها.

زوجان لم يوفقا في الإنجاب، فقررا التكفل بطفل كان يعيش في مركز للحماية الاجتماعية.

شاب اكتشف ميوله الجنسية المثلية، عانى من عذاب الضمير لسنوات لأنه نشأ في مجتمع يعَلِّمه أن المثلية أقصى أشكال العصيان (رغم أنها ميول طبيعية وليست معصية "اختيارية")، قبل أن يقرر قبول نفسه وميوله في مجتمع لا يتقبله معظم أفراده.

شابة عزباء كانت تحلم بالأمومة، لكنها ترفض في نفس الوقت أن تتزوج لمجرد الإنجاب، فقررت أن تتكفل بطفلة صغيرة تعيش معها أمومتها، دون إكراه مجتمعي، ودون صعوبات الإنجاب خارج الزواج.

شابان متزوجان، لكنهما يفضلان تخصيص أهم جزء من دخلهما للسفر (قبل زمن كورونا)، بدل تأثيث الصالون المغربي باهظ الثمن، الذي يبهر الضيوف.

شاب يتحول من الإسلام إلى المسيحية، وشابة تتحول من المسيحية إلى البوذية.

شابة اختارت نظام تغذية يعتمد على الخضراوات والفواكه والنشويات، ممتنعة عن أكل اللحوم والأسماك بكل أنواعها.

شابة قررت أن تعيش بشكل مستقل عن الأسرة.

شاب اختار التخلي عن دراسة الطب لكي يدرس الفن التشكيلي الذي كان موهوبا فيه.

شابة أخرى تخلت عن كل قناعات دينية، وقررت أن تصبح "لا دينية"

...

قد نستمر إلى ما لانهاية في تعداد حالات متنوعة ومتعددة لأشخاص يشكلون فسيفساء مجتمع يزعجه الاختلاف مهما كان بسيطا، ومهما كان فرديا لا يؤثر على اختيارات البقية.

أن يتناول شخص النبيذ فهو لا يجبر الآخرين على فعل نفس الشيء، أن يختار أحدهم أن يكون نباتيا لا يمنع الآخرين من أكل اللحوم بأنواعها. أن يمارس شخصان الجنس خارج الزواج لا يمنع الآخرين من الاحتفاظ بعذريتهم (الحقيقية وليس المجتمعية) إلى غاية الزواج.

أن يقرر شخص أو زوجان عدم الإنجاب، لا يمنع الآخرين من الإنجاب ومن ضمان استمرار البشرية، لأن البعض يتصور أن اختيار بعض الأشخاص لعدم الإنجاب سيعني انقراض البشرية!

أن يكون شخص مثليا لا يفرض على الآخرين أن يغيروا ميولهم الجنسية، وأن يتحول فرد إلى ديانة أخرى، أو حتى إلى الإلحاد هو اختياره الشخصي، الذي لا يؤثر على تدين الآخرين.

باختصار.. نحن مختلفون، نحن متعددون، لكل منا اختيارات أو ميول أو أسلوب عيش يناسبه أكثر من غيره. فلماذا يسعى البعض إلى أن يجعل منا نسخة مطابقة للأصل، لبعضنا البعض؟  

لماذا يخاف البعض من الاختلاف؟ ومن قدرة عدد من الأشخاص على الاستماع الصادق لاختياراتهم الحقيقية؟ لا لما يمليه عليهم المجتمع؟

في النهاية، ما يطالبك به "مجتمع الجماعة" هو أن تنغمس وسط الآخرين، حتى لو كان الثمن سعادتك الشخصية. ما يطالبك به "مجتمع الجماعة" أن تخنق كل صوت في داخلك يدعوك لاختيار مختلف، أن تخنق ميولك العاطفية والدينية والجنسية والبيولوجية وأن تنفي اختياراتك في الحياة بشكل عام (السفر، مكان الإقامة، الزواج أو عدمه، التغذية، التدين أو عدمه..) في سبيل ألاّ تزعج تصوراته عمّا يفترض أن نكون.

متى سنعي أن الشخص الذي يعيش اختلافه وذاته بحرية، يكون سعيدا قادرا على الإبداع وعلى خلق القيمة المضافة مجتمعيا، اقتصاديا، فنيا، إلخ؟

متى سنتقبل اختلافنا عن بعضنا البعض في الطبيعة والشكل والميول والأهداف وفي تمثلنا نفسه للسعادة؟ متى سنتوقف عن التدخل في اختيارات الآخرين وتحديد ما يناسبهم؟ 

حين نعي جيدا أن المجتمع السليم يتطور حين تتعدد مكوناته، سيمكننا حينها أن نحلم بغد أفضل، يضمن الحق في الوجود لجميع الأشخاص باختلافاتهم واختياراتهم المتنوعة.

