Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

آراء حرة

حماس تهنئ طالبان بانتصار القرون الوسطى

02 سبتمبر 2021

حسين عبدالحسين 

لافتة كانت ردود الفعل على عودة حركة طالبان الإسلامية إلى حكم أفغانستان. حركة حماس الإسلامية، حاكمة قطاع غزة الفلسطيني، هنّأت طالبان على "اندحار الاحتلال الأميركي"، واعتبرت أن المشهد سيتكرر يوما ما في الأراضي الفلسطينية، وسيندحر "الاحتلال الإسرائيلي" كذلك.

لا تهم غالبية الفلسطينيين رهاناتهم الدولية الخاطئة، مرارا وتكرارا. يوم اجتمع العالم ضد طاغية العراق الراحل صدام حسين لطرد قواته من الكويت، وقف رئيس الفلسطينية الراحل ياسر عرفات إلى جانب صدام، وهلل لذلك فلسطينيون. ومثل ذلك، في وقت يُقلق العالم مستقبل أفغانستان من الاضطهاد الذي قد تمارسه طالبان، تهنئ حماس طالبان.

ولا يهم حماس أن طالبان أعلنت أنها لن تحافظ على النظام الديمقراطي في أفغانستان، وأنها ستعيد إقامة الإمارة الإسلامية. حماس نفسها استولت على قطاع غزة في انتخابات ديمقراطية، أتبعتها بانقلاب عسكري طردت بموجبه السلطة الفلسطينية من القطاع وحولّته إلى إمارة إسلامية فلسطينية. 

رد الفعل الدولي تجاه انتصار "الإمارة الإسلامية" في غزة كانت متوقعة في 2007، وهي شبيهة تجاه أفغانستان اليوم، ومبنية على مقاطعة العالم لهذا النوع من الدول التي تنتمي للقرون الوسطى بمعاداتها للديمقراطية وحقوق الإنسان، وخصوصا حقوق المرأة.

هكذا أدى "انتصار حماس" في غزة إلى عزلة دولية، باستثناء الحكومات التي يسيطر عليها الإسلام السياسي، مثل تركيا وقطر. وهكذا سيؤدي قيام الإمارة الإسلامية للطالبان في أفغانستان إلى مقاطعة دولية وعزلة وفقر وجوع، تماما كما في غزة.

والغريب في الأمر هو إعجاب الإسلام السياسي بشقيه، السني والشيعي، بنموذج "الانتصار" و"التحرير" و"دحر الاحتلال"، وكأن الحكم الوطني هو هدف الشعوب، لا وسيلتها لتحقيق النمو الاقتصادي والعيش الكريم. 

على مدى العقد والنصف الماضي، اقترنت "انتصارات" حماس بالجوع والقهر والعزلة عن العالم، ومثلها اقترنت "انتصارات" إيران وميليشياتها في لبنان والعراق واليمن، و"انتصارات" بشار الأسد في سوريا، بنموذج حكم متطابق من الفقر والجوع والعوز والبؤس، كما تصدير اللاجئين والارهاب إلى العالم. 

مفارقة الارتباط الوثيق بين "الانتصارات" و"التحرير" من جهة، والفقر والبؤس من جهة ثانية، هي في قلب الانقسام العربي والإسلامي. أهل "الانتصارات"، وغالبيتهم من الإسلاميين والقوميين واليساريين، يرون في "الانتصار" و"الحكم الوطني" الهدف الأسمى، حتى لو أدى الحكم الوطني إلى تراجع مستوى معيشة الناس، وهم يرون أن أهدافهم هذه سامية وغير قابلة لأي نقاش، تحت طائلة اتهام من يعارضهم بتهم العمالة للإمبريالية والأعداء.

ويوسّع "أهل الانتصارات" العداء للإمبريالية من مواجهة حكومات الغرب إلى عداء لأفكار الغرب برمتها، وفي طليعتها أفكار "عصر الأنوار" الأوروبي حول حقوق الإنسان والمساواة والديمقراطية، ويعتبرون أن وسيلة الانتصار على الغرب تكمن في التخلص من أفكاره وطرائقه، واستبدالها بمبادئ حكم مستوحاة من الدين الإسلامي والشريعة.

