The flags of Algeria (L) and Morocco flutter as Algerian president greets Moroccan Foreign Minister on January 24, 2012 in Algiers. Moroccan Foreign Minister Saad Eddine Othmani yesterday began a fence-mending visit to Algeria to resolve disputes such as…

عبد الرحيم التوراني 

من مكر الصدف أن التاريخ الذي أعلنت فيه الجزائر القطيعة الدبلوماسة مع المغرب هو التاريخ ذاته قبل سبعة وعشرين سنة، الذي وقع فيه حادث إرهابي بفندق "أطلس أسني" في مراكش، وعلى إثر تداعياته تم إغلاق الحدود المغربية ــ الجزائرية، ولم تفتح بعدها حتى اليوم. 

ففي تطور لافت ومثير، وبعد أقل من أسبوع على إعلان الرئيس الجزائري نيته بـ "إعادة النظر" في علاقات بلده مع المغرب، قررت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب بداية من يوم الثلاثاء 24 غشت 2021.  

خلف قرار القطيعة الدبلوماسية بين الجارتين صدمة وسط الشعبين معا، وأجمعت أكثر من جهة عربية ودولية على موقف الأسف العميق والنداء إلى ترجيح صوت العقل والمصلحة العليا للشعبين الشقيقين أولا، والتشبث بمبادئ وأسس الحوار الدبلوماسي. وأعرب الاتحاد الافريقي عن استعداده لدعم أي مبادرة لاستئناف العلاقات بين الجزائر والمغرب. 

خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة تسارعت الأحداث بشكل متواتر، ثم ترقبت الأنظار الجواب الجزائري على نداء ملك المغرب محمد السادس ودعوته إلى المصالحة وطي صفحة الماضي، عبر "إقامة علاقات قويّة، بنّاءة ومتوازنة" بين البلدين، وإعادة فتح الحدود المغلقة منذ صيف 1994. 

 وإثر اندلاع كارثة الحرائق بمنطقة تيزي وزو بالجزائر، تم تجديد وتأكيد هذا التوجه المغربي بتقديم واجب المواساة والعزاء للشعب الجزائري، وعرض الملك على الرئاسة الجزائرية استعداد المغرب للمساهمة في التغلب على الكارثة. لكن السلطات الجزائرية رفضت المساعدات الإنسانية المغربية. وسيتضح أن حرائق تيزي وزو لم تدمر فقط مساحات شاسعة من الغابات، بل إن شراراتها الملتهبة أحرقت ورقة العلاقات الثنائية بين البلدين، حين أعلن وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة الثلاثاء الأخير قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، بسبب ما وصفه بـ "الأعمال العدائية" للمملكة. وكانت منابر إعلامية جزائرية مهدت لذلك بتعميم اتهامات صريحة ضد المغرب، زاعمة أن الحرائق كانت من عمل جماعات "إرهابية" تحظى بدعم من المغرب، وأن المغرب "يتآمر ضد الجزائر باتفاق مع "الكيان الصهيوني"، (في إشارة إلى انضمام المغرب لقائمة الدول العربية التي قامت بالتطبيع مع إسرائيل)، بعد إثارة فضيحة "بيغاسوس"، والكشف عن عمليات تجسس استهدفت أرقام هواتف لشخصيات ومسؤولين سياسيين وعسكريين جزائريين تم تحديدهم كأهداف محتملة. وقد صرحت سلطات الجزائر أنها فتحت تحقيقا في الموضوع، لكن حتى الآن لا دليل واحدا تم تقديمه لإدانة المغرب الذي تسرعت السلطات الجزائرية بجعله موضع تساؤل، ووضعته في قفص الاتهام بالتورط في جريمة الحرائق و"فضيحة بيغاسوس"، علاوة على اتهامها بتصديره المخدرات إلى الجزائر. 

