Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

"الإسلام السياسي والمسلح": من الشماتة بـ"نهضة تونس" إلى الانتشاء بـ"فتح كابل"

23 أغسطس 2021

بقلم: عريب الرنتاوي

بين الخامس والعشرين من يوليو في تونس، والخامس عشر من أغسطس في كابل، مسافة قصيرة في الزمن، بيد أنها مديدة وعميقة لجهة تأثيراتها وانعكاساتها على حركات الإسلام السياسي والمسلح في عموم المنطقة والعالم.. "ثلاثة أسابيع هزّت عوالم الإسلاميين" من مختلف المدارس وفي شتى الأقطار، ودفعت بهم سريعاً للمراجعة واستخلاص الدروس، الأمر الذي سيكون له أكبر الأثر على أمن الإقليم واستقراره، وسيقرر بصورة أو بأخرى، شكل وطبيعة العلاقات بين الإسلاميين بعضهم ببعض، وبينهم جميعا من جهة وحكومات دولهم من جهة ثانية.

لقد أعفتني مقالة مهمة حملت توقيع هارون زيلين من معهد واشنطن وعنوانها "شماتة الجهاديين بحركة النهضة في تونس"، من عناء تتبع ما قاله الجهاديون بالحدث التونسي، وما توصلوا إليه من خلاصات ونتائج، فقد تتبع الباحث مواقف "شيوخ الجهاد وحركاته" في عدة أقطار... على أنني سأجد نفسي مُلزماً باستكمال ما بدأه في مجالين اثنين: الأول؛ مواقف الجماعات الإخوانية من الحدث التونسي، وهي التي ظلت خارج اهتمام المقالة.. والثاني؛ تعقب ما قاله هؤلاء في الحدث الأفغاني الذي سيداهمنا بعد أسابيع ثلاثة ويأخذنا جميعاً، حكومات واستخبارات ومراقبين، على حين غرة.

مقابل ما وصفه زيلين بشعور "الشماتة" بالإحراج الذي تعرضت له حركة النهضة بفعل إجراءات الرئيس قيس سعيّد الاستثنائية، واعتبار ما حصل مثال آخر على "أن الديمقراطية تُخيّب آمال الأحزاب الإسلامية ودليل إضافي على أن الجهاد والشريعة هما الطريق.. مقابل هذا الشعور/الخلاصة، سيطفو بعد أيام شعور بالنشوة والاعتزاز بنصر طالبان في أفغانستان، وستعلو صيحات "الله أكبر"، وسيُخرج "الشامتون" بالنهضة، و"الشتّامون" للديمقراطية "الكافرة"، ألسنتهم من حلقوهم ساخرين متوعدين.

الشيخ عبد الرازق المهدي، المحسوب على "هيئة تحرير الشام"، نَظَرَ إلى ما حدث في تونس بوصفه مؤامرة خارجية، ليكشف عن أوجه تشابه مع ما حدث في مصر - السيسي وجماعة الإخوان، وهو يرى أن "انقلاب سعيد" جاء مدعوماً من مصر وفرنسا والإمارات وإذا ما تمكّن هذا "المجنون"، يقصد الرئيس التونسي، فسيفعل ما فعله السيسي.

خلاصة "السيف والكتاب" هذه، ستتعمق عن الشيخ المهدي بعد "فتح كابل"، فهو يقول في تغريدة: بوركت أيها الشعب العظيم.. حاربتهم أميركا وبريطانيا وفرنسا، فلجأوا إلى الجبال.. استمروا في نشر العلم، وحفروا مغارات في الجبال وعلموا الجيل كتاب الله.. الشعب الأفغاني هزم الإنكليز والسوفييت والأميركان".

أبو العبد أشداء، قائد "تنسيقية الجهاد" السورية تَساءل ساخراً في أعقاب الحدث التونسي: "ديمقراطية بدماء حمراء، انقلاب في تونس، انقلاب في مصر، انقلاب حفتر. هل هذه تُعتبر ديمقراطية؟"

ليعود و"تنسيقيته" المنشقة عن هيئة تحرير الشام، للتفاخر بـ "النصر العظيم على الصليبيين، وخروجهم ذليلين صاغرين من أفغانستان بعد 20 عاماً من الجهاد في سبيل الله". وليضيف في بيان احتفالي لاحق: "وإننا في هذه المناسبة السعيدة ننادي طلائع الأمة المجاهدين الصابرين في كل مكان، الصبر الصبر والثبات الثبات، هاكم الطريق فالزموه، ولا تغرنكم جيوش الأعداء، فالله أعلى وأجل، ومن سار على الدرب وصل، ولا يضيع الله أجر من أحسن عملا".

