بقلم: عبد الرحيم التوراني
"فتش عن الاقتصاد" لتفسير أو فهم ما يجري. حكمة بليغة وقول سديد، يصاغ اليوم بأكثر من تعبير ومعنى في لغة السياسة، إذ أضحت سياسات الدول ترسمها اليوم الضغوط الاقتصادية أولا.
لذلك لا بأس من العودة إلى الوراء سنوات قليلة، لنتحدث عن العلاقة المتوترة بين المغرب والجزائر، رغم الروابط الإنسانية العميقة التي تجمع الشعبين الشقيقين، لنطل عليها من نافذة الاقتصاد. لا سيما وأن اقتصاد المنطقة مترابط فيما بينه، يفرض فتح الحدود بينهما بشكل آمن، من أجل فك الخناق الاقتصادي على ساكنة الحدود وتسهيل التنقل والسفر، وتوسيع التعاون في اتجاه التكامل الاقتصادي، عوض رهن المستقبل في زاوية توترات الماضي، والاستسلام للتنافر وللتحديات المتعددة التي تتربص بالمنطقة.
في سنة 2017 شكّل انضمام المغرب إلى منظمة الاتحاد الإفريقي تحولا إيجابيا في سياسته الخارجية الإفريقية. بسعيه الحثيث إلى استدراك الوقت الذي غاب فيه عن المنتظم الإفريقي، إثر انسحابه من منظمة الوحدة الإفريقية عام 1984، بسبب اعترافها بجبهة البوليساريو.
هكذا، لم يتوقف المغرب عن تمتين شراكاته الاقتصادية الإفريقية، بل كثف من مساعداته التقنية لعدد من دول القارة، بهدف النهوض الاقتصادي والتوسع التجاري، حتى بات المغرب يصطف ضمن الريادة، كفاعل قوي وأساسي في إفريقيا. إضافة إلى مساهمته في حفظ السلم والأمن الإفريقي من خلال قواته العسكرية ببعثات السلام الأممية.
كل ذلك أمام أعين مستنكرة مشروعه في السباق نحو الجنوب لكسب المزيد من الصفقات والأسواق، مستشعرة خطورة المنافسة المغربية. والحديث هنا عن الجزائر. مما زاد من حدة احتدام التنافس بين الجارين للوصول إلى تحقيق أكبر قدر من التأثير والنفوذ في إفريقيا.
هي خطوة محمودة بمراهنتها على تغيير أسس المواجهة التقليدية، من أروقة الدبلوماسية ومجالات الأمن وساحات الصراع، إلى أسواق الاقتصاد وحقول التنمية. خصوصا بعد مآل الاتحاد المغاربي إلى الجمود والفشل بسبب نزاع الصحراء الغربية، وهو نزاع ذو خلفيات استراتيجية وأبعاد اقتصادية، لخصها بعض المحللين في طموح الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين في الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر السيطرة على كيان هش يفتقر إلى مقومات الدولة.
إيقاظ الفتن
بحسب مراقبين فإن التنسيق والتكامل بين حكومات المنطقة ضرورة تمليها مواجهة الأوضاع الأمنية بالمنطقة المغاربية، التي يتنامى فيها الإرهاب وتفاقم الهجرة غير الشرعية، وزادها استفحالا الصراع الداخلي المسلح في ليبيا. وصولا إلى أخطار جائحة كورونا. وغيرها من الأزمات العالقة التي تحتم البحث عن طريق آمن لتجنب الاضطراب وتخليص المنطقة من حالة عدم الاستقرار، والهدف هو كسب المعارك الاستراتيجية الكبرى، سواء داخليا أو خارجيا.
هذا الأمر لم تستسغه الجزائر، فرغم التحولات التي شهدها العالم والتي تعيشها القارة، لا زالت القيادة الجزائرية تعد نفسها صاحبة نفوذ تاريخي لا يبلى في إفريقيا. لكن الواقع يشير إلى فشل مريع بعد غرق البلاد في حمامات الدم خلال "العشرية السوداء" وتضرر اقتصادها مع تراجع أسعار الطاقة.
