Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

الأزمة الجزائرية - المغربية: النداء الأخير!

08 أغسطس 2021

بقلم: عبد الرحيم التوراني

 

"فتش عن الاقتصاد" لتفسير أو فهم ما يجري. حكمة بليغة وقول سديد، يصاغ اليوم بأكثر من تعبير ومعنى في لغة السياسة، إذ أضحت سياسات الدول ترسمها اليوم الضغوط الاقتصادية أولا.  

لذلك لا بأس من العودة إلى الوراء سنوات قليلة، لنتحدث عن العلاقة المتوترة بين المغرب والجزائر، رغم الروابط  الإنسانية العميقة التي تجمع الشعبين الشقيقين، لنطل عليها من نافذة الاقتصاد. لا سيما وأن اقتصاد المنطقة مترابط فيما بينه، يفرض فتح الحدود بينهما بشكل آمن، من أجل فك الخناق الاقتصادي على ساكنة الحدود وتسهيل التنقل والسفر، وتوسيع التعاون في اتجاه التكامل الاقتصادي، عوض رهن المستقبل في زاوية توترات الماضي، والاستسلام للتنافر وللتحديات المتعددة التي تتربص بالمنطقة. 

في سنة 2017 شكّل انضمام المغرب إلى منظمة الاتحاد الإفريقي تحولا إيجابيا في سياسته الخارجية الإفريقية. بسعيه الحثيث إلى استدراك الوقت الذي غاب فيه عن المنتظم الإفريقي، إثر انسحابه من منظمة الوحدة الإفريقية عام 1984، بسبب اعترافها بجبهة البوليساريو. 

هكذا، لم يتوقف المغرب عن تمتين شراكاته الاقتصادية الإفريقية، بل كثف من مساعداته التقنية لعدد من دول القارة، بهدف النهوض الاقتصادي والتوسع التجاري، حتى بات المغرب يصطف ضمن الريادة، كفاعل قوي وأساسي في إفريقيا. إضافة إلى مساهمته في حفظ السلم والأمن الإفريقي من خلال قواته العسكرية ببعثات السلام الأممية. 

كل ذلك أمام أعين مستنكرة مشروعه في السباق نحو الجنوب لكسب المزيد من الصفقات والأسواق، مستشعرة خطورة المنافسة المغربية. والحديث هنا عن الجزائر. مما زاد من حدة احتدام التنافس بين الجارين للوصول إلى تحقيق أكبر قدر من التأثير والنفوذ في إفريقيا.  

هي خطوة محمودة بمراهنتها على تغيير أسس المواجهة التقليدية، من أروقة الدبلوماسية ومجالات الأمن وساحات الصراع، إلى أسواق الاقتصاد وحقول التنمية. خصوصا بعد مآل الاتحاد المغاربي إلى الجمود والفشل بسبب نزاع الصحراء الغربية، وهو نزاع ذو خلفيات استراتيجية وأبعاد اقتصادية، لخصها بعض المحللين في طموح الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين في الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر السيطرة على كيان هش يفتقر إلى مقومات الدولة. 

إيقاظ الفتن 

بحسب مراقبين فإن التنسيق والتكامل بين حكومات المنطقة ضرورة تمليها مواجهة الأوضاع الأمنية بالمنطقة المغاربية، التي يتنامى فيها الإرهاب وتفاقم الهجرة غير الشرعية، وزادها استفحالا الصراع الداخلي المسلح في ليبيا. وصولا إلى أخطار جائحة كورونا. وغيرها من الأزمات العالقة التي تحتم البحث عن طريق آمن لتجنب الاضطراب وتخليص المنطقة من حالة عدم الاستقرار، والهدف هو كسب المعارك الاستراتيجية الكبرى، سواء داخليا أو خارجيا. 

هذا الأمر لم تستسغه الجزائر، فرغم التحولات التي شهدها العالم والتي تعيشها القارة، لا زالت القيادة الجزائرية تعد نفسها صاحبة نفوذ تاريخي لا يبلى في إفريقيا. لكن الواقع يشير إلى فشل مريع بعد غرق البلاد في حمامات الدم خلال "العشرية السوداء" وتضرر اقتصادها مع تراجع أسعار الطاقة. 