أما أبو محمود الفلسطيني، المنظر الجهادي المقيم في لندن وزميل أبو قتادة الفلسطيني أيضاً، فيقول في الحدث التونسي: "لن يحدث أي تغيير من دون تدخل قوة فعالة تفكك مفاصل الدولة الخفية وتقوّض ركائزها. ولا يمكن لمسار الديمقراطية أن يؤدي إلى حكم الشريعة وبناء دولة إسلامية". مقتفياً في ذلك أثر مرشده أبو قتادة الذي قال بصريح العبارة: "الجهاد ضرورة لا بدّ منها، فجميع المسلمين تقريباً، من مختلف البيئات والخلفيات، يعلّقون اليوم على ما حدث في تونس ويتفقون على أن الجهاد أصبح ضرورة.. ليس لديهم خيار آخر".

بعد سقوط كابل بيد طالبان، يعود أبو محمود الفلسطيني للتغريد مجدداً "طالبان احتضنها العلماء بينما في بلادنا: العلماء أول من يهاجم المجاهدين ويسقطهم ويفشل مشروعهم العلماء ملح البلد، فمن يصلح البلد إذا الملح فسد"، ولم ينس أبو محمود استغلال المناسبة لتسجيل هدف في ملعب الإخوان المسلمين قائلاً: رؤوس المدرسة الإخوانية طعنوا بانتصار طالبان إسقاطا لنموذجها كي لا يُتخذ قدوة في طريقة التغيير في بلادنا فالإخوان اتبعوا النموذج السلمي، وقد انهار هذا النموذج وانهزم هزيمة جعلت قواعده تتخلى عنه، وجاء انتصار طالبان آخر مسمار في نعش النموذج السلمي... لذلك سيطعنون ليحافظوا على حزبهم".

ولم يترك أبو حفص زعيم ما يسمى جيش الأمة في غزة، المناسبة التونسية لتمر من دون أن يدلي بدلوه، إذ اقتبس مقولة للخليفة عمر بن الخطاب جاء فيها: "نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزَّة في غيره أذلَّنا الله".

كما لم يغب أبو حفص وجيشه التعليق على الحدث الأفغاني، إذ أصدر بياناً هنأ فيه "أخوة العقيدة والجهاد في حركة طالبان بتحرير بلادهم المسلمة، من دنس الاحتلال "الصهيو-صيني"، مستحضراً على ما يبدو قضية الإيغور المسلمين، مختتماً بنداء إلى "المجاهدون الموحدون في كل مكان عموماً، وفي فلسطين والشام خاصة أن اتخذوا من نصر إخوانكم المجاهدين الطالبان مثلاً ونبراساً واشتروا الدار الآخرة بالدنيا.. بيعوا أنفسكم إلى ربك العالمين".

أما أبو بصير الطرطوسي، المنظر الجهادي المقيم في أهم عاصمة الجهاديين الثانية: لندن، فقد خاطب "النهضة" قائلاً: "لن تجدوا من يبكي عليكم...فهذه مكافأة الذين يرفعون شعار فصل "الدعوة" عن السياسة’ وشعار "الحرية قبل الإسلام، وقبل تطبيق تعاليمه". فأنتم لم تنالوا الحرية ولم تدعموا الدين!".

الطرطوسي حوّل صفحته بعد أسابيع ثلاثة إلى مسرح للاحتفال بنصر طالبان الإلهي، وغرد قائلاً: "لا يغتاظ من النصر الذي حققته حركة الطالبان الإسلامية في أفغانستان إلا منافق، مريض القلب، يضمر الغش، والحقد على الإسلام والمسلمين"، موضحاً: "أيما جيش محلي وطني يبنيه العدو الغازي والمستعمر لمآربه، جيش له صفة الارتزاق، سرعان ما ينهار ويتفكك، عندما يرفع العدو المستعمر يده عنه".