***  

منذ "حرب الرمال" حول الحدود في بداية الستينيات من القرن الماضي تضررت العلاقة الثنائية بين البلدين، وزادت في السبعينيات بسبب أزمة قضية الصحراء الغربية. عندما عارض الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين الاعتراف بالمستعمرة الاسبانية السابقة كجزء من التراب المغربي. بل إن الجزائر قدمت كل الدعم للانفصاليين الصحراويين، وكرست ثروات شعبها لتسليح البوليساريو، وأسست عقيدتها الدبلوماسية الجديدة على مبدأ تحويل الصحراء الغربية إلى دولة مستقلة. وعندما أعلنت البوليزاريو عام 1976 تأسيس الجمهورية الصحراوية، واعتراف الجزائر بها، بادر الحسن الثاني إلى قطع علاقات المغرب مع الجارة الجزائر. ولم تستأنف العلاقات إلا بفضل وساطة المملكة العربية السعودية سنة 1988، على أساس أن ملف الصحراء مطروح لدى الأمم المتحدة. إلا أن صيف 1994 حمل معه تشنجا وتوترا متجددا بين الرباط والجزائر، بعد تورط شبان من أصول جزائرية في حادث إرهابي بمدينة مراكش، ليقرر المغرب فرض التأشيرة على الجزائريين، ولترد الجزائر على الفور بإغلاق حدودها البرية الغربية.  

ومنذ حلول العهد الجديد في المغرب، لم يفتأ الملك محمد السادس في مد اليد من أجل تطبيع العلاقة مع الجزائر. وهو ما ظلت القيادة الجزائرية تقابله دائما بالرفض والتعنت وعدم الاستجابة. 

***  

في وقت فرض فيه المنطق الجيوستراتيجي انفراجا تدريجيا واضحا في الأزمة التي حدثت في الفترة الأخيرة بين المغرب ودولتي اسبانيا وفرنسا، نجد أن الأحوال بين الجارتين الشقيقتين تتطور إلى أقصى درجات التعقيد والتأزيم. علما أن الأزمة المغربية ــ الاسبانية كان وراءها تواطؤ الجزائر مع اسبانيا في قضية استقبال مدريد لزعيم البوليزاريو للاستشفاء بمستشفياتها بعد دخوله اسبانيا بهوية مزورة، وهو المطلوب للعدالة الاسبانية. وكادت تداعيات الأزمة بين مدريد والرباط أن تورط بشكل أخطر علاقة المغرب مع الاتحاد الأوروبي، رغم الشراكة المتميزة التي تربطه بالمغرب.  

كما أن الأزمة المغربية ــ الفرنسية كانت وراءها فضيحة التجسس"بيغاسوس" والتي اتهمت الجزائر المغرب بالضلوع فيها. 

ثم جاء تصريح مندوب المغرب في الأمم المتحدة بمثابة النقطة التي أفاضت الكأس، عندما أعلن خلال اجتماع لحركة عدم الانحياز في يوليو الماضي بنيويورك، تأييده لاستقلال منطقة القبايل في الجزائر. كانت سابقة شديدة الإثارة، لأول مرة يتجرأ دبلوماسي مغربي للتصريح بدعمه للانفصال في منطقة القبايل، كرد فعل وتحذير مستفز للنظام الجزائري على الدعم الذي يقدمونه منذ حوالي نصف قرن للانفصاليين الصحراويين.  

بدا واضحا أن الأمور ستتعقد أكثر وتسير نحو الأسوإ بين البلدين، خصوصا مع تصعيد إعلامي هجومي مكثف ضد المملكة المغربية. وساهمت تصريحات لوزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد من قلب الرباط في إذكاء جمر الأزمة المشتعلة، حين أعرب عن "قلقه من الدور الذي تلعبه الجزائر في المنطقة ومخاوفه من التقارب الجزائري مع إيران".  

استدعت الجزائر سفيرها في الرباط للتشاور، وأكد بيان جزائري أنه "لا يستبعد اتخاذ إجراءات أخرى، حسب التطور الذي تشهده هذه القضية". ومن يومها لم يعد السفير إلى مقر عمله، إلى أن اشتعلت النيران في منطقة القبايل بغابات تيزي وزو. وعبر الرئيس عبد المجيد تبون أنه بصدد "إعادة النظر" في العلاقة مع الجار المغربي الذي "لم يعد يصلنا منه إلا السوء"، ثم جاء وزير الخارجية الجزائري إلى نادي الصنوبر بالعاصمة ليتلو على الصحفيين قرارا باسم المجلس الأعلى للجزائر، اتخذ في اجتماع استثنائي برئاسة عبد المجيد تبون، يقضي بقطع العلاقات نهائيا مع المغرب، الذي يدعم حركتي "ماك" لاستقلال القبايل و"رشاد" الإسلامية، المتورطتين في إشعال حرائق الغابات التي تسببت في موت العشرات من المواطنين الجزائريين. لذلك "فإن الجمهورية قررت إعادة النظر في علاقاتها مع المغرب وتكثيف المراقبة على الحدود الغربية".  