بعد وقوع المغرب، في مشكلات دبلوماسية مع الاتحاد الأوروبي (ألمانيا، إسبانيا وفرنسا)، أدركت الرباط أنه لا يمكن وضع قطار التنمية على سكة التقدم والمنطقة مهددة بالاضطراب وعدم الاستقرار، وأن مواصلة الطريق صوب الجنوب متعبة ومكلفة أكثر، وناقصة إذا لم تكن بقدمين ثابتتين في الأرض، للحد من هدر الفرص وتبديد الإمكانات.
فهم المغرب أن عودته إلى البيت الإفريقي لن تكون آمنة وناجحة إلا إذا سلكت سبل منافسة الخصم الجزائري في ميدانه الذي راكم فيه تاريخا من الهيمنة والنفوذ سياسيا واقتصاديا. والهدف الاستراتيجي البعيد هو العمل على هزم البوليساريو سياسيا وسحب الاعتراف الإفريقي بها. وبالفعل قامت عدة دول إفريقية مؤخرا بقطع علاقاتها مع جمهورية البوليساريو بعدما انحازت للموقف المغربي، ومنها من سارعت إلى فتح قنصليات لها في الداخلة والعيون، أي في منطقة النزاع بالصحراء الغربية، والتي يسيطر المغرب على أزيد من 80% من مساحتها.
وكان من شأن التصريحات الأخيرة للمندوب المغربي في الأمم المتحدة، إيقاظ حرب من تحت الرماد. لذلك سارع العاهل المغربي في خطابه الأخير (30 يوليو 2021) إلى إطفاء الغضب والنأي بالمنطقة عن شرور الفتن القاتلة والقفز بها صوب المجهول.
سقطة الانفصال
فبعد عقود من التصعيد بين المغرب والجزائر بسبب نزاع الصحراء الغربية، في اجتماع لحركة عدم الانحياز، لوح المغرب بواسطة مندوبه في المنظمة الأممية، بتصريحات تأييد للحركة الانفصالية في منطقة "القبايل" بالجزائر، دعا فيها لمعالجة ما وصفه بـ "تصفية الاستعمار في منطقة القبائل".
لم تكن هذه الورقة غائبة لدى المغاربة، لكنهم لم يرغبوا مطلقا في استعمالها، ما داموا دعاة وحدة لا تجزئة وانفصال. لكنهم قاموا أخيرا باختبارها. فقد انتقد ممثل المغرب في الأمم المتحدة عمر هلال تدخل نظيره الجزائري رمطان العمامرة حول الصحراء المغربية، مؤكدا بأن الذي "يقف كمدافع قوي عن حق تقرير المصير، ينكر هذا الحق نفسه لشعب القبائل، أحد أقدم الشعوب في إفريقيا، والذي يعاني من أطول احتلال أجنبي". مضيفا أن "تقرير المصير ليس مبدأ مزاجيا. ولهذا السبب يستحق شعب القبائل الشجاع، أكثر من أي شعب آخر، التمتع الكامل بحق تقرير المصير".
بالطبع جاء رد الفعل الجزائري كما كان منتظرا ومتوقعا، تنديدٌ وغضبٌ كبير، واستدعاء لسفير الجزائر من الرباط، وطلب توضيحات رسمية من المملكة المغربية حول "دعم واضح وصريح وبالغ الخطورة في محتواه المريب والمعادي والمتآمر ضد وحدة الأمة الجزائرية". ووصفت صحف وتعليقات جزائرية، ما قام به مندوب المغرب لدى الأمم المتحدة بأنه "سقطة غير محسوبة العواقب"، وبأن تقرير المصير إنما ينطبق على منطقة "الريف" المغربية.
الرد الملكي
تأخر انتظار الجزائريين، قبل أن يفاجئهم الرد من أعلى مستوى في المغرب، من الملك محمد السادس الذي استغل مناسبة توليه الحكم خلفا لوالده الحسن الثاني، في 30 يوليو الماضي، ليخصص جل فقرات الخطاب السنوي لموضوع الجزائر.