المنظر الجهادي التونسي، المعروف بصلته بـ"هيئة تحرير الشام" والمكنى بـالإدريسي، قال: "تدفع الثورة التونسية ثمن عدم تطهير البلاد من مخلفات النظام السابق.. والأحزاب تدفع ثمن العيش في الوهم والأمنيات". من دون أن يفوّت هذه المناسبة للتصويب على الإخوان المسلمين وأنصارهم: "إن الأشخاص الذين يعوّلون على الإخوان المسلمين لقيادة ثورات الربيع العربي هم كمن يعوّل على سراب". مشدداً على أن النموذج الأفضل اليوم هو "هيئة تحرير الشام" في سوريا وحركة "طالبان" في أفغانستان. موضحاً "إن نجاح "هيئة تحرير الشام" وحركة "طالبان" يدعو "الأمة" إلى إعادة التفكير في الحركات الجهادية المعتدلة التي أثبتت حنكتها السياسية والعسكرية في إدارة النزاع وإرساء وجودها وانتزاع الحرية من براثن الأشرار"، قبل أن يعود بعد دخول طالبان كابل للقول: "إن ‏ما بعد تحرير أفغانستان ليس كما قبله، طالبان قررت إعادة رسم سياسة العالم من جديد"، معتبراً أن "وجود حكومات إسلامية تقيم شريعة الله بعد قرن من الظلام الحالك، أصبح أمراً واقعاً لن يستطيع الغرب نكرانه".

أبو البراء الليبي، أحد منظري القاعدة، وصف تجربة "النهضة" الأخيرة على أنها جزء من تاريخ طويل لاستغلال منظمات "الإخوان المسلمين" وخيانتها من قبل الأنظمة المحلية التي تشاركت معها. وأشار على وجه الخصوص إلى ما حدث لـ "الإخوان المسلمين" في مصر في عهد جمال عبد الناصر ومؤخراً في انقلاب عبد الفتاح السيسي. وشملت الأمثلة أيضاً السودان وتركيا. وفي حين أن منظمات "الإخوان"، بما فيها "النهضة"، لا تتعظ من دروس الماضي، كما يدّعي، فإن الجهاديين لا ينخدعون أبداً لأن لديهم "موقفاً حازماً وثابتاً إزاء كل طاغوت يستبدل شرع الله ويقبل بالديمقراطية".

وتماشياً مع باقي الانتقادات المذكورة أعلاه، تهاجم افتتاحية تنظيم "الدولة الإسلامية" في "النبأ" بشكل مباشر اعتناق "النهضة" للديمقراطية: "من بين أكثر من عارض الله ورسوله في هذا العصر هم الساعون إلى الديمقراطية ومؤيدوها ومناصروها، من آمنوا بها واعتمدوها كمسار وطريق، وبالتالي ناقضوا السنّة وتعاليمها. فقد وصمهم الله بالخزي والبؤس والضياع، وقد ذيّلتهم هذه الصفات في الظروف كافة كطوق على أعناقهم. وهذا تماماً ما حدث اليوم مع "الإخوان المرتدّين" في تونس بعد أن حادوا عن مسار المؤمنين، واتبعوا الديمقراطية".

في الوقت الذي ساد فيه شعور "الشماتة" بالنهضة والإخوان على مواقف "الجهاديين" من مختلف مدارسهم، منظرين وفصائل، إلا أن الحدث التونسي ما كان ليمر من دون شكل من أشكال تصفية الحسابات فيما بينهم.. فتنظيم الدولة الإسلامية رأى في مقالة في مجلة النبأ أن قادة النهضة خالفوا سبيل المؤمنين واتبعوا الديمقراطية فكانت النتيجة سقوط آخر قلاعهم الديمقراطية"، ولم ينس "داعش" لبعض "أغبياء القاعدة" كما وصفهم، ثناءهم على "الطاغوت" قيس بن سعيّد عند انتخابه، في إشارة على ما يبدو إلى تغريدات سابقة لـ"أبو قتادة الفلسطيني"، إذ تقارن افتتاحية صحيفتهم "النبأ" بين مواقف القاعدة من الحدث التونسي، ومواقف جماعة "الإخوان المرتدين" في سذاجتهم".

