Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

"الإسلام السياسي والمسلح": من الشماتة بـ"نهضة تونس" إلى الانتشاء بـ"فتح كابل"

23 أغسطس 2021

بقلم: عريب الرنتاوي

بين الخامس والعشرين من يوليو في تونس، والخامس عشر من أغسطس في كابل، مسافة قصيرة في الزمن، بيد أنها مديدة وعميقة لجهة تأثيراتها وانعكاساتها على حركات الإسلام السياسي والمسلح في عموم المنطقة والعالم.. "ثلاثة أسابيع هزّت عوالم الإسلاميين" من مختلف المدارس وفي شتى الأقطار، ودفعت بهم سريعاً للمراجعة واستخلاص الدروس، الأمر الذي سيكون له أكبر الأثر على أمن الإقليم واستقراره، وسيقرر بصورة أو بأخرى، شكل وطبيعة العلاقات بين الإسلاميين بعضهم ببعض، وبينهم جميعا من جهة وحكومات دولهم من جهة ثانية.

لقد أعفتني مقالة مهمة حملت توقيع هارون زيلين من معهد واشنطن وعنوانها "شماتة الجهاديين بحركة النهضة في تونس"، من عناء تتبع ما قاله الجهاديون بالحدث التونسي، وما توصلوا إليه من خلاصات ونتائج، فقد تتبع الباحث مواقف "شيوخ الجهاد وحركاته" في عدة أقطار... على أنني سأجد نفسي مُلزماً باستكمال ما بدأه في مجالين اثنين: الأول؛ مواقف الجماعات الإخوانية من الحدث التونسي، وهي التي ظلت خارج اهتمام المقالة.. والثاني؛ تعقب ما قاله هؤلاء في الحدث الأفغاني الذي سيداهمنا بعد أسابيع ثلاثة ويأخذنا جميعاً، حكومات واستخبارات ومراقبين، على حين غرة.

مقابل ما وصفه زيلين بشعور "الشماتة" بالإحراج الذي تعرضت له حركة النهضة بفعل إجراءات الرئيس قيس سعيّد الاستثنائية، واعتبار ما حصل مثال آخر على "أن الديمقراطية تُخيّب آمال الأحزاب الإسلامية ودليل إضافي على أن الجهاد والشريعة هما الطريق.. مقابل هذا الشعور/الخلاصة، سيطفو بعد أيام شعور بالنشوة والاعتزاز بنصر طالبان في أفغانستان، وستعلو صيحات "الله أكبر"، وسيُخرج "الشامتون" بالنهضة، و"الشتّامون" للديمقراطية "الكافرة"، ألسنتهم من حلقوهم ساخرين متوعدين.

الشيخ عبد الرازق المهدي، المحسوب على "هيئة تحرير الشام"، نَظَرَ إلى ما حدث في تونس بوصفه مؤامرة خارجية، ليكشف عن أوجه تشابه مع ما حدث في مصر - السيسي وجماعة الإخوان، وهو يرى أن "انقلاب سعيد" جاء مدعوماً من مصر وفرنسا والإمارات وإذا ما تمكّن هذا "المجنون"، يقصد الرئيس التونسي، فسيفعل ما فعله السيسي.

خلاصة "السيف والكتاب" هذه، ستتعمق عن الشيخ المهدي بعد "فتح كابل"، فهو يقول في تغريدة: بوركت أيها الشعب العظيم.. حاربتهم أميركا وبريطانيا وفرنسا، فلجأوا إلى الجبال.. استمروا في نشر العلم، وحفروا مغارات في الجبال وعلموا الجيل كتاب الله.. الشعب الأفغاني هزم الإنكليز والسوفييت والأميركان".

أبو العبد أشداء، قائد "تنسيقية الجهاد" السورية تَساءل ساخراً في أعقاب الحدث التونسي: "ديمقراطية بدماء حمراء، انقلاب في تونس، انقلاب في مصر، انقلاب حفتر. هل هذه تُعتبر ديمقراطية؟"

ليعود و"تنسيقيته" المنشقة عن هيئة تحرير الشام، للتفاخر بـ "النصر العظيم على الصليبيين، وخروجهم ذليلين صاغرين من أفغانستان بعد 20 عاماً من الجهاد في سبيل الله". وليضيف في بيان احتفالي لاحق: "وإننا في هذه المناسبة السعيدة ننادي طلائع الأمة المجاهدين الصابرين في كل مكان، الصبر الصبر والثبات الثبات، هاكم الطريق فالزموه، ولا تغرنكم جيوش الأعداء، فالله أعلى وأجل، ومن سار على الدرب وصل، ولا يضيع الله أجر من أحسن عملا".

