Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

Sudanese and Egyptian Islamists shout slogans against the ousting of Egypt's President Mohamed Mursi during a rally after…
مظاهرات لأنصار جماعة الإخوان المسلمين في السودان (أرشيفية)

بابكر فيصل 

عنوان هذا المقال هو جزء من حكمة بليغة تقول "العاقل من اتعظ بغيره والأحمق من اتعظ بنفسه"، وهى حكمة موجزة اللفظ، جيدة السبك وذات مغزى واضح وهو أن الشخص العاقل يعمل على حماية نفسه من الأخطاء والعثرات ويسعى للنجاة من مصير فاشل لحق بغيره في حضوره وأمام ناظريه. 

والمصير الفاشل الذي نتناوله هاهنا هو تجربة حكم جماعة الإخوان المسلمين للسودان والتي استمرت 30 عاما حسوما ولم تنتج سوى الفقر  والبؤس والحروب والعزلة بعد أن سبقتها شعارات جذابة ووعود براقة بخلق الفردوس الأرضي بواسطة أصحاب الأيادي المتوضئة والوجوه النورانية .

وعندما أدرك بعض رموز الجماعة فشل المشروع الذي أتى بنقيضه في مختلف المجالات وخاصة الأخلاقية والسياسية والاجتماعية, سعوا للجهر بآرائهم الناقدة, ومن بينهم أحد القيادات الفكرية للجماعة وهو الدكتور حسن مكي الذي نعت الذين ينادون بشعار "الإسلام هو الحل" بالمتخلفين عن عصرهم.

غير أن جماعة أخرى من جماعات تيار الإسلام السياسي وهى حزب التحرير الإسلامي أبت نفسها أن تكون من بين الذين يتعظون بغيرهم فسارعت لإصدار بيان بعنوان "إن لم يكن الحل في الإسلام فأين يكون؟" ترد فيه على حديث الدكتور حسن مكي.

قال بيان حزب التحرير أن ( الإسلام طبق عملياً زهاء ثلاثة عشر قرناً من الزمان، كانت فيها دولة الإسلام "الخلافة" منارة في العلم, ومثلا يحتذى في العدل بين الرعية), وأضاف أن (ما نعيشه اليوم من أزمات في الحكم والسياسة والاقتصاد وغيرها, إنما هو بسبب حضارة هذا العصر … فمنذ خروج الكافر المستعمر البريطاني من السودان، وإلى يومنا هذا، ماذا طبق الحكام في السودان غير أنظمة الغرب الكافر، حيث طبقوا النظام الديمقراطي في الحكم، والرأسمالي في الاقتصاد؟).

ثم استمر البيان مبشراً بأن (الإسلام قادم في ظل دولته دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة, ليكون الإسلام ليس حلاً لمشاكل السودان فحسب، بل حلاً لمشاكل العالم أجمع).

قد أثبتت التجربة أن الذين ينادون بعودة الخلافة لا يملكون رؤية مفصلة وواضحة لكيفية الوصول إليها, وهم كذلك لا يملكون تصوراً  للوسيلة التي يتم بها إختيار الحاكم أو تداول السلطة في ظل الخلافة, علاوة على جهلهم بكيفية تجاوز العقبات التي أفرزتها التغيرات الزمانية ومنها حقيقة وجود الدولة الوطنية, ولكنهم يكتفون فقط بطرح الشعار و إبراز صورة وردية غير تاريخية للخلافة.

إن الصورة الزاهية التي يرسمونها للخلافة ليست كذلك في صحائف التاريخ, و من غير الرجوع للوراء كثيراً فدوننا خلافة العثمانيين التي كانت في واقع الأمر حكماً تركياً خالصاً تزيأ بعباءة الخلافة, وقد كانت إمبراطورية باطشة تسعى للسيطرة والنفوذ شأنها شأن جميع الإمبراطوريات, وقد ثارت عليها شعوب العالم العربي والإسلامي, وفي السودان اندلعت الثورة المهدية تعبيراً عن رفض السودانيين لتلك الخلافة.

لم يذكر القرآن الكريم طريقة محددة لكيفية إختيار الحاكم, والرسول لم يعرض لهذه القضية من قريب أو بعيد, وحتى الخلفاء الراشدين الأربعة لم يتم إختيارهم بطريقة واحدة, ومنذ أن انتزع معاوية بن أبي سفيان السلطة، تحوَّل الحكم إلى مُلك عضوض واختفت حتى اليوم كل أساليب الاختيار عدا أسلوبي الغلبة والوراثة.