بعد وقوع المغرب، في مشكلات دبلوماسية مع الاتحاد الأوروبي (ألمانيا، إسبانيا وفرنسا)، أدركت الرباط أنه لا يمكن وضع قطار التنمية على سكة التقدم والمنطقة مهددة بالاضطراب وعدم الاستقرار، وأن مواصلة الطريق صوب الجنوب متعبة ومكلفة أكثر، وناقصة إذا لم تكن بقدمين ثابتتين في الأرض، للحد من هدر الفرص وتبديد الإمكانات. 

فهم المغرب أن عودته إلى البيت الإفريقي لن تكون آمنة وناجحة إلا إذا سلكت سبل منافسة الخصم الجزائري في ميدانه الذي راكم فيه تاريخا من الهيمنة والنفوذ سياسيا واقتصاديا. والهدف الاستراتيجي البعيد هو العمل على هزم البوليساريو سياسيا وسحب الاعتراف الإفريقي بها. وبالفعل قامت عدة دول إفريقية مؤخرا بقطع علاقاتها مع جمهورية البوليساريو بعدما انحازت للموقف المغربي، ومنها من سارعت إلى فتح قنصليات لها في الداخلة والعيون، أي في منطقة النزاع بالصحراء الغربية، والتي يسيطر المغرب على أزيد من 80% من مساحتها. 

وكان من شأن التصريحات الأخيرة للمندوب المغربي في الأمم المتحدة، إيقاظ حرب من تحت الرماد. لذلك سارع العاهل المغربي في خطابه الأخير (30 يوليو 2021) إلى إطفاء الغضب والنأي بالمنطقة عن شرور الفتن القاتلة والقفز بها صوب المجهول. 

سقطة الانفصال  

فبعد عقود من التصعيد بين المغرب والجزائر بسبب نزاع الصحراء الغربية، في اجتماع  لحركة عدم الانحياز، لوح المغرب بواسطة مندوبه في المنظمة الأممية، بتصريحات تأييد للحركة الانفصالية في منطقة "القبايل" بالجزائر، دعا فيها لمعالجة ما وصفه بـ "تصفية الاستعمار في منطقة القبائل". 

لم تكن هذه الورقة غائبة لدى المغاربة، لكنهم لم يرغبوا مطلقا في استعمالها، ما داموا دعاة وحدة لا تجزئة وانفصال. لكنهم قاموا أخيرا باختبارها. فقد انتقد ممثل المغرب في الأمم المتحدة عمر هلال تدخل نظيره الجزائري رمطان العمامرة حول الصحراء المغربية، مؤكدا بأن الذي "يقف كمدافع قوي عن حق تقرير المصير، ينكر هذا الحق نفسه لشعب القبائل، أحد أقدم الشعوب في إفريقيا، والذي يعاني من أطول احتلال أجنبي". مضيفا أن "تقرير المصير ليس مبدأ مزاجيا. ولهذا السبب يستحق شعب القبائل الشجاع، أكثر من أي شعب آخر، التمتع الكامل بحق تقرير المصير". 

بالطبع جاء رد الفعل الجزائري كما كان منتظرا ومتوقعا، تنديدٌ وغضبٌ كبير، واستدعاء لسفير الجزائر من الرباط، وطلب توضيحات رسمية من المملكة المغربية حول "دعم واضح وصريح وبالغ الخطورة في محتواه المريب والمعادي والمتآمر ضد وحدة الأمة الجزائرية". ووصفت صحف وتعليقات جزائرية، ما قام به مندوب المغرب لدى الأمم المتحدة بأنه "سقطة غير محسوبة العواقب"، وبأن تقرير المصير إنما ينطبق على منطقة "الريف" المغربية. 