لكن الحدث التونسي، وقع كالصاعقة على رؤوس قادة ونشطاء الجماعات الإخوانية في كل مكان تقريباً.. إذ سارعت هذه الجماعات إلى استصدار بيانات الإدانة والتنديد بما وصفته "الانقلاب"، وعقدت المقارنات ما بين تونس 2021 ومصر 2013 وتركيا 2016، ليخلص بعضهم إلى سؤال حول مغزى "الاعتدال" و"المدنية" التي تُطَالَب بها هذه الحركات، في الوقت الذي تبدو فيه مستهدفة في جميع الحالات، وفي حوار مع كاتب هذه السطور، قال أحد قادة جماعة الإخوان في الأردن: أليس هذا ما كنتم تدعوننا لفعله، أليست النهضة هي نموذجكم للإسلام المدني الديمقراطي ولفصل "الدعوي" عن "السياسي"، انظروا ما حصل لهم في تونس، هل هذا ما تعدوننا به إن نحن تعقبنا خطاهم؟..."الإسلام، معتدلاً كان أم متشدداً هو المستهدف"، هذه قناعة عادت للبروز مجدداً في أوساط الإسلاميين بعد الحدث التونسي.

وجاء "نصر طالبان" ليحدث اهتزازاً جديداً في صفوف الفصائل الإسلامية، السياسية منها والمسلحة "الجهادية"... أما الجهاديين، فقد لزمت "داعش" صمتاً قلقاً ومرتاباً، وهي التي خاضت معارك وحروب ضد طالبان في أفغانستان، وفي بعض الأحيان، قاتلتهم طالبان كتفاً إلى كتف مع الأميركيين...أما القاعدة فقد رحب بعض رموزها ومنظريها بالفوز العظيم، فيما لزمت "النصرة سابقاً"، جانب الترحيب الحذر، وهي التي تتحضر لسلوك طريق التكيف مع مقتضيات العملية السياسية في سوريا، وسبق لها أن أصدرت بياناً رحبت فيه بسلوك طالبان طريق مفاوضات الدوحة، على أمل أن تلتحق الهيئة بالطريق ذاته، عندما تنضج الشروط لذلك. وجاء في بيان للهيئة بعنوان "هنيئاً طالبان" أن الأخيرة "لم تخلط بين المسارين السياسي والعسكري، بل سار كل مسار منهما في خدمةِ الآخر، وأنه لا قيمة للفعل السياسي دون قوة عسكرية تحميه".

هيئة تحرير الشام تركت على ما يبدو لشيوخها أمر الترحيب غير المتحفظ، بفوز طالبان من دون أن تتورط رسمياً بأكثر مما ينبغي في تظهير "التماهي" أو "التأييد غير المشروط" لطالبان، فقد كتب منظرها الشهير أبو ماريا القحطاني "أبارك للأمة للإسلامية انتصار إخواننا الطلبة على المحتلين وأذنابهم في أفغانستان وتعازينا للخونة والمنافقين" معتبراً "انتصار طالبان انتصار للمسلمين وأهل السنة وجميع المظلومين".

أما مظهر الويس، فعلق قائلاً "لا شك أن الكثير من الدروس قد استفادتها الحركة "طالبان" حتى عادت أقوى من جديد، الفرحة تغمرنا بنصر الله هنالك، ونتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن تعم الفرحة بلاد الشام والعراق وسائر أنحاء أمتنا المكلومة المظلومة".

بدرجة أقل من الحماسة، استقبلت جماعات الإخوان المسلمين الحدث الأفغاني، فهي وإن سارعت إلى إصدار بيانات التبريك والترحيب (حماس، جبهة العمل الإسلامي، إصلاح- الكويت وغيرهم)، إلا أن بعض فروع الجماعة، بالذات تلك المنخرطة في عمليات سياسية في بلدانها، خشيت من أن تضع "الصورة الملهمة" لنموذج طالبان "تحديا كبيرا أمام المقتنعين بالتغيير السلمي لأنظمة ديكتاتورية مدعومة من دول أجنبية"، وفقاً لما جاء في مقالة نُشرت على موقع "المجتمع" التابع لإخوان الكويت وحملت عنوان "خطورة نموذج طالبان الملهم!"، وهي المقالة التي وظّفها أبو محمود الفلسطيني للنيل من الإخوان المسلمين، وما لم تقله المقالة صراحة، ردده موسى أبو مرزوق في تغريدة له، جاء فيها "تنتصر طالبان اليوم بعد أن كانت تتهم بالتخلف والرجعية والإرهاب، وها هي الآن حركة أكثر ذكاءً وواقعية، وقد واجهت أميركا وعملاءها، رافضة الحلول الوسط معهم، ولم تُخدع بالعناوين البراقة كالديموقراطية والانتخابات، ولا بالوعود الزائفة. درس مرت به كل الشعوب المظلومة، فهل من متعظ؟"...سؤال أبو مرزوق ما زال يتردد بين جنبات مختلف الجماعات الإسلامية، ومن السابق لأوانه التكهن بالتفاعلات التي سيحدثها.

