اليوم حزب وغدا حزب!
بمناسبة الانتخابات التشريعية والمحلية المبرمجة في المغرب في شهر سبتمبر من السنة الجارية، أعلن رجل الأعمال فلان انتقاله من الحزب "أ" إلى الحزب "ب"، الذي سيترشح باسمه كوكيل للائحة.
البرلمانية السابقة عن حزب "س" ستتصدر لائحة الترشيحات التشريعية لحزب "ج" في مسقط رأسها، وتعلن عن برنامج غني للنهوض بقضايا النساء والشباب والتشغيل.
الوزير السابق عن حزب "ك" سيترأس ترشيحات دائرته مع حزب "ق" ويؤكد يقينه بفوزه المقبل بالانتخابات في دائرته.
على هذا المنوال، ومنذ بضعة أشهر، تنشر وسائل الإعلام المغربية بشكل شبه يومي أخبار انتقال سياسيين ورجال أعمال من حزب لآخر وترشح بعضهم باسم حزب كان ولايزال الخصم المباشر لحزبهم الأسبق.
حتى أن الأمين العام السابق لأحد برز الأحزاب المغربية.. يترشح هذه السنة باسم حزب آخر!
بعض القياديين في عدد من الأحزاب أعلنوا بشكل رسمي عن تواصل قياديي أحزاب أخرى معهم من أجل الترشح باسم هذه الأحزاب؛ لكنهم أعلنوا رفضهم للمقترحات، لالتزامهم مع أحزابهم الرئيسية.
في المطلق، يفترض أن يكون هذا الرفض سلوكا منطقيا ورصينا، بل وعاديا.. لكنه يصبح استثناء نصفق له، في ظرفية تنقلب فيها القيم والموازين والممارسات السياسية.
بل، كيف يمكن أن نتصور أن حزبا يتواصل مع فاعل سياسي بارز في حزبه.. ليقترح عليه الانتقال لحزب جديد؟ ألا يفترض أن هذا السياسي ملتزم بقضايا وتصورات وإيديولوجية حزبه؟
أشخاص آخرون لم تعرف عنهم سابقا ممارستهم للسياسة، ومعظمهم معروف في محيطه، تحدثوا عن كونهم تلقوا اتصالات من أحزاب لا تعرف أساسا أفكارهم وتوجهاتهم الشخصية، لتقترح عليهم الترشح في لوائحها على أساس "احتمال" كونهم يقتسمون نفس الأفكار. لكن، ماذا لو كان هذا الشخص الذي تقترح عليه الترشح باسم حزب يساري، يميل بشكل أكبر للحزب الإسلامي أو لحزب ليبرالي؟ ماذا لو كان الشخص الذي تقترح عليها الدفاع عن إيديولوجية محافظة، يؤمن بمجتمع حداثي يدافع عن الحريات الفردية؟ أم أن الأصل هو أن هذه الأحزاب تبحث عن أشخاص قادرين على الفوز، سواء بشهرتهم أو بأموالهم.. وليس بالضرورة عن أشخاص يؤمنون فعليا بإيديولوجيتها ومشروعها المجتمعي؟ أين "مناضلو" الأحزاب من كل هذا؟
للأسف، لم يسلم من هذه اللعنة الحزب اليساري ولا الإسلامي ولا الليبرالي ولا المحافظ. معظم الأحزاب انخرطت في لعبة الاستقطابات أو قبلت ترشح أشخاص كانوا في السابق ينتمون لأحزاب أخرى، بعضها على نقيضهم الإيديولوجي.
كيف يمكن، مع هذا العبث، أن نقنع المواطن ببرامج وأفكار وتوجهات؟
أنتمي شخصيا لمن يؤمنون بأهمية وضرورة المشاركة في الانتخابات من أجل البناء الديمقراطي. لكن، في نفس الوقت، وبكل موضوعية، يمكننا أن نتفهم مواطنا يشعر بعبثية عدد كبير من الترشحات.
الانتماء لحزب يعني الانتماء لمنظومة فكرية معينة. الإيمان بمشروع مجتمعي معين والدفاع عنه.
ما معنى أن تنتمي اليوم لحزب وغدا لخصمه المباشر؟ كيف نقنع المواطن بصدق البرامج والخطابات والشعارات؟
ثم، كيف نشجع منظومة ديموقراطية تشجع على التصويت على الأحزاب والمشاريع، وليس على الأشخاص، ونحن ننتقل بنفس الأشخاص من منظومة لأخرى ومن توجه سياسي لآخر؟
الإشكال في المغرب أصبح خطيرا جدا لأنه، في الشهور الأخيرة، حدث في الساحة السياسية والإعلامية نوع من التطبيع مع الترحال السياسي الذي لم يعد محط تساؤل أو استنكار. أصبح السياسيون وعدد كبير من الإعلاميين يتعاملون معه كمعطى طبيعي في الساحة السياسية وكممارسة لا تقبل النقد.
في بلد كالمغرب عرف، منذ استقلاله، تعددية حزبية حقيقية وليست مفبركة ومناضلين حقيقين داخل أحزاب متعددة التوجهات.. مؤسف جدا أن نجد أنفسنا أمام واقع سياسي يتدحرج للأسفل بهذا انحطاط!
------------------------------------
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