ثم تقوم الحكومة الإسلامية، في إيران وأفغانستان وقطاع غزة على سبيل المثال، وتقدم أسوأ أداء حكومي على صعيد الحريات، كما على الصعيد الاقتصادي، وتنهار الدول التي يحكمونها، فيبادر الإسلام السياسي إذ ذاك لتبرير فشله الذريع بإلقاء اللوم على مؤامرات متخيلة يقوم بها الغرب لإبقاء المسلمين متأخرين عن العالم. ولكن لماذا يضمر الغرب الشر للمسلمين وحدهم ولا يضمره لدول "نمور آسيا" وفيتنام، على سبيل المثال، التي حققت قفزات كبيرة في الحكم والاقتصاد وبحبوحة شعوبها، وهي اليوم من أبرز شركاء الغرب في الاقتصاد والثقافة وغيرها؟

الأرقام لا تكذب. النمو الاقتصادي والبشري تراجع في الدول التي كانت تعيش تحت حكم أجنبي بعد رحيل الأجنبي. الاستثناءات القليلة هي بعض دول آسيا وأفريقيا، مثل غانا وكينيا. أما باقي دول العالم التي كانت تحكمها الإمبراطوريات المتنوعة، من أميركا الجنوبية إلى الشرق الأوسط وجنوب آسيا، فعانت ولاتزال من تحررها من الحكم الأجنبي واستبداله بحكم وطني. 

وتجارب الاستعمار لم تكن سواسية، فاستعمار بلجيكا في الكونغو كان من الأسوأ في العالم. أما استعمار بريطانيا لمصر والعراق فكان إيجابيا، وإن لم يكن مثاليا، ومضت بعد رحيله مصر والعراق في رحلة تدهور اقتصادية وفكرية وبشرية لاتزال متواصلة حتى اليوم.

ولأن حكم الاستعمار كان أفضل من الحكم الوطني، لم يكد الاستعمار يرحل حتى لحقه مواطنو المستعمرات السابقة، أولا على شكل هجرات فردية، واليوم على شكل هجرة جماعية حوّلت البحر الأبيض المتوسط إلى مقبرة. ثم تجلّت أبشع صور هذه الهجرة في الجماهير الأفغانية وهي تتوسل الأميركيين للرحيل معهم، حتى أن بعض الأفغان تمسكوا بالطائرات الأميركية وهي تقلع، ووقع بعضهم من علو ولاقوا حتفهم. 

هكذا يكون "التحرير"، الذي يستميت من يعيشون في ظلّه الوارف على الهرب منه، فإذا كان "التحرير" بهذه القباحة، فهل يُعقل أن نهلل له في العراق وفي أفغانستان، وأن نتمناه في فلسطين؟ وكيف سيكون شكل فلسطين لو صار ما تتمناه حماس و"اندحر الاحتلال الإسرائيلي"؟

فلسطين هذه ستكون على شكل إمارة غزة الإسلامية أو إمارة طالبان الإسلامية في أفغانستان، دولة فاشلة قاحلة تحكمها عصابات لا تفهم معنى الدستور ولا القانون ولا الحريات الفردية أو العامة. دولة منعزلة عن المجتمع الدولي ولا صداقات لها إلا مع حفنة من الحكومات الإسلامية وحركات الإسلام السياسي في العالم، مثل "الإخوان". 

في الغرب، وخصوصا الولايات المتحدة، مجموعات ذات فكر سطحي ومتهالك، ترى أن مشكلة المعمورة بدأت مع الرجل الأبيض وحركته الاستعمارية والاستعبادية، وأن حل مشاكل العالم تقضي بالقضاء على الاستعمار الأوروبي، الفعلي أو حتى الفكري والثقافي، واستبداله بالثقافات المحلية لأنها تناسب أهلها.

العبودية لا شك أنها نقطة سوداء في تاريخ البشرية، وهي بدأت قبل الأوروبيين بآلاف السنين، وانتهت على أيديهم. لكن استبدال الفكر الأوروبي عن الحكم والحكومة بالفكر المحلي، فنتائجه الفاشلة جلية في أفغانستان وقطاع غزة وإيران ولبنان اليمن، وما على شعوب هذه الدول إلا أن تتوخى الحذر مما تتمناه لمستقبلها ومستقبل أولادها.