 

-----------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

رحل صدام لكن الثقافة الصدامية في الكبت والمنع والرقابة والحظر كلها بقيت
رحل صدام لكن الثقافة الصدامية في الكبت والمنع والرقابة والحظر كلها بقيت

حسين عبد الحسين

على مدى الأشهر الماضية، اشتكى رجل الدين العراقي مقتدى الصدر من سلسلة من المواضيع وطلب حظرها جميعها، كان أولها اعتراضه المتكرر على المثلية الجنسية وإصراره على معاقبتها في العراق والعالم، وثانيها معارضته لأي حوار عراقي مع أي إسرائيلي أو عضو في الماسونية، وثالثها امتعاضه لقيام سويدي بإحراق نسخة من المصحف في ستوكهولم، وآخرها مطالبته السعودية بالإيعاز لشبكة "أم بي سي" بعدم بث مسلسل رمضاني من المقرر أن يتناول حياة الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان.

مقتدى مولود في بغداد وتفتحت عيناه على عراق لجدرانه آذان، يخشى الأخ وشاية أخيه. عراق يسوده العنف والغضب وتكرار العراقيين لكلمتي "أبسطه"، أي أضربه، و"أضربه طلقة" أي أطلق عليه النار.

عراق عشائري قروسطوي، لا حقوق فيه للمرأة ولا للطفل ولا مساواة، بل هرمية قاسية يردد فيه من هم في القاع عبارة "نعم سيدي" عشرات المرات في اليوم، ويهللون للحاكم، صدام كان أو خامنئي أو مقتدى.

في الأسابيع التي تلت انهيار النظام، مررت على مدرسة لانتظر أولاد أقربائي. لفتتني عدد الرسومات التي كانت تتناول صدام، واحدة فيها صدام رياضي، وأخرى صدام المحارب، وثالثة صدام يقرأ. استللت كامرتي ورحت أصور، إذ، في لحظات، خرجت علي سيدة في منتصف العمر وعرّفت عن نفسها أنها المديرة.

قالت لي بثقة: ممنوع التصوير. كان النظام انهار قبل أيام والناس تنهب الوزارات والمحال التجارية. أجبتها: بأمر ممن؟ فكّرت المديرة وشعرت أني محقّ. التصوير كان ممنوعا في زمن صدام، ولكن في غيابه، لأي شخص الحرية بالتصوير أينما كان. تراجعت المديرة وأومأت لي بالمضي بالتصوير براحتي.

يوم اقتلع الأميركيون صدام، منحوا العراقيين الحرية، فكانوا كمن أطلق سماك من شباك الصياد وأعادوهم للبحر. لكن أجيال العراقيين نسيت السباحة، فغرقت في الحرية، ولم تعرف كي تستمع بها، أو كيف تحترم حق الآخرين بالاستمتاع بها.

رحل صدام لكن الثقافة الصدامية في الكبت والمنع والرقابة والحظر كلها بقيت، هذه المرة ارتدت زي أناس يتحدثون باسم رب العالمين بدال من الحديث باسم الأمة العربية المجيدة، على غرار ما كان يفعل صدام.

بعد 20 عاما على اقتلاع أميركا لصدام، ما تزال ثقافة العراقيين عنفية قاسية لا مكان للحرية فيها. الأقوى يحكمون حسب القانون العشائري وبعض تقاليد الإسلام، وعلى كل الناس أن تعبد الإله نفسه، وتصلي بالطريقة نفسها، وتلتزم العادات والتقاليد نفسها. من يخرج عن هذه التقاليد لأن دينه يخالفها، مثل االمسيحيين أو الصابئة، يتم التعامل معهم على أنهم أقلية غير مرئية، لا حقوق لهم إلا بعض الحقوق الرمزية على شكل مقعد أو أكثر في مجلس النواب، وربما وزير وزارة لا قيمة لها، مثل حقوق الإنسان، أو وكالة وزارة بالأكثر.