إن حديث حزب التحرير عن ثلاثة عشر قرنا كانت فيها الخلافة منارة في العلم, ومثلاً يُحتذى في العدل بين الرعية, حديث غير صحيح, فالمجتمعات الإسلامية تعيش حالة من الغيبوبة منذ تسعة قرون, منذ أن انتزعت منها الريادة الحضارية في القرن الثاني عشر الميلادي حين تم تغييب العقل و سادت تيارات النقل التي تملأ الساحة الآن.

قد بلغت الحضارة الإسلامية أوج تألقها عندما انفتحت على العالم, وأنشأت بيت الحكمة وأخذت بترجمة العلوم المختلفة, وأعطت الأولوية لأهل الدراية على أهل الرواية, حينها ظهرت أسماء أشهر العلماء والفلاسفة المسلمين, وتألقت بغداد حتى صارت منارة العلم ومركز الإشعاع في العالم لثلاثة قرون, كل ذلك لم يكن بفضل الخلافة كنظام للحكم, وإنما نتيجة وجود بعض الخلفاء الذين تبنوا المناهج العقلانية في التفكير.

أما القول أن الخلافة كانت مثالا يُحتذي في العدل فهو أيضا حديث خرافة، خاصة فيما يتعلق بأمور السلطة والحكم, حيث كان إختيار الحاكم يتم بالقوة أو الوراثة, وحيث كانت الخلافات تحسم بقطع الرقاب شأنها شأن جميع الإمبراطوريات في ذلك الزمان، والدليل الساطع الذي ظللنا نذكره على الدوام هو أن المدافعين عنها لا يجدون شيئاً يستندون عليه سوى الخلافة الراشدة وفترة حكم الخليفة عمر بن عبد العزيز التي لم تبلغ عامين.

إن عجز تجربة القرون الطويلة للخلافة عن إنزال ما يُسمى بالإسلام الصحيح لواقع التطبيق العملي سوى بضع سنوات من مجموع أكثر من 1400 عام يعني أنه لا يوجد منهج متفق عليه و أن التجربة الصحيحة نفسها تجربة فذة وغير قابلة للتكرار.

وكانت الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) قد أعلنت الخلافة الإسلامية، ونصبت زعيمها الراحل أبوبكر البغدادي خليفة للمسلمين, وصكت عملتها الخاصة واختارت عَلَمها وأصدرت جواز سفرها, وشرَّعت قوانينها بحسب فقه القرون الوسطى فهل أصبحت بذلك نموذجاً يُحتذي؟ ولماذا لم يبايع حزب التحرير الخليفة البغدادي ؟

لا يستطيع حزب التحرير أو غيره من الجماعات التي تدعو لعودة الخلافة القول بأن دولة داعش لم تك الخلافة الصحيحة، حيث أنه لا يوجد نموذج آخر صحيح يُقاس عليه. إن خلافة داعش في واقع الأمر هى الأقرب للنموذج التاريخي الذي ساد طوال القرون الماضية.

قد كانت جماعة الاخوان المسلمين هى أولى جماعات الإسلام السياسي التي ترفع شعار "الإسلام هو الحل", وقد أثبتت التجارب أن  الشعار لم يصمد أمام إختبار المحك العملي عندما وصلت بعض فروع ذلك التنظيم لسُّدة الحكم, وعجزوا عن التصدي للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها، وقد مثلت تجربة حكمهم في السودان المثال الأكثر سطوعاً لفشل هذا الشعار.

إن فشل تجربة حكم الإخوان لم يلحق بالشعار فقط لكنه أصاب منظومة الأفكار "الأيديولوجيا" التي تقف خلف الشعار, وهى منظومة لا تاريخية, إقصائية مغلقة, تتعالى على الواقع لأنها تدعي امتلاك الحقيقة المُطلقة.
هذه الخصائص الفكرية تنتج بالضرورة منظومات حركية سياسية غير ديمقراطية, تنشد الحلول السهلة للمشاكل عبر استدعاء التجارب التاريخية البعيدة وإنزالها في الحاضر المُعقد، وتكون بطبيعتها غير قابلة للتعايش مع الآخر المختلف، وهذا هو ما أثبتته التجربة التي تمخض عنها حكم الإسلام السياسي للسودان.