قال الملك: "إننا نجدد الدعوة الصادقة لأشقائنا في الجزائر، للعمل سويا، دون شروط، من أجل بناء علاقات ثنائية، أساسها الثقة والحوار وحسن الجوار. ذلك، لأن الوضع الحالي لهذه العلاقات لا يرضينا، وليس في مصلحة شعبينا، وغير مقبول من طرف العديد من الدول".
وأكد: "قناعتي أن الحدود المفتوحة، هي الوضع الطبيعي بين بلدين جارين، وشعبين شقيقين. لأن إغلاق الحدود يتنافى مع حق طبيعي، ومبدأ قانوني أصیل، تكرسه المواثيق الدولية، بما في ذلك معاهدة مراكش التأسيسية لاتحاد المغرب العربي "...
ولم تفت العاهل المغربي الإشارة إلى أنه سبق أن عبر عن هذا الأمر صراحة منذ سنوات. موضحا "خاصة أنه لا فخامة الرئيس الجزائري الحالي، ولا حتى الرئيس السابق، ولا أنا، مسؤولين على قرار الإغلاق. ولكننا مسؤولون سياسيا وأخلاقيا، على استمراره، أمام الله، وأمام التاريخ، وأمام مواطنينا".
كان لافتا كيف تفادى الملك في خطابه الإشارة أو التطرق إلى السبب التاريخي لتوتر العلاقات بين المغرب والجزائر، أي دور دولة الجزائر الداعمة الأكبر والأساسية لجبهة البوليساريو الانفصالية.
أجمع المراقبون، خاصة في المغرب، على أن الملك وجه خطابا فصيحا واضحا في غنى عن الشرح والتأويل، خطابٌ لا معانٍ مخفية ما بين فراغات سطوره المنطوقة، تجاوز به إدخال العلاقات الجزائرية ــ المغربية في طور أزمة خطيرة، ومنح فرصة لتخطي الخلافات وتحسين العلاقات وفتح صفحة جديدة بين البلدين. خاصة عندما شدد الملك على أن "المغرب والجزائر أكثر من دولتين جارتين فهما توأمان متكاملان، وأن ما يمس أمن الجزائر يمس أمن المغرب، والعكس صحيح".
استبعاد التجاوب الجزائري
بدا كما لو أن القيادة الجزائرية فوجئت بالدعوة المغربية، رغم أن مضمون خطاب الملك لم يكن جديدا، إذ سبق لمحمد السادس أن اقترح أواخر العام 2018 إحداث آلية للحوار الثنائي، بينما ردت الجزائر بشكل غير مباشر بالدعوة إلى اجتماع لوزراء خارجية اتحاد المغرب العربي. وكما هو معلوم منظمة تعيش منذ سنوات في حالة من الغياب والجمود.
لذلك تأخر الرد الرسمي للجزائر، ولم يصدر أي تعليق على دعوة الملك محمد السادس ببدء صفحة جديدة.
إلا أنه كان واضحا من خلال كلمات وسطور الافتتاحيات والمقالات الرئيسية التي تصدرت الصحف الجزائرية، فهم الموقف السلبي لقصر المرادية، المشكك في النداء الملكي بطي صفحة الماضي. هو الموقف ذاته الذي دأب الإعلام الجزائري على تبنيه منذ عهد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.
واستبعد أغلب المختصين والخبراء في ملف العلاقات الجزائرية ـ المغربية، أن يكون الموقف الجزائري إيجابيا. بل إن نتائج استفتاء للرأي أشرفت عليه إحدى القنوات الأجنبية، أظهرت أن عدد المتفائلين بحصول تطور إيجابي في العلاقات بين البلدين الجارين، ضعيف.