مقتدى الصدر من أكثر ضحايا صدام في العراق. فقد أبيه وإخوته على أيدي النظام السابق. رحل صدام، لكن مقتدى بقي يعيش في العقلية نفسها: منع وحظر وبطش وتحذير وصراخ.

الظريف هنا هو أن معارضة مقتدى لمسلسل معاوية تشبه معارضة مسلمي العالم لرسوم الكاريكاتير عن النبي محمد واعتراضهم، مثل مقتدى، ضد السويدي الذي أحرق القرآن. منطق معارضة غالبية المسلمين لأي ما يعتقدونه مسيئا لرسولهم أو كتابهم هو نفس منطق معارضة مقتدى لمسلسل معاوية، وهو منطق لا يفهم معنى الحرية، ويعتقد أن ما هو مقدس لديه يجب أن يحوز على احترام الآخرين وأن إهانة مقدسه هو إهانة له، ما يعني أن هذه الإهانة محظورة لأن الحرية تشترط الاحترام، وهذا طبعا هذيان.

لا احترام في الحرية. الحرية مطلقة لا قيود لها، باستثناء التحريض على القتل. الناس تختلف في المعتقدات والمقدسات، ومعتقدات البعض هي إهانة تلقائية لمعتقدات الآخرين. مثلا، رأي المسلمين أن المسيح لم يكن ابن الله ولم يتعرض للصلب، ولم يقم من الموت، هو رأي يطعن في قلب العقيدة المسيحية، وهو اعتقاد يساوي قول المسيحيين أن محمدا لم يكن رسولا ولا نزل عليه وحي.

هذا التضارب في المعتقدات والمقدسات هو الذي دفع من صمموا الدول ومبدأ الحرية الى اعتبار أن كل واحد مسؤول عن اعتقاده هو وحده، وأن لا وصاية له أو للجماعة أو للمجتمع أو للدولة على معتقدات أو آراء أو أفعال الآخرين، حتى لو كانت أفعالهم مسيئة له. 

مقتدى الصدر والشيعة عموما يلعنون معاوية بن أبي سفيان لاعتقادهم أنه لم يقبل بخلافة علي، بل نازعه عليها وحاربه ما أدى لمقتله. بعد ذلك، انتزع معاوية زعامة المسلمين من الحسن ابن علي، مع أن الحسن هو الذي بايع معاوية. ثم عند موت معاوية، لم يعترف الحسين ابن علي بخلافة يزيد ابن معاوية، ما أدى إلى معركة كربلاء التي قتل فيها جيش يزيد الحسين وصحبه. 

الشيعة يكرهون معاوية وكل الأمويين ويلعنونهم، وهو ما يثير التساؤل حول أسباب تمسك شيعة إيران اليوم بمسجد قبة الصخرة الذي بناه الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان. أما السنة، فيعتبرون معاوية من الصحابة، ويعتبرون الخلفاء الأمويين أمراء المؤمنين الذين بايعهم المسلمون، ويعزّون خصوصا عبدالملك وعمر بن عبدالعزيز.

هذا اختلاف رأي واضح، من يحبهم السنة يلعنهم الشيعة، وهو ما يعني أنه يحق لكل من الطرفين التعبير عن رأيه الذي لن يعجب الآخر، بدون الحاجة للصراخ والقمع والعنف. والموضوع نفسه ينطبق على علاقة المسلمين بالغربيين الذين يهينون رموز الإسلام ومقدساته. للناس آراء مختلفة وحسب ما ورد في القرآن "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". فإذا كان كتاب المسلمين يسمح بالكفر، فلماذا يعتقد المسلمون أن عليهم فرض رقابة ومنع التجاوز على معتقداتهم ومقدساتهم؟

فلتبث شبكة "أم بي سي" مسلسل معاوية، ولتبث الشبكات التابعة لإيران مسلسل السيد المسيح (الذي منعته الكنيسة في لبنان)، وليبث القبطي الأميركي فيلمه المسيء عن الرسول، وليرسم من يرسم الرسول ويحرق من يحرق القرآن، بل التوراة أو أي كتاب يحلو لهم. الحرية مطلقة، وإلغاء القيود يخفف من الكبت والغضب والحاجة لإهانة الآخر والتضارب معه.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).