Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

An Afghan policeman stand guard near a prayer mat at the site of a bomb blast at a city police post west of Kabul on September…
الإسلام السياسي.. إلى أين؟

د. عماد بوظو

في عام 1990 صدر كتاب "الفشل الكبير: ولادة وموت الشيوعية في القرن العشرين" لمستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زبيغنيو بريجينسكي، استعرض فيه ولادة وانتشار الحركة الشيوعية وسيطرتها على الكثير من الدول، ثم كيف ولماذا تراجع نفوذها، وتوقّع بريجنسكي في كتابه هذا أن ينتهي ذلك إلى انهيار أغلب الأنظمة الشيوعية في العالم، وقال فيه إن الماركسية اللينينية عقيدة غريبة تم فرضها بالقوة على شعوب ترفضها كما يرفض جسم الإنسان عضوا تمت زراعته فيه، وذلك بشكل رئيسي لأنها فشلت في مراعاة رغبة الإنسان الأساسية في الحريّة.

وهذا تماما ما يتبادر إلى الذهن عند متابعة انتشار أفكار الإسلام السياسي وسيطرة أحزاب إسلامية على دول عدة في الشرق الأوسط ثم تنامي الرفض الشعبي لحكم هذه التنظيمات، والذي أدّى إلى إسقاط بعضها وإضعاف بعضها الآخر، ففي مطلع ثمانينيات القرن الماضي بدأت "الصحوة الإسلامية" التي نشرت شكلا متشددا للإسلام، مستعينة بفائض أموال النفط  في دول الخليج وإيران، وحققت خلال العقود الأولى نجاحات لا يمكن إنكارها، وساعدها على ذلك وجود أنظمة ديكتاتورية في الكثير من الدول العربية أعطت الإسلاميين الفرصة لتوظيف الغضب الشعبي من هذه الأنظمة لمصلحتها.

ووصلت قوة التيار الإسلامي إلى أوجها مع بداية الربيع العربي عام 2011 لأنه كان الطرف الوحيد المنظم والمموّل جيدا في دول محرومة من الحياة السياسية يعيش الكثير من أبنائها تحت خط الفقر، واعتقد الإسلاميون بأنهم سيتمكنون من السيطرة على الدول العربية، خاصة عندما فاز المرشح الإخواني محمد مرسي برئاسة مصر، وعندما حصل حزب النهضة الإسلامي على أكثر من 40 في المائة من أصوات الناخبين في تونس، بالإضافة إلى أنه في ذلك الوقت كانت السودان تحت حكم عمر البشير الذي يقول أنه يطبق الشريعة الإسلامية.

واستند الإسلاميون في تلك المرحلة على دعم نظام ولاية الفقيه في إيران الذي اكتسب شعبية عند بعض العرب نتيجة شعاراته التي تتعلق بمعاداة أميركا وإسرائيل، والذي سمحت له أسعار النفط المرتفعة بمد نفوذه على دول عدة في الإقليم وفرض نمط حياة إسلامي على بعضها، كما استند بدرجة أكبر على دعم تركيا تحت حكم حزب العدالة والتنمية الإسلامي وفي ذلك الوقت كان أردوغان يعيش أفضل أيامه نتيجة نمو اقتصادي استثنائي تحقّق خلال سنوات حكمه الأولى التي ترافقت مع علاقات إقليمية ودولية جيدة.

ولكن سرعان ما بدأ الهبوط، فبعد سنة واحدة من حكم الإخوان في مصر خرج الملايين في مظاهرات ضدهم انتهت بإسقاط حكمهم، كما انخفضت تدريجيا شعبية حزب النهضة في تونس فبعد حصوله عام 2011 على 42 في المائة من أصوات الناخبين و89 مقعد في البرلمان، خسر 20 مقعدا في انتخابات 2014، وفي آخر انتخابات نال أقل من 25 في المائة من الأصوات، أما في السودان فقد قامت ثورة في نهاية عام 2018 انتهت بإسقاط الحكم الإسلامي لعمر البشير.

ونتيجة انهيار الدولة في العراق وسوريا سيطرت تنظيمات إسلامية متطرفة مثل القاعدة وداعش على مساحات واسعة في البلدين وظهرت دويلات خلافة طبّقت رؤيتها للشريعة الإسلامية، بحيث تكررت "احتفالات" قطع الرؤوس والأيدي والرجم في الساحات العامة، كما نفذت هذه التنظيمات عمليات إرهابية في مختلف القارات، لتؤكد أن علاقة المسلمين مع بقية شعوب العالم هي الحرب حتى يدخل أتباع الديانات الأخرى وهم جميعا "كفّار" في الدين الحق وهو الإسلام، ورغم كل محاولات الإسلاميين للتبرّؤ من هذه التنظيمات لكنها قدمت مثالا حيا عن التطبيق الحرفي للشريعة كما هي مذكورة في الكثير من كتب التراث الإسلامي.