قد أضحت مشاكل العالم المعاصر في غاية التعقيد, ولا يكفي لمواجهتها طرح شعارات عامة وفضفاضة, بل هى تحتاج لتطوير برامج مفصلة وتراكم خبرات كبيرة وإعداد قيادات لها إلمام تام بما يدور في العالم, على أن يتم كل ذلك في إطار نظام تعددي للحكم يُراعي الحريات و يسمح بتداول السلطة سلميا ويحترم القوانين ويوفر الاستقرار السياسي. ذلك هو النظام الديمقراطي الذي يقول حزب التحرير أنه نظام "غربي كافر" !

 

 

 

--------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.
الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

حسن منيمنة

على مدى ربع قرن، كان لي شرف الكتابة في جريدة "الحياة"، يوم كانت واجهة الصحافة العربية المطبوعة العابرة للدول والقارات. سواء جاءت نهايتها لأفول الجريدة الورقية كوسيلة توزيع للمعلومة والفكر، أو لأخطاء على درب إدارتها، فإن "الحياة" قد أسلمت الروح، ومعها النمط الذي اعتاد عليه جيلها في قراءة الخبر والتحليل والرأي.

بدا يومها أن الزمن الذي كانت فيه نشرات الأخبار، الإذاعية والمرئية، تمهيداً لقراءة المادة المكتوبة الموسعة في جريدة الصباح قد ولّى، وأصبح بالإمكان، عبر الشاشات والشبكات المعلوماتية، الاستفاضة بالحصول على المضمون الموسّع والمعمّق دون تأخير.

ومع المزيد من التطور في التقنيات، أضحى جليًا بأن طلب المضمون وتلقيه ينتقل ليس من الطباعة إلى الشاشة وحسب، بل، في انقلاب في أدوار الخادم والمخدوم، من الكلمة المكتوبة إلى أشكال جديدة للكلمة المسموعة والمرئية، تأتي بدورها في ارتباط وثيق بالصورة البيانية أو التعبيرية، وتتولى مهمة التعليق عليها.

فيما يقترب من الإجماع، القناعة اليوم هي أن المضمون المصور، ولا سيما بالصيغة النشطة التي تحاكي مخيلة الاستيعاب، هو السبيل الأكثر فعالية للتواصل مع المتلقي. والانتقال المتحقق إليه ليس الأول على مدى التاريخ الإنساني. سبق هذا الانتقال حالات عديدة، منها ما أسفر عن تحولات كمّية كبيرة في انتشار المضمون، مثل الانتقال من المخطوط إلى المطبوع، ثم أن التراكم الكمي استحال بدوره تحولات نوعية عميقة. ومنها، قبلها، ما هو أساس الحضارة، أي الانتقال من الشفهي إلى المكتوب.

الانتقال الأخير جاء قابلاً للتحقق نتيجة التطور الكبير في تقنيات المعلومات طبعاً، وأثره البالغ على الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في المجال المعرفي كما في سائر المجالات. المقارنة هنا غالباً ما تكون مع الثورة الصناعية. ربما هي كذلك في أكثر من مجتمع وسياق، غير أن الواقع الجديد في المحيط العربي يقترب ببعض أوجهه من أن يكون أشبه بأحوال ما بعد الكارثة الطبيعية منه بنتائج الثورة الصناعية.

البنى التي انهارت لم تكن الصحافة المطبوعة وحدها. فالمتضرر الأول كان الكتاب. نعم، ثمة تعارض في تحقق الفائدة والضرر بين دور النشر ومعها المؤلفين من جهة، والقارئ من جهة أخرى، إذ توفرّت له بين ما يشبه الليلة وضحاها مكتبات بكاملها، بصيغة رقمية أعيد إدخالها، أي عرضة لكمّ كبير من الأخطاء في مرحلة أولى، ثم بصيغة مصوّرة تحاكي الكتاب المطبوع بإخلاص، وصولاً إلى إقدام المكتبات الجامعية بنفسها على وضع مقتنياتها على الشبكة، ليصبح القارئ قادراً على الاطمئنان إلى الكتاب في سنده ومتنه ومصدره.