جاء رد المغرب من خلال بيان لوزارة خارجيته مقتضبا، رافضا الاتهامات الجزائرية، وموضحا "أن قرار الجزائر مؤسف وغير مبرر، ولكنه كان متوقعا". 

***  

يجمع العديد من المحللين السياسيين أن التوتر الذي تعرفه منطقة المغرب العربي، وسوء العلاقة بين المغرب والجزائر التي وصلت حد القطيعة الدبلوماسية، تقبع خلفه أزمة النزاع حول الصحراء الغربية، والصراع الجيوستراتيجي بين النظامين في كل من الجزائر والمغرب حول زعامة المنطقة، باعتبارهما القوتين الوازنتين في شمال وغرب إفريقيا. لكن طول سنوات الأزمة لم ينتج سوى تاريخ بغيض من العداء بين البلدين.  

في ديسمبر من 2020، كان اعتراف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بسيادة المغرب على الصحراء الغربية مقابل التطبيع المغربي مع إسرائيل، بمثابة الضربة التي زعزعت الحكام الجزائريين الذين راهنوا على أنه اعتراف خاص برئيس أمريكي منتهية ولايته، إلا أن الرئيس الأمريكي جو بايدن أكد في الآونة الأخيرة اعتراف سلفه ترامب بمغربية الصحراء الغربية، الأمر الذي زاد من حدة استياء الجزائر، لتعيد اتهامها للرباط بعدم الوفاء بالتزاماتها الثنائية بشأن قضية الصحراء الغربية. 

لا شك أن القرار الجزائري بقطع العلاقات الديبلوماسية مع المغرب جاء مخيبا للآمال المنتظرة بوضع حد لعدم استقرار المنطقة وتجنيبها حالة النزارع والتوتر المستمر منذ عقود، وشكل قفزة في الفراغ كما فسرها البعض، ومحاولة من النظام العسكري في الجزائر لتصدير الأزمة الداخلية، بهدف إخماد شعلة الحراك الشعبي، بعد الفشل في قمع وترويض رموزه بالاعتقالات والقمع والتنكيل. في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية هيكلية خانقة، وأزمات صحية طارئة بسبب وباء كورونا، أرهقت الشعب الجزائري. مما يفسر أن ما أعلنته الجزائر بقطع علاقتها الدبلوماسية مع المغرب، ليس إلا "عنوان أزمة جزائرية" محضة. 

كما قلل آخرون من حجم واقعة القطيعة الدبلوماسية، على أساس أن العلاقات الجزائرية ــ المغربية هي عمليا شبه مقطوعة منذ سنوات. 

في ظل هذه الظروف، من الوهم التمادي في مزيد من التفاؤل، والقول بأن الحكمة ستنتصر دائما، وأن الجزائر والمغرب يمكن لهما أن تمضيان بعيداً في بناء المشروع المغاربي. والأوضاع على مثل هذه المستويات من الهشاشة والتدهور، بل إن الاتحاد المغاربي سيظل حتما محكوما عليه بالفشل. ولا يستبعد أن ما يحدث اليوم يغطي تحت رماده نيرانا أشد من الحرائق الإيكولوجية، نيران حرب ومواجهة عسكرية لن تؤول نتيجتها لصالح أي من البلدين الشقيقين اللدودين، بل ستعصف بمستقبل المنطقة إلى مهاوي الخسران المبين. 

هل ستنبعث من جديد "حرب الرمال" من تحت رماد الحرائق المزمنة بعد مرور قرابة ست عقود؟ 

مرة قال المفكر الألماني كارل ماركس "إنّ التاريخ يعيد نفسه مرتين، مرة على شكل مأساة ومرة ​​على شكل مهزلة"، فهل تستعد المنطقة لاندلاع الحرب ــ المهزلة؟ 

لا سمح الله. 

 

 

 

---------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).