أما أبو محمود الفلسطيني، المنظر الجهادي المقيم في لندن وزميل أبو قتادة الفلسطيني أيضاً، فيقول في الحدث التونسي: "لن يحدث أي تغيير من دون تدخل قوة فعالة تفكك مفاصل الدولة الخفية وتقوّض ركائزها. ولا يمكن لمسار الديمقراطية أن يؤدي إلى حكم الشريعة وبناء دولة إسلامية". مقتفياً في ذلك أثر مرشده أبو قتادة الذي قال بصريح العبارة: "الجهاد ضرورة لا بدّ منها، فجميع المسلمين تقريباً، من مختلف البيئات والخلفيات، يعلّقون اليوم على ما حدث في تونس ويتفقون على أن الجهاد أصبح ضرورة.. ليس لديهم خيار آخر".

بعد سقوط كابل بيد طالبان، يعود أبو محمود الفلسطيني للتغريد مجدداً "طالبان احتضنها العلماء بينما في بلادنا: العلماء أول من يهاجم المجاهدين ويسقطهم ويفشل مشروعهم العلماء ملح البلد، فمن يصلح البلد إذا الملح فسد"، ولم ينس أبو محمود استغلال المناسبة لتسجيل هدف في ملعب الإخوان المسلمين قائلاً: رؤوس المدرسة الإخوانية طعنوا بانتصار طالبان إسقاطا لنموذجها كي لا يُتخذ قدوة في طريقة التغيير في بلادنا فالإخوان اتبعوا النموذج السلمي، وقد انهار هذا النموذج وانهزم هزيمة جعلت قواعده تتخلى عنه، وجاء انتصار طالبان آخر مسمار في نعش النموذج السلمي... لذلك سيطعنون ليحافظوا على حزبهم".

ولم يترك أبو حفص زعيم ما يسمى جيش الأمة في غزة، المناسبة التونسية لتمر من دون أن يدلي بدلوه، إذ اقتبس مقولة للخليفة عمر بن الخطاب جاء فيها: "نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزَّة في غيره أذلَّنا الله".

كما لم يغب أبو حفص وجيشه التعليق على الحدث الأفغاني، إذ أصدر بياناً هنأ فيه "أخوة العقيدة والجهاد في حركة طالبان بتحرير بلادهم المسلمة، من دنس الاحتلال "الصهيو-صيني"، مستحضراً على ما يبدو قضية الإيغور المسلمين، مختتماً بنداء إلى "المجاهدون الموحدون في كل مكان عموماً، وفي فلسطين والشام خاصة أن اتخذوا من نصر إخوانكم المجاهدين الطالبان مثلاً ونبراساً واشتروا الدار الآخرة بالدنيا.. بيعوا أنفسكم إلى ربك العالمين".

أما أبو بصير الطرطوسي، المنظر الجهادي المقيم في أهم عاصمة الجهاديين الثانية: لندن، فقد خاطب "النهضة" قائلاً: "لن تجدوا من يبكي عليكم...فهذه مكافأة الذين يرفعون شعار فصل "الدعوة" عن السياسة’ وشعار "الحرية قبل الإسلام، وقبل تطبيق تعاليمه". فأنتم لم تنالوا الحرية ولم تدعموا الدين!".

الطرطوسي حوّل صفحته بعد أسابيع ثلاثة إلى مسرح للاحتفال بنصر طالبان الإلهي، وغرد قائلاً: "لا يغتاظ من النصر الذي حققته حركة الطالبان الإسلامية في أفغانستان إلا منافق، مريض القلب، يضمر الغش، والحقد على الإسلام والمسلمين"، موضحاً: "أيما جيش محلي وطني يبنيه العدو الغازي والمستعمر لمآربه، جيش له صفة الارتزاق، سرعان ما ينهار ويتفكك، عندما يرفع العدو المستعمر يده عنه".