لكن في مقابل سعادة القارئ، تعرقلت نظم الموازنة بين الانتاج الفكري والتعويضات المالية للمؤلف والناشر. ومع غياب إمكانية الحصر والضبط وضمان حقوق النشر، خسر الكتاب صدارته كالوسيلة الأولى لصياغة الفكر. بالأمس كان جديد الكتب موضع اهتمام "خاصّة" فكرية وحدها لها إطار التداول. مع الواقع الجديد، مواد التداول وأطره أصبحت لا تحصى، وما كان للخاصة الفكرية لم يعد حصراً عليها. لمن هو منها أن يعترض في مفاضلة مستمرة بين الرفيع والوضيع، الراقي والمتردي، وهو قد فعل ولا يزال، ولكن اعتراضه ضائع في ضوضاء حقيقة غلبة "العامة" وتفضيلاتها وخياراتها، وإن استحالت ساحات متباعدة وفرق متناحرة، على "خاصّة" لم تعد كذلك، بل أمست واحدة من عدة. وفي هذه الفوضى، لم يجد الفكر العربي معادلة الاستقرار بعد، وإن كانت تشكيلات عدّة تتنافس للمنصب.

ربما أن "من زاوية أخرى" كانت محاولة صمود من جانب الكلمة المكتوبة. في هيئتها المقاوِمة هذه، الكلمة المكتوبة ليست مطبوعة على ورق، بل مقروءة على الشاشة، ويصاحبها ويعززها التفاعل، في موقع النشر نفسه ثم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولمقالات مختارة من خلال إبرازها ومناقشتها إذاعياً، أي بتحويلها إلى مادة مسموعة، ومن بعد كل هذا من خلال التقاطها وإعادة نشرها في مواقع أخرى.

ولكن، هل كان الأمر وحسب صمود يائس في وجه المحتَّم؟ الجواب يبدو بالإيجاب إذا كان الحكم على هذه المحاولة مبنياً على المعايير الكمية السائدة في التواصل الاجتماعي. أعداد المشاهدات منخفضة، لا ترتفع إلا في بعض المواضيع ذات الطبيعة الآنية أو السجالية. تعليقات يغلب عليها الحكم المتسرع أو الرأي المعلّب، وصولاً إلى الشتائم والابتذال. بل يكتفي العديد من "المعلّقين" بالاطلاع على الاقتباس الهادف إلى دعوتهم إلى قراءة المقال، دون قراءته، قبل التكرّم بالآراء القطعية الصارمة. ما فائدة هذا المجهود إذا كان لا يتعدى في نتيجته تكرار ما يحدث في طرف نائٍ من أطراف عالم التواصل الاجتماعي؟

غير أن هذه المعايير قد لا تكون هي الصالحة لاعتبار التجربة. بعض ما استوعبته هذه التجربة يندرج بالفعل في إطار السجال ومجاراة الأخبار، وبعضها الآخر ربما يحظى بطابع أقل ارتباطاً بالآني. ولكن المجموع، على اختلاف مكوناته، شكّل نقطة مرجعية لعدد غير قليل من المسؤولين عن صياغة القرار والرأي في مواقع متقدمة. قد يصعب إثبات هذا الزعم بالأرقام، ولكنه كان حقيقة ملموسة لي شخصياً ولغيري من الزملاء، بما ساهم بتحمل الضجيج في التعليقات.

غروب "من زاوية أخرى" هو بالتالي خسارة، وإن اقتضه حسابات المؤسسة، وإشعار إضافي بما تواجهه الكلمة المكتوبة الرصينة من تحديات. كل الشكر والاحترام للإداريين والمحررين المتعاقبين على المسؤولية عن صفحة "من زاوية أخرى" على مدى أعوامها، وكل المودة والتقدير لكافة الزملاء، إذ حافظوا على أهمية الرأي الملتزم باحترام كلام الآخر وعقل القارئ، في واقع فكري معاصر يطفح بالأهوائيات والعصبيات والاستعلائيات، ولا سيما منهم من قرأ مادة نقدية وجهتُها إليه وأجاب بما أثرى النقاش، وأخيراً لا آخراً بالتأكيد، فائق الامتنان والإجلال لكل قارئ قرأ، سواء اتفق مع الرأي المطروح أو اختلف معه.

الكلمة المكتوبة تواجه الصعوبات دون شك، ولكن الحديث عن نهايتها سابق لأوانه. إلى اللقاء في محافل أخرى.

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).