حين سنعترف بكل هذه الفسيفساء المختلفة، قد نصنع صورة جميلة بمختلف ألواننا؛ بدل الصورة الوحيدة والموحدة التي يحاول الكثيرون فرضها، باسم "الجماعة"، و"ثقافة المجتمع"، و"التقاليد".. بينما في الحقيقة هي لا تترجم إلا خوفهم من مواجهة ذواتهم وعدم قدرتهم على الخروج عن الصف الذي رسم لهم مسبقا. 

 

 

-------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

رحل صدام لكن الثقافة الصدامية في الكبت والمنع والرقابة والحظر كلها بقيت
رحل صدام لكن الثقافة الصدامية في الكبت والمنع والرقابة والحظر كلها بقيت

حسين عبد الحسين

على مدى الأشهر الماضية، اشتكى رجل الدين العراقي مقتدى الصدر من سلسلة من المواضيع وطلب حظرها جميعها، كان أولها اعتراضه المتكرر على المثلية الجنسية وإصراره على معاقبتها في العراق والعالم، وثانيها معارضته لأي حوار عراقي مع أي إسرائيلي أو عضو في الماسونية، وثالثها امتعاضه لقيام سويدي بإحراق نسخة من المصحف في ستوكهولم، وآخرها مطالبته السعودية بالإيعاز لشبكة "أم بي سي" بعدم بث مسلسل رمضاني من المقرر أن يتناول حياة الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان.

مقتدى مولود في بغداد وتفتحت عيناه على عراق لجدرانه آذان، يخشى الأخ وشاية أخيه. عراق يسوده العنف والغضب وتكرار العراقيين لكلمتي "أبسطه"، أي أضربه، و"أضربه طلقة" أي أطلق عليه النار.

عراق عشائري قروسطوي، لا حقوق فيه للمرأة ولا للطفل ولا مساواة، بل هرمية قاسية يردد فيه من هم في القاع عبارة "نعم سيدي" عشرات المرات في اليوم، ويهللون للحاكم، صدام كان أو خامنئي أو مقتدى.

في الأسابيع التي تلت انهيار النظام، مررت على مدرسة لانتظر أولاد أقربائي. لفتتني عدد الرسومات التي كانت تتناول صدام، واحدة فيها صدام رياضي، وأخرى صدام المحارب، وثالثة صدام يقرأ. استللت كامرتي ورحت أصور، إذ، في لحظات، خرجت علي سيدة في منتصف العمر وعرّفت عن نفسها أنها المديرة.

قالت لي بثقة: ممنوع التصوير. كان النظام انهار قبل أيام والناس تنهب الوزارات والمحال التجارية. أجبتها: بأمر ممن؟ فكّرت المديرة وشعرت أني محقّ. التصوير كان ممنوعا في زمن صدام، ولكن في غيابه، لأي شخص الحرية بالتصوير أينما كان. تراجعت المديرة وأومأت لي بالمضي بالتصوير براحتي.

يوم اقتلع الأميركيون صدام، منحوا العراقيين الحرية، فكانوا كمن أطلق سماك من شباك الصياد وأعادوهم للبحر. لكن أجيال العراقيين نسيت السباحة، فغرقت في الحرية، ولم تعرف كي تستمع بها، أو كيف تحترم حق الآخرين بالاستمتاع بها.

رحل صدام لكن الثقافة الصدامية في الكبت والمنع والرقابة والحظر كلها بقيت، هذه المرة ارتدت زي أناس يتحدثون باسم رب العالمين بدال من الحديث باسم الأمة العربية المجيدة، على غرار ما كان يفعل صدام.

بعد 20 عاما على اقتلاع أميركا لصدام، ما تزال ثقافة العراقيين عنفية قاسية لا مكان للحرية فيها. الأقوى يحكمون حسب القانون العشائري وبعض تقاليد الإسلام، وعلى كل الناس أن تعبد الإله نفسه، وتصلي بالطريقة نفسها، وتلتزم العادات والتقاليد نفسها. من يخرج عن هذه التقاليد لأن دينه يخالفها، مثل االمسيحيين أو الصابئة، يتم التعامل معهم على أنهم أقلية غير مرئية، لا حقوق لهم إلا بعض الحقوق الرمزية على شكل مقعد أو أكثر في مجلس النواب، وربما وزير وزارة لا قيمة لها، مثل حقوق الإنسان، أو وكالة وزارة بالأكثر.