يقول متابعون من المغرب أن الجنرالات المسيطرين على الحكم في الجزائر ليست في مصلحتهم فتح صفحة جديدة مغربية -جزائرية تبدأ بفتح الحدود وتصل إلى التعاون الثنائي من أجل تنمية ونهضة البلدين والشعبين. هو ذات ما صرح به مرة المبعوث الأممي اللبناني غسان سلامة إذ اعتبر أن "نهاية نزاع الصحراء أمنية بعيدة لوجود من يستفيد من تأبيده، والمستفيدون في الجزائر وفي الرباط أيضا".
وكتب بعض الأقلام الجزائرية أن الخطاب الملكي ليس سوى محاولة لتصدير مشكلات المغرب إلى الخارج، وإخفاء جبهته الداخلية المشتعلة والملتهبة". كما نشرت صحيفة "ألجيري باتريوتيك" المحسوبة على الاستخبارات العسكرية أن "محمد السادس يتخلى عن "الماك"، (أي حركة تقرير المصير في القبايل)، ويطلب ضمنيا العفو من الجزائر". واشترطت مداخلات وتعليقات أخرى على المغرب مقابل تصفية الأجواء توضيح ملفات المخدرات ودعم المغرب لحركة القبايل وجريمة التجسس (بيغاسوس) التي "استهدفت الجزائر"، وفق ما نشرته يومية "لوموند" الفرنسية، ووفق ما صرح به رئيس القيادة العسكرية الجنرال السعيد شنقريحة، الذي اتهم المغرب صراحة بخلق الفوضى في البلاد عبر الترخيص للغرب وإسرائيل بنشر قواعد للتجسس على الجزائر.
حبرٌ كثير سال ولا يزال في الموضوع، أكثره يقطر والاستعداء ضد الآخر بدل ضبط النفس والتهدئة بغاية تجاوز أحقاد الماضي والدعوة للاستجابة للتعاون والإخاء بين الجارين الشقيقين.
النداء الأخير؟
لا شك أن خطاب الملك قلب المشهد وبدد الهواجس في الجزائر من استغلال المغرب لورقة دعم الانفصال القبايلي، ونأى بالمنطقة عن مجرى الاضطرابات والعنف غير المحمودة عواقبه التي ستضر أكثر باستقرار المنطقة، وعطل ناقوس الخطر الذي أوشك أن يدق مدويا، ليلقى بالكرة في الملعب الجزائري. بعدما اعتقد البعض أن تصريح عمر هلال نسف ما تبقى من أواصر الأخوة بين الشعبين الجزائري والمغربي.
وما تجلى حتى اليوم، أن موعد انطلاق البدء لطي الخلافات والتوترات بين الجارين المغربيين لم يحن بعد. رغم الوعي بكون الإحباط السائد يعاكس الطريق نحو حل نهائي لمشكل الصحراء. وأن المشروع المغاربي لا يزال بعيدا. لكنه ليس مستحيلا كما يظن بعض المتشائمين من الجانبين. والواضح أن آفاق النهوض بالاتحاد المغاربي مدخلها توطيد الأمن والاستقرار وحسن الجوار والانفتاح الاقتصادي والاجتماعي.
القيادة الجزائرية اليوم تغض الطرف متجاهلة نداءات المغرب لفتح صفحة جديدة تتجاوز أحقاد الماضي، وتتذرع بضرورة تقديم الرباط اعتذارا رسميا حول مبادرتها إغلاق الحدود عام 1994، لكن السؤال أليس من الحكمة الجزائرية اعتبار الخطاب الملكي الأخير أكبر من كل اعتذار، أم أن الأزمة مزاجية وبلا نظر، لا تبصر ولا ترى مدى العمق الشعبي بين الجزائريين وإخوتهم المغاربة؟!
والظاهر أيضا أنه رغم تجاهل الرئاسة الجزائرية لنداء المصالحة، فإن المغرب لن يكف عن مد يده للتعاون والتكامل، ولن يكون الخطاب الأخير.
تمر الخلافات والأمل يبقى، والمستحيل ليس جزائريا ولا مغربيا.
-----------------
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).