الرد الملكي 

تأخر انتظار الجزائريين، قبل أن يفاجئهم الرد من أعلى مستوى في المغرب، من الملك محمد السادس الذي استغل مناسبة توليه الحكم خلفا لوالده الحسن الثاني، في 30 يوليو الماضي، ليخصص جل فقرات الخطاب السنوي لموضوع الجزائر. 

قال الملك: "إننا نجدد الدعوة الصادقة لأشقائنا في الجزائر، للعمل سويا، دون شروط، من أجل بناء علاقات ثنائية، أساسها الثقة والحوار وحسن الجوار. ذلك، لأن الوضع الحالي لهذه العلاقات لا يرضينا، وليس في مصلحة شعبينا، وغير مقبول من طرف العديد من الدول". 

وأكد: "قناعتي أن الحدود المفتوحة، هي الوضع الطبيعي بين بلدين جارين، وشعبين شقيقين. لأن إغلاق الحدود يتنافى مع حق طبيعي، ومبدأ قانوني أصیل، تكرسه المواثيق الدولية، بما في ذلك معاهدة مراكش التأسيسية لاتحاد المغرب العربي "... 

ولم تفت العاهل المغربي الإشارة إلى أنه سبق أن عبر عن هذا الأمر صراحة منذ سنوات. موضحا "خاصة أنه لا فخامة الرئيس الجزائري الحالي، ولا حتى الرئيس السابق، ولا أنا، مسؤولين على قرار الإغلاق. ولكننا مسؤولون سياسيا وأخلاقيا، على استمراره، أمام الله، وأمام التاريخ، وأمام مواطنينا". 

كان لافتا كيف تفادى الملك في خطابه الإشارة أو التطرق إلى السبب التاريخي لتوتر العلاقات بين المغرب والجزائر، أي دور دولة الجزائر الداعمة الأكبر والأساسية لجبهة البوليساريو الانفصالية. 

أجمع المراقبون، خاصة في المغرب، على أن الملك وجه خطابا فصيحا واضحا في غنى عن الشرح والتأويل، خطابٌ لا معانٍ مخفية ما بين فراغات سطوره المنطوقة، تجاوز به إدخال العلاقات الجزائرية ــ المغربية في طور أزمة خطيرة، ومنح فرصة لتخطي الخلافات وتحسين العلاقات وفتح صفحة جديدة بين البلدين. خاصة عندما شدد الملك على أن "المغرب والجزائر أكثر من دولتين جارتين فهما توأمان متكاملان، وأن ما يمس أمن الجزائر يمس أمن المغرب، والعكس صحيح". 

استبعاد التجاوب الجزائري 

بدا كما لو أن القيادة الجزائرية فوجئت بالدعوة المغربية، رغم أن مضمون خطاب الملك لم يكن جديدا، إذ سبق لمحمد السادس أن اقترح أواخر العام 2018 إحداث آلية للحوار الثنائي، بينما ردت الجزائر بشكل غير مباشر بالدعوة إلى اجتماع لوزراء خارجية اتحاد المغرب العربي. وكما هو معلوم منظمة تعيش منذ سنوات في حالة من الغياب والجمود.  

لذلك تأخر الرد الرسمي للجزائر، ولم يصدر أي تعليق على دعوة الملك محمد السادس ببدء صفحة جديدة. 

إلا أنه كان واضحا من خلال كلمات وسطور الافتتاحيات والمقالات الرئيسية التي تصدرت الصحف الجزائرية، فهم الموقف السلبي لقصر المرادية، المشكك في النداء الملكي بطي صفحة الماضي. هو الموقف ذاته الذي دأب الإعلام الجزائري على تبنيه منذ عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. 

واستبعد أغلب المختصين والخبراء في ملف العلاقات الجزائرية ـ المغربية، أن يكون الموقف الجزائري إيجابيا. بل إن نتائج استفتاء للرأي أشرفت عليه إحدى القنوات الأجنبية، أظهرت أن عدد المتفائلين بحصول تطور إيجابي في العلاقات بين البلدين الجارين، ضعيف. 