مقتدى الصدر من أكثر ضحايا صدام في العراق. فقد أبيه وإخوته على أيدي النظام السابق. رحل صدام، لكن مقتدى بقي يعيش في العقلية نفسها: منع وحظر وبطش وتحذير وصراخ.

الظريف هنا هو أن معارضة مقتدى لمسلسل معاوية تشبه معارضة مسلمي العالم لرسوم الكاريكاتير عن النبي محمد واعتراضهم، مثل مقتدى، ضد السويدي الذي أحرق القرآن. منطق معارضة غالبية المسلمين لأي ما يعتقدونه مسيئا لرسولهم أو كتابهم هو نفس منطق معارضة مقتدى لمسلسل معاوية، وهو منطق لا يفهم معنى الحرية، ويعتقد أن ما هو مقدس لديه يجب أن يحوز على احترام الآخرين وأن إهانة مقدسه هو إهانة له، ما يعني أن هذه الإهانة محظورة لأن الحرية تشترط الاحترام، وهذا طبعا هذيان.

لا احترام في الحرية. الحرية مطلقة لا قيود لها، باستثناء التحريض على القتل. الناس تختلف في المعتقدات والمقدسات، ومعتقدات البعض هي إهانة تلقائية لمعتقدات الآخرين. مثلا، رأي المسلمين أن المسيح لم يكن ابن الله ولم يتعرض للصلب، ولم يقم من الموت، هو رأي يطعن في قلب العقيدة المسيحية، وهو اعتقاد يساوي قول المسيحيين أن محمدا لم يكن رسولا ولا نزل عليه وحي.

هذا التضارب في المعتقدات والمقدسات هو الذي دفع من صمموا الدول ومبدأ الحرية الى اعتبار أن كل واحد مسؤول عن اعتقاده هو وحده، وأن لا وصاية له أو للجماعة أو للمجتمع أو للدولة على معتقدات أو آراء أو أفعال الآخرين، حتى لو كانت أفعالهم مسيئة له. 

مقتدى الصدر والشيعة عموما يلعنون معاوية بن أبي سفيان لاعتقادهم أنه لم يقبل بخلافة علي، بل نازعه عليها وحاربه ما أدى لمقتله. بعد ذلك، انتزع معاوية زعامة المسلمين من الحسن ابن علي، مع أن الحسن هو الذي بايع معاوية. ثم عند موت معاوية، لم يعترف الحسين ابن علي بخلافة يزيد ابن معاوية، ما أدى إلى معركة كربلاء التي قتل فيها جيش يزيد الحسين وصحبه. 

الشيعة يكرهون معاوية وكل الأمويين ويلعنونهم، وهو ما يثير التساؤل حول أسباب تمسك شيعة إيران اليوم بمسجد قبة الصخرة الذي بناه الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان. أما السنة، فيعتبرون معاوية من الصحابة، ويعتبرون الخلفاء الأمويين أمراء المؤمنين الذين بايعهم المسلمون، ويعزّون خصوصا عبدالملك وعمر بن عبدالعزيز.

هذا اختلاف رأي واضح، من يحبهم السنة يلعنهم الشيعة، وهو ما يعني أنه يحق لكل من الطرفين التعبير عن رأيه الذي لن يعجب الآخر، بدون الحاجة للصراخ والقمع والعنف. والموضوع نفسه ينطبق على علاقة المسلمين بالغربيين الذين يهينون رموز الإسلام ومقدساته. للناس آراء مختلفة وحسب ما ورد في القرآن "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". فإذا كان كتاب المسلمين يسمح بالكفر، فلماذا يعتقد المسلمون أن عليهم فرض رقابة ومنع التجاوز على معتقداتهم ومقدساتهم؟

فلتبث شبكة "أم بي سي" مسلسل معاوية، ولتبث الشبكات التابعة لإيران مسلسل السيد المسيح (الذي منعته الكنيسة في لبنان)، وليبث القبطي الأميركي فيلمه المسيء عن الرسول، وليرسم من يرسم الرسول ويحرق من يحرق القرآن، بل التوراة أو أي كتاب يحلو لهم. الحرية مطلقة، وإلغاء القيود يخفف من الكبت والغضب والحاجة لإهانة الآخر والتضارب معه.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).