المنظر الجهادي التونسي، المعروف بصلته بـ"هيئة تحرير الشام" والمكنى بـالإدريسي، قال: "تدفع الثورة التونسية ثمن عدم تطهير البلاد من مخلفات النظام السابق.. والأحزاب تدفع ثمن العيش في الوهم والأمنيات". من دون أن يفوّت هذه المناسبة للتصويب على الإخوان المسلمين وأنصارهم: "إن الأشخاص الذين يعوّلون على الإخوان المسلمين لقيادة ثورات الربيع العربي هم كمن يعوّل على سراب". مشدداً على أن النموذج الأفضل اليوم هو "هيئة تحرير الشام" في سوريا وحركة "طالبان" في أفغانستان. موضحاً "إن نجاح "هيئة تحرير الشام" وحركة "طالبان" يدعو "الأمة" إلى إعادة التفكير في الحركات الجهادية المعتدلة التي أثبتت حنكتها السياسية والعسكرية في إدارة النزاع وإرساء وجودها وانتزاع الحرية من براثن الأشرار"، قبل أن يعود بعد دخول طالبان كابل للقول: "إن ‏ما بعد تحرير أفغانستان ليس كما قبله، طالبان قررت إعادة رسم سياسة العالم من جديد"، معتبراً أن "وجود حكومات إسلامية تقيم شريعة الله بعد قرن من الظلام الحالك، أصبح أمراً واقعاً لن يستطيع الغرب نكرانه".

أبو البراء الليبي، أحد منظري القاعدة، وصف تجربة "النهضة" الأخيرة على أنها جزء من تاريخ طويل لاستغلال منظمات "الإخوان المسلمين" وخيانتها من قبل الأنظمة المحلية التي تشاركت معها. وأشار على وجه الخصوص إلى ما حدث لـ "الإخوان المسلمين" في مصر في عهد جمال عبد الناصر ومؤخراً في انقلاب عبد الفتاح السيسي. وشملت الأمثلة أيضاً السودان وتركيا. وفي حين أن منظمات "الإخوان"، بما فيها "النهضة"، لا تتعظ من دروس الماضي، كما يدّعي، فإن الجهاديين لا ينخدعون أبداً لأن لديهم "موقفاً حازماً وثابتاً إزاء كل طاغوت يستبدل شرع الله ويقبل بالديمقراطية".

وتماشياً مع باقي الانتقادات المذكورة أعلاه، تهاجم افتتاحية تنظيم "الدولة الإسلامية" في "النبأ" بشكل مباشر اعتناق "النهضة" للديمقراطية: "من بين أكثر من عارض الله ورسوله في هذا العصر هم الساعون إلى الديمقراطية ومؤيدوها ومناصروها، من آمنوا بها واعتمدوها كمسار وطريق، وبالتالي ناقضوا السنّة وتعاليمها. فقد وصمهم الله بالخزي والبؤس والضياع، وقد ذيّلتهم هذه الصفات في الظروف كافة كطوق على أعناقهم. وهذا تماماً ما حدث اليوم مع "الإخوان المرتدّين" في تونس بعد أن حادوا عن مسار المؤمنين، واتبعوا الديمقراطية".

في الوقت الذي ساد فيه شعور "الشماتة" بالنهضة والإخوان على مواقف "الجهاديين" من مختلف مدارسهم، منظرين وفصائل، إلا أن الحدث التونسي ما كان ليمر من دون شكل من أشكال تصفية الحسابات فيما بينهم.. فتنظيم الدولة الإسلامية رأى في مقالة في مجلة النبأ أن قادة النهضة خالفوا سبيل المؤمنين واتبعوا الديمقراطية فكانت النتيجة سقوط آخر قلاعهم الديمقراطية"، ولم ينس "داعش" لبعض "أغبياء القاعدة" كما وصفهم، ثناءهم على "الطاغوت" قيس بن سعيّد عند انتخابه، في إشارة على ما يبدو إلى تغريدات سابقة لـ"أبو قتادة الفلسطيني"، إذ تقارن افتتاحية صحيفتهم "النبأ" بين مواقف القاعدة من الحدث التونسي، ومواقف جماعة "الإخوان المرتدين" في سذاجتهم".

لكن الحدث التونسي، وقع كالصاعقة على رؤوس قادة ونشطاء الجماعات الإخوانية في كل مكان تقريباً.. إذ سارعت هذه الجماعات إلى استصدار بيانات الإدانة والتنديد بما وصفته "الانقلاب"، وعقدت المقارنات ما بين تونس 2021 ومصر 2013 وتركيا 2016، ليخلص بعضهم إلى سؤال حول مغزى "الاعتدال" و"المدنية" التي تُطَالَب بها هذه الحركات، في الوقت الذي تبدو فيه مستهدفة في جميع الحالات، وفي حوار مع كاتب هذه السطور، قال أحد قادة جماعة الإخوان في الأردن: أليس هذا ما كنتم تدعوننا لفعله، أليست النهضة هي نموذجكم للإسلام المدني الديمقراطي ولفصل "الدعوي" عن "السياسي"، انظروا ما حصل لهم في تونس، هل هذا ما تعدوننا به إن نحن تعقبنا خطاهم؟..."الإسلام، معتدلاً كان أم متشدداً هو المستهدف"، هذه قناعة عادت للبروز مجدداً في أوساط الإسلاميين بعد الحدث التونسي.