 

 

-----------------------------------------

 

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

مواضيع ذات صلة

هل ينتقم الله من البشر بالزلازل؟
هل ينتقم الله من البشر بالزلازل؟

د. عماد بوظو

أثار الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا وما نتج عنه من خسائر بشرية كبيرة ودمار هائل وما نقلته وسائل الإعلام من صور حية لانهيار الأبنية واستخراج الأحياء والجثث من تحت الأنقاض سجالاً عبر وسائل التواصل الإجتماعي عندما قال بعض الإسلاميين المتشددين إن ما حصل هو عقاب من الله نتيجة شيوع المُنكرات كالزنا وشرب الخمر وضرب المعازف "الموسيقى" استناداً على بعض كتب التراث مثل ما قاله ابن القيم الجوزية "ومن تأثير معاصي الله في الأرض ما يحلّ بها من الخسف والزلازل"، وما قاله السيوطي "الزلازل هي تخويف من الله لعباده عند فعل المُنكرات". 

واستمر تعليل الكوارث الطبيعية بنفس الطريقة حتى العصر الحديث، فقد قال ابن باز "الزلازل من جملة الآيات التي يخوّف الله بها عباده بسبب الشرك والمعاصي، والواجب لتفاديها التوبة إلى الله والإستقامة على دينه"، مع أن تفسير الكوارث الطبيعية بهذه الطريقة يضع اللوم على الضحايا بما فيهم من أطفال ورضّع فوق المصيبة التي وقعت فوق رؤوسهم، ومن الصعب معرفة كيف يستفيد الإسلاميون المتشددون عندما يجعلون الله مسؤولاً عن هذه الكوارث التي يقولون أن الله قام بتنفيذها عامداً مُتعمداً لكي يجعل من ضحاياها عبرةً تزرع الخوف في قلوب باقي البشر!. 

وربما كان تعليل الكوارث الطبيعية بالغضب الإلهي مقبولاً في الماضي عندما كان الإنسان عاجزاً عن فهم الظواهر الطبيعية، أما في العصر الحالي فقد توسّعت معلومات الإنسان وعلم أن حركة الصفائح الصخرية في القشرة الأرضية نتيجة إنزلاقات أو تراكم ضغوط من باطن الأرض هي التي تسبب الزلازل، كما تمكّن من تحديد المناطق الأكثر عرضةً لها مما أدّى إلى تخفيف آثارها المدمرة عبر بناء منازل أكثر تحمّلاً للزلازل كما هو الحال في اليابان، أو التنبؤ بالأعاصير قبل أيام من حدوثها للتقليل من آثارها، وليس من قبيل الصدفة أن تطوّر المعرفة البشرية بهذه الظواهر حدث في البلاد التي تحترم عقل الإنسان وتعتمد على العلم ولا تلجأ للتفسيرات الغيبية. 

وقاد هذا السجال إلى موضوع آخر، فعندما ذكر بعض الإسلاميين أن الزلازل انتقام وتعبير عن غضب الله، لترد إعلامية قائلة إن "الانتقام والغضب صفات بشرية والله فوق ذلك لأنه محبة ورحمة ومغفرة"، مما فتح الباب لمناقشة صورة الله عند المجتمعات والثقافات المختلفة، ففي حديث للترمذي تم وضع المُنتقم ضمن أسماء الله الحُسنى، وخالفهُ في ذلك الكثير من رجال الدين الذين نزّهوا الله من الانتقام وشكّكوا في صحة حديث الترمذي ومنهم ابن تيمية، ولكن أغلب المراكز الإسلامية تتّفق على أن الله يغضب، ويقول موقع صيد الفوائد "إن من عقيدتنا المقرّرة أن الله كما يرضى يغضب، وإذا غضب العظيم فمن ذا ينفع وكم من أمّة غضب الله عليها فأبادها من الوجود كأنها لم تكن".  

وهذه النظرة السلفيّة إلى الله تجعل علاقة الإنسان به تقوم على الخوف، وهو ما يمكن تأكيده في موقع صيد الفوائد: الخوف من الله من المقامات العليّة ومن لوازم الإيمان والخوف من الله سمة المؤمنين وآية المتّقين وديدن العارفين، الخوف من الله هو سوط الله يقوّم به الشاردين عن بابه ويرد به الآبقين إلى رحابه وهو الوسيلة الأكيدة لتنبيه الغافلين. 

ولذلك إسترسل السلفيّون في وصف شدّة عذاب الله وقوة بطشه وأليم عقابه بالنار والزقّوم والحميم والسلاسل والأغلال، فالخوف عندهم "شجرة طيبة إذا نمت في القلب امتدّت فروعها إلى الجوارح وأثمرت عملاً صالحاً وسلوكاً قويماً فتخشع الجوارح وينكسر القلب وتزكو النفس وتجود العين"، ويقول موقع الإسلام سؤال وجواب: الخوف من الله من أوجب الواجبات ومن لم يخف الله ليس بمؤمن وينتفي الإيمان عند إنتفاء الخوف. 