ثم سرعان ما تراكمت الأزمات في إيران من انهيار العملة ووصول نسبة من يعيشون تحت خط الفقر إلى أكثر من 50 في المائة من السكا وانقطاع الخدمات الرئيسية، فانتشرت الاحتجاجات في كافة أنحاء إيران وكذلك في العراق ولبنان لنفس الأسباب، والانطباع السائد اليوم أن استمرار سيطرة النظام الإيراني على بلده يعتمد على تماسك وقوة الحرس الثوري والخوف الذي يزرعه في الشعب من خلال إعدام المعارضين، أما سيطرته على العراق ولبنان فتعتمد على عمليات اغتيال منظمة تنفذها ميليشيات مرتبطة به تستهدف المعترضين على الهيمنة الإيرانية.

وفي تركيا انخفضت شعبية أردوغان حتى أن فوزه في الانتخابات المقبلة أصبح موضع شك، فقد أشارت آخر استطلاعات الرأي إلى أن منافسيه سيتفوقون عليه رغم كل ما قام به من اعتقالات شملت عشرات آلاف المعارضين له ورغم القرارات الشعبوية التي كان يتخذها عندما يشعر بانخفاض شعبيته مثل تحويل كنائس إلى مساجد أو القيام باستفزازات في قبرص وشرق المتوسط، ويعود تراجع شعبية أردوغان إلى انخفاض قيمة الليرة وتراجع الاقتصاد التركي وعلاقاته المتوترة مع أغلب دول العالم.

وقبل أيام قامت احتجاجات شعبية في تونس أدت إلى اتخاذ الرئيس قيس سعيد مجموعة من الإجراءات منها تجميد عمل البرلمان ونزع الحصانة عن بعض النواب فيما أعتبر تجاوبا مع الرغبة الشعبية في التخلص من النفوذ الواسع لحزب النهضة.

ولم يقتصر تراجع دور الإسلامين على المستوى السياسي بل شمل كذلك مؤسسات الإسلام الاجتماعي، ففي دول الخليج والسعودية تحديدا تم وضع حد لسيطرة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المجتمع وصدرت قوانين عديدة باتجاه عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل عقد الثمانينيات من القرن الماضي.

وشكّل هذا ضغطا إضافيا على مؤسسة الأزهر التي ما زالت متمسكة بالخطاب التقليدي المتشدد رغم رغبة المصريين الواضحة في الاستمتاع بالحياة التي ظهرت في موكب المومياوات وفي تجمع أعداد غفيرة منهم على شواطئ الإسكندرية وفي حضورهم الكثيف للمهرجانات الفنية، وترافق ذلك مع حملة في أوروبا وخاصة فرنسا ضد خطاب الانعزال عن العالم الذي يروّج له هؤلاء الإسلاميون مثل التمسك بمظاهر وملابس وممارسات جعلت المسلمين يبدون مختلفين عن بقية شعوب الأرض، وستزداد هذه الضغوط خلال الفترة المقبلة حتى تحقيق هدفها في دمج المسلمين حضاريا وثقافيا مع المجتمعات التي لجأوا إليها، ومنع سيطرة المتشددين على المراكز الدينية في أوروبا.

واحتار الإسلاميون في تبرير سلسلة الهزائم المتتالية التي تكبّدوها أمام أتباعهم فلم يجدوا أمامهم سوى اللجوء إلى نظرية المؤامرة حتى أنهم أباحوا لنفسهم الكذب، مثل القول أن تشكيلة واسعة من المخابرات الخليجية والفرنسية والأميركية، وطبعا الإسرائيلية وضباط مصريين شاركوا في أحداث تونس الأخيرة، وكل ذلك لأن الإسلاميين لا يريدون مواجهة الحقيقة بأن عودة عقارب الساعة إلى الوراء والعيش في الماضي غير ممكن، وبأن القوانين الظالمة في حق المرأة لم يعد من الممكن القبول بها في عالم اليوم ولذلك تشاهد أعداد كبيرة من النساء في جميع الاحتجاجات ضد الإسلاميين.

وهناك ناحية أخرى لم يدركها الإسلاميون بعد هي أنه في الوقت الذي مازال لديهم الكثير من الأتباع، هناك أعداد أكبر بكثير من المسلمين الذين يرفضون برامجهم السياسية والاجتماعية جملة وتفصيلا، ومستعدون للقيام بكل ما هو ممكن لمنعهم من التحكم بالدول والمجتمعات العربية لأنهم يعرفون أنه لا علاقة للإسلام السياسي بالديمقراطية التي تعني حكم الشعب لأن معتقداتهم تقول أن الحاكمية لله، وكذلك لأنهم بعيدون كل البعد عن مفاهيم حقوق الإنسان مثل حقّ الإنسان في الحرية واعتناق ما يريد من أفكار، كما أن لدى الإسلاميين حساسية مرضيّة تجاه حرية المرأة، رغم محاولتهم الاستفادة من مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان عندما تخدم أهدافهم فقط.

وفي النهاية لم يتبق اليوم من مناطق تحت حكم الإسلام السياسي سوى قطاع غزة، الذي تتحكم فيه حركة حماس، ونظيرتها طالبان التي في طريقها لحكم أفغانستان، كما لم يبق أمام حكم الخليفة أردوغان والمرشد خامنئي سوى فترة محدودة وعند سقوطهما المؤكد، عاجلا أو آجلا، سيتم الإعلان رسميا عن موت الإسلام السياسي لأنه "عقيدة تم فرضها بالقوة على شعوب ترفضها لأنها فشلت في مراعاة رغبة الإنسان الأساسية في الحرية".

 

 

---------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).