وجاء "نصر طالبان" ليحدث اهتزازاً جديداً في صفوف الفصائل الإسلامية، السياسية منها والمسلحة "الجهادية"... أما الجهاديين، فقد لزمت "داعش" صمتاً قلقاً ومرتاباً، وهي التي خاضت معارك وحروب ضد طالبان في أفغانستان، وفي بعض الأحيان، قاتلتهم طالبان كتفاً إلى كتف مع الأميركيين...أما القاعدة فقد رحب بعض رموزها ومنظريها بالفوز العظيم، فيما لزمت "النصرة سابقاً"، جانب الترحيب الحذر، وهي التي تتحضر لسلوك طريق التكيف مع مقتضيات العملية السياسية في سوريا، وسبق لها أن أصدرت بياناً رحبت فيه بسلوك طالبان طريق مفاوضات الدوحة، على أمل أن تلتحق الهيئة بالطريق ذاته، عندما تنضج الشروط لذلك. وجاء في بيان للهيئة بعنوان "هنيئاً طالبان" أن الأخيرة "لم تخلط بين المسارين السياسي والعسكري، بل سار كل مسار منهما في خدمةِ الآخر، وأنه لا قيمة للفعل السياسي دون قوة عسكرية تحميه".

هيئة تحرير الشام تركت على ما يبدو لشيوخها أمر الترحيب غير المتحفظ، بفوز طالبان من دون أن تتورط رسمياً بأكثر مما ينبغي في تظهير "التماهي" أو "التأييد غير المشروط" لطالبان، فقد كتب منظرها الشهير أبو ماريا القحطاني "أبارك للأمة للإسلامية انتصار إخواننا الطلبة على المحتلين وأذنابهم في أفغانستان وتعازينا للخونة والمنافقين" معتبراً "انتصار طالبان انتصار للمسلمين وأهل السنة وجميع المظلومين".

أما مظهر الويس، فعلق قائلاً "لا شك أن الكثير من الدروس قد استفادتها الحركة "طالبان" حتى عادت أقوى من جديد، الفرحة تغمرنا بنصر الله هنالك، ونتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن تعم الفرحة بلاد الشام والعراق وسائر أنحاء أمتنا المكلومة المظلومة".

بدرجة أقل من الحماسة، استقبلت جماعات الإخوان المسلمين الحدث الأفغاني، فهي وإن سارعت إلى إصدار بيانات التبريك والترحيب (حماس، جبهة العمل الإسلامي، إصلاح- الكويت وغيرهم)، إلا أن بعض فروع الجماعة، بالذات تلك المنخرطة في عمليات سياسية في بلدانها، خشيت من أن تضع "الصورة الملهمة" لنموذج طالبان "تحديا كبيرا أمام المقتنعين بالتغيير السلمي لأنظمة ديكتاتورية مدعومة من دول أجنبية"، وفقاً لما جاء في مقالة نُشرت على موقع "المجتمع" التابع لإخوان الكويت وحملت عنوان "خطورة نموذج طالبان الملهم!"، وهي المقالة التي وظّفها أبو محمود الفلسطيني للنيل من الإخوان المسلمين، وما لم تقله المقالة صراحة، ردده موسى أبو مرزوق في تغريدة له، جاء فيها "تنتصر طالبان اليوم بعد أن كانت تتهم بالتخلف والرجعية والإرهاب، وها هي الآن حركة أكثر ذكاءً وواقعية، وقد واجهت أميركا وعملاءها، رافضة الحلول الوسط معهم، ولم تُخدع بالعناوين البراقة كالديموقراطية والانتخابات، ولا بالوعود الزائفة. درس مرت به كل الشعوب المظلومة، فهل من متعظ؟"...سؤال أبو مرزوق ما زال يتردد بين جنبات مختلف الجماعات الإسلامية، ومن السابق لأوانه التكهن بالتفاعلات التي سيحدثها.

 

-----------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

عبد الرحيم التوراني

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).