بينما يرفض مسلمون آخرون أن تقوم علاقتهم مع الله على الخوف ويرون أنها تكون أعلى مقاماً عندما تقوم على الحُب، ومن هؤلاء الصوفيّون الذين تحوّلوا في علاقتهم مع الله من الخضوع لعامل "الخوف" إلى الخضوع لعامل "الحب"، وقالوا "أن المحبّة هي أكمل مقامات العارفين، وهي إيثار من الله لعباده المخلصين". 

وتقول رابعة العدويّة إنها تحب الله لذاته لا طمعاً في جنّة ولا خوفاً من عذاب النار، كما قيل إنها سُئلت مرّة هل تكرهين الشيطان فأجابت: إن حبّي لله قد منعني من الانشغال بكراهيّة الشيطان، وبهذا توضّح أن محبّة الله إذا تمكّنت من القلوب لا تترك مكاناً لمشاعر الكراهية، وهذا يختلف تماماً عن مشاعر الغضب والكراهية التي يمكن ملاحظتها هذه الأيام على وجوه كثير من السلفيّين الذين قاموا بتكفير الصوفيين بإعتبارهم مُشركين خرجوا من معسكر الإيمان إلى الكفر، ولذلك يقوم إرهابيو داعش والقاعدة بتفجير مساجد الصوفيين كلّما سنحت لهم الفرصة. 

وتنعكس العلاقة مع الله التي تقوم على الخوف في المجتمعات التي يهيمن عليها الفكر السلفي على بقية العلاقات الاجتماعية، بحيث تقوم العلاقة ضمن الأسرة على الخوف، ويقول السلفيّون إن الرسول حثّ الوالدين على أمر الأطفال بالطاعات وتعويدهم عليها اعتماداً على الحديث، مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، ومثلها علاقة المعلّمين مع الطلاب في المدرسة حيث يُسمح بالعقاب الجسدي، ففي موقع إسلام ويب بإمكان المدرّس أن يضرب الطلاب ضرباً يحصل به المقصود وهو التأديب وإلزامه بالتعليم. 

ولعلّ الجانب الأكثر أهمية هو علاقة الأفراد مع السلطة السياسية والتي تقوم كذلك على الخوف، ويسمّى الحكّام عند كثير من الإسلاميين "أولي الأمر" ويقولون أن طاعتهم واجبة لأنها منهج الصالحين، وفي حديث متّفق عليه "من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه فإن من فارق الجماعة شبراً فمات، مات ميتةً جاهلية"، وفي حديث آخر تسمع وتُطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، وفي موقع إسلام ويب أن المُراد من هذا الحديث أنه تلزم طاعة الإمام وعدم الخروج عليه تفادياً لمنع تفرّق المسلمين وحدوث ضرر أعظم، ولذلك من الطبيعي أن تنتشر أنظمة الحكم الديكتاتورية في كثير من الدول ذات الأغلبية الإسلامية.  

ولمجموع هذه الأسباب أصبح السُجود حركة يكاد يقتصر إستخدامها ضمن العبادات اليومية على المسلمين بعد أن استبدلته الديانات الأخرى بإنحناءة بسيطة للأمام، ربما اعتماداً على حديث أبو هريرة، يكون العبد أقرب إلى ربّه وهو ساجد، وفي حديث آخر، إذا قرأ إبن آدم السجدة وسجد إعتزل الشيطان يبكي، وأضاف فوقها السلفيّون في العقود الأخيرة ظهور تقرّن على الجبين أو ما يُسمّى "زبيبة الصلاة"، وهي علامة لم تكن معروفة سابقاً ولا يمكن مشاهدتها في صور رجال الدين في النصف الأول من القرن العشرين وما قبله، بما يؤكّد على التشدّد الذي نتج عن ما يُسمّى الصحوة الإسلامية في سبعينات القرن الماضي. 

والخُلاصة يبقى السؤال الأهم: أيهما أقوى وأعمق وأكثر صدقاً، الإيمان بالله الذي يقوم على الخوف منه، أم الإيمان الذي يقوم على محبته؟.  

================================================================

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).