يقول متابعون من المغرب أن الجنرالات المسيطرين على الحكم في الجزائر ليست في مصلحتهم فتح صفحة جديدة مغربية -جزائرية تبدأ بفتح الحدود وتصل إلى التعاون الثنائي من أجل تنمية ونهضة البلدين والشعبين. هو ذات ما صرح به مرة المبعوث الأممي اللبناني غسان سلامة إذ اعتبر أن "نهاية نزاع الصحراء أمنية بعيدة لوجود من يستفيد من تأبيده، والمستفيدون في الجزائر وفي الرباط أيضا". 

وكتب بعض الأقلام الجزائرية أن الخطاب الملكي ليس سوى محاولة لتصدير مشكلات المغرب إلى الخارج، وإخفاء جبهته الداخلية المشتعلة والملتهبة". كما نشرت صحيفة "ألجيري باتريوتيك" المحسوبة على الاستخبارات العسكرية أن "محمد السادس يتخلى عن "الماك"، (أي حركة تقرير المصير في القبايل)، ويطلب ضمنيا العفو من الجزائر". واشترطت مداخلات وتعليقات أخرى على المغرب مقابل تصفية الأجواء توضيح ملفات المخدرات ودعم المغرب لحركة القبايل وجريمة التجسس (بيغاسوس) التي "استهدفت الجزائر"، وفق ما نشرته يومية "لوموند" الفرنسية، ووفق ما صرح به رئيس القيادة العسكرية الجنرال السعيد شنقريحة، الذي اتهم المغرب صراحة بخلق الفوضى في البلاد عبر الترخيص للغرب وإسرائيل بنشر قواعد للتجسس على الجزائر.  

حبرٌ كثير سال ولا يزال في الموضوع، أكثره يقطر والاستعداء ضد الآخر بدل ضبط النفس والتهدئة بغاية تجاوز أحقاد الماضي والدعوة للاستجابة للتعاون والإخاء بين الجارين الشقيقين. 

النداء الأخير؟ 

لا شك أن خطاب الملك قلب المشهد وبدد الهواجس في الجزائر من استغلال المغرب لورقة دعم الانفصال القبايلي، ونأى بالمنطقة عن مجرى الاضطرابات والعنف غير المحمودة عواقبه التي ستضر أكثر باستقرار المنطقة، وعطل ناقوس الخطر الذي أوشك أن يدق مدويا، ليلقى بالكرة في الملعب الجزائري. بعدما اعتقد البعض أن تصريح عمر هلال نسف ما تبقى من أواصر الأخوة بين الشعبين الجزائري والمغربي. 

وما تجلى حتى اليوم، أن موعد انطلاق البدء لطي الخلافات والتوترات بين الجارين المغربيين لم يحن بعد. رغم الوعي بكون الإحباط السائد يعاكس الطريق نحو حل نهائي لمشكل الصحراء. وأن المشروع المغاربي لا يزال بعيدا. لكنه ليس مستحيلا كما يظن بعض المتشائمين من الجانبين. والواضح أن آفاق النهوض بالاتحاد المغاربي مدخلها توطيد الأمن والاستقرار وحسن الجوار والانفتاح الاقتصادي والاجتماعي. 

القيادة الجزائرية اليوم تغض الطرف متجاهلة نداءات المغرب لفتح صفحة جديدة تتجاوز أحقاد الماضي، وتتذرع بضرورة تقديم الرباط اعتذارا رسميا حول مبادرتها إغلاق الحدود عام 1994، لكن السؤال أليس من الحكمة الجزائرية اعتبار الخطاب الملكي الأخير أكبر من كل اعتذار، أم أن الأزمة مزاجية وبلا نظر، لا تبصر ولا ترى مدى العمق الشعبي بين الجزائريين وإخوتهم المغاربة؟!  

والظاهر أيضا أنه رغم تجاهل الرئاسة الجزائرية لنداء المصالحة، فإن المغرب لن يكف عن مد يده للتعاون والتكامل، ولن يكون الخطاب الأخير. 

 تمر الخلافات والأمل يبقى، والمستحيل ليس جزائريا ولا مغربيا. 

